|
بقلم خالص جلبي
حسب عالم الأعصاب (ماك لين) فإن دماغنا يتكون
من ثلاثة أدمغة مركبة فوق بعضها البعض. وهو يتكلم بثلاث لغات
بدون قدرة على التفاهم فيما بين هذه الأدمغة الثلاث وبدون
ترجمان حاذق. وهذا له نتائجه الكارثية على تصرفات الإنسان.
وهو تفسير سبب وجود العدوانية عند الإنسان من الناحية
البيولوجية. فمنذ 100 مليون سنة تشكل عندنا الدماغ السفلي
وهو دماغ الزواحف، وهو دماغ لا يعرف المنطق، بل يعمل على
(المحافظة) على النوع وبذلك لا نفترق عن الأرانب والتماسيح،
فنحن نتكاثر منذ ملايين السنوات بنفس الطريقة. ولكن الفرق
كبير بين (المحافظة) على النوع و(ترقية) النوع، وفوق الدماغ
السفلي نبت دماغ جديد هو الدماغ المتوسط، وهو موجود ليس في
قاعدة الدماغ مثل الزواحف، بل في منتصف المخ، وهو المسئول عن
العواطف؛ من حب وتقزز وخوف ودهشة وفضول وفرح وحزن، وقد
أوصلها عالم الأعصاب الأمريكي (انتونيو داماسيو) إلى ستة
أنواع من العواطف، تماما مثل طيف الضوء والروائح فقد تبين
أنها تتكون أيضا من سبعة ألوان وأنواع، وهناك منطقة في الفص
الصدغي الدماغي هي (الأميجدالا) تعتبر مركز العواطف، ولها
شبكة اتصالات عصبية مع الدماغ؛ ولكنها تتصرف في كثير من
الأحيان تلقائيا، وهو السبب وخلف كثير من التصرفات المفاجئة
عند الإنسان حين لايمكن تفسيرها، واللاعقلانية هي خلف الكثير
من تصرفات الإنسان المجهولة، ومنها الحرب، وهو الشيء الذي
قاله الفيلسوف الألماني (فيرنر هايزنبرغ) عن إقدام هتلر على
الحرب مع معرفته المسبقة بالخسارة فقال لانريكو فريمي ـ
مخترع أول مفاعل نووي ـ عند زيارته له في أمريكا حين تعجب من
تصرف هتلر: يا صديقي متى كانت الحرب عقلانية؟ وهذا القسم
العاطفي في الدماغ نشترك فيه نحن والقطط والكلاب. وكلاً من
الدماغ السفلي والمتوسط تفاهما منذ مائة مليون سنة. ولكن
الدماغ الجديد عند الإنسان لم يتكون إلا منذ نصف مليون سنة
فلم يتلاءم مع أدمغة الزواحف والثدييات. والدماغ الجديد الذي
يسميه الأطباء (القشر الجديد
New Cortex)
يقوم على القدرات العقلية الفائقة مثل التخيل والتعقل
والتذكر والمحاكمة والنطق والتعلم. وفي هذه النقطة من تناقض
الأدمغة الثلاث تولد المفاجآت، فالإنسان ليس إنسانا في
حقيقته بل ما زال الوحش نائماً في صدره. والملكات الجديدة لا
تنتقل بالوراثة بل لا بد من تأسيسها عند كل مولود جديد. وهذا
هو نبع العنف في الإنسان. فنحن من الناحية البيولوجية لم
ننضج بعد. وهذا يعني أننا أمام رحلة طويلة من أجل تدريب
الدماغ العلوي على السيطرة على الغرائز السفلية التي تدمدم
في فضاء اللاوعي؛ حتى يتحكم قشر الدماغ العلوي بالدماغين
السفلي والمتوسط فتجعله غير قابل للتنبؤ يخوض الحروب مثل
المجانين. ومما ذكرنا نخلص إلى ثلاث حقائق مفزعة: أن الإنسان
ليس إنسانا بل هو من فوق إنسان وتحته وفي أعماقه يرقد خنزير
وسبع على حد تعبير (ابن مسكويه) في كتابه (تهذيب الأخلاق
وتطهير الأعراق). والحقيقة الثانية أن التطور البيولوجي لم
تنته رحلته بعد، وهناك انشقاق وانفكاك بين الأدمغة الثلاث،
وما يحكمنا في 95% من تصرفاتنا هو (لا وعي) وليس (وعيا)
خالصاً. والحقيقة الثالثة أن تأكيد وتثبيت القيم الأخلاقية
والعقلية التي قال عنها القرآن "ثم نفخ فيه من روحه" يجب
تأسيسها المرة بعد المرة على نحو كسبي كما ذهب إلى ذلك (محمد
إقبال) في كتابه (تجديد التفكير الديني). وهذا يفضي إلى
مشاكل جمة في علم الاجتماع. وحسب عالم الاجتماع العراقي (علي
الوردي) فإن المجتمع البشري بوجه عام "يهدده خطران: خطر
الجمود من جهة وخطر التفكك من جهة أخرى. والمجتمع الأمثل هو
الذي تتوازن فيه قوى المحافظة والتجديد فلا تطغى إحداهما على
الأخرى". والمجتمع هو في حالة حركة ومن درسه مفصولا عن
الحركة كان يفعل كما يفعل أطباء المخابر فيدرسون بنية
الفيروس وهو كتلة من جماد. والطبيعة ليست كذلك. وقوانين علم
الاجتماع أعقد وأصعب. وحسب أحمد أمين في دراسته للتاريخ
(العقلي) عند المسلمين أن خللا عارما حدث في العصر العباسي
حينما قضي على التيار العقلي على حساب نمو التيار النقلي.
ولو أن كلا من التيار العقلي والمحافظ بقيا يتدافعان لبقيت
الحيوية في المجتمع الإسلامي. ولكن مع سيطرة الفكر الوثوقي
دخلنا التيه كما وقع مع بني إسرائيل فحرم عليهم دخول الأرض
المقدسة. ونحن ما زلنا نعيش أرض الحرام فنقتل ونسفك الدماء
برهانا على ظن الملائكة فينا عندما قالوا أتجعل فيها من يفسد
فيها ويسفك الدماء؟ وهذه المسألة أعييتني منذ ربع قرن وتتكشف
لي أسرارها يوما بعد يوم. لماذا كان الإنسان هذا الكائن
المرعب الذي يقتل ويطور آلة القتل بدون توقف؟ |