تعد رواية "
النخاس " للروائي التونسي المتميز صلاح الدين بوجاه، واحدة من
الروايات التي وصلت إلى ذروة الاغتراف من التراث السردي القديم،
ومحاولة إعادة تشكيله في ضوء معطيات جمالية وأسلوبية ودلالية تعبر
عن التراسل بين الماضي والحاضر، من خلال صهر فنيات السرد القديم
بجماليات الإبداع الروائي المعاصر، بحيث لم ينبت الوعي الروائي
الحديث عن شجرة نسبه البكر الكامن في أوليات الحكي لدى القدماء،
حين تراسلت لديهم فنون الشعر والمشهد الحواري، إلى جوار صناعة
الخبر و المقامة، لتكون هذه الفنون في كليتها العميقة نزعة إنسانية
تصب في مجر أوسع يعبر عن مبدأ راسخ يشير إلى أهمية السرد.
ومن هذا المنطلق
الذي يصل بين الماضي والحاضر، بواسطة استرفاد الجوانب الحية في
تجربة السردية العربية القديمة، نبتت أفكار بوجاه التي تصوغ وعياً
جديداً لسرد مغاير، يستلهم قصص العرب ورواياتهم وأخبارهم وأيامهم
وخيالاتهم وبطولاتهم لينسج من جملتها مدونته الرواية، ويصوغ من
خلالها مفاهيمه الروائية الخاصة حول الرواية اللغوية أو رواية
الواقعة اللغوية، والتي تستند إلى وعى عميق بمكونات الماضي القادرة
على الحضور وإعادة التوظيف.
وإذا كان
التشديد على التمازج بين فن السرد القديم والرواية الحديثة على هذا
النحو من البروز في تجربة صلاح الدين بوجاه الروائية على الصعيدين
النظري والإبداعي فلن تكون مغادرة هذا الملمح أو تجاهلها من قبل
مرايا النقد الروائي، ومن هنا وجهت الكتابة النظرية والإبداعية
الخطاب النقدي الدارس له نحو العصب المركزي الذي تصب فيه البؤرة
المركزية لخلاصة تجربته الروائية، ولعل تتبع مرايا النقد العاكسة
لعناصر رؤيته كما تبدت في ذراها من خلال رواية " النخاس " ما يكشف
عن تقارب الفضاءات النقدية وتقاطعها إزاء عناصر محددة تمثل نقاط
إجماع بين نقاده على أهميتها في تشكيل هذا التقارب مع التراث
السردي إن العودة إلى تقديم منصف الوهايبي للرواية ودراسة د. عبد
الله أبو هيف عن استلهام التراث السردي في روايات بوجاه، بجانب
دراسة د. صبري حافظ عن الرواية والتي بعنوان (متاهة اللغة، مرآة
الرواية) ، جميعاً تكشف عن تجاوب بين أفق التوقعات النقدي، وتقارب
في توصيف العناصر المكونة لضفيرة السرد في " النخاس "، وتغرينا
عمليات التلاقي بين هؤلاء النقاد في التقاط الملامح المائزه
للرواية بتتبعها لدي كل ناقد منهم.
في تقديمه "
النخاس " يلمح منصف الوهايبي صلة الرواية بشجرة نسبها العريقة التي
تنبع من تربة التراث الإبداعي العربي الثرية، وفنونه البواحه
دائماً بعبق الماضي فما تتدثر الرواية به من سمات التفريغ من
الأصول و التعريج عن الفروع وإدراك التشعيب غايته، يمثل وشيجة
عجيبة تقربها إلى فن " التوريق العربي " أو ما اصطلح عليه مؤرخو
الفن الأوربي بلفظة الأرابيسك، ففي (النخاس) أشتات من الأمشاج
والصور المستمدة من التاريخ وسيره، تتقاطع مع سيرة بوجاه ذاته، ومن
ثم يفجر السرد الروائي مكنونات الشكل القديم ويطلق روحه الحبيسة
ليكشف خباياها، فى مزيج غرائبي يكتظ بالشخوص والعوالم العجيبة،
تضرب فى أرض الواقع بسهم وتشارف الحلم والرؤيا من خلال التركيز على
صورة البحر الأبيض المتوسط، وبنية الترحال التي تجمع فى مسيرتها
أشتات الأمم والحضارات المتاخمة له ماضيا وحاضرا : فإلى جوار العرب
نرى الترك والبربر والأسبان والقبط والفرنسيين والطليان والزنج.
ويؤكد الوهايبى
أنه بواسطة هذا التمازج العجيب بين شكلين : قديم وجديد يداور
أحدهما الآخر، أي العربي القديم والجديد الذي طورته الرواية
الأوربية، يخدم الشكل الروائي فى محصلته النهائية متخيلا ينبني على
التعدد والتداخل بين الأجناس وتحقيق قدر كبير من الكثافة، فهي تسمى
الأشياء وتعددها في اللحظة ذاتها، غيرأن هذا الاحتشاد ينطلق من وعي
الكاتب بلعبته الروائية التي يؤدها ببراعة، فلا نجد صوتاً نشازاً
أو لحناً ناتئاً بين أمشاج النصوص والأصداء (فالمجردات والمحسوسات
جميعاً لا تتدافع ولا تتزاحم قدر ما يفتح بعضها على بعض وينهض
بعضها لبعض)، فلا قداسة مزعومة للغة الفصحى، وإنما تداخل لغوي يجمع
بين عربية رصينة وأخرى عامية، إلى جوار نسيج مصنوع بحرفية من برج
من اللغات فرنسية وإيطالية وسواهما…
على أن المبني
لا ينفصل عن المعني فهذا التعدد يقود إلى حركة لا تبتغي التوقف ولا
تقبل السكونية، تعطي طرفاً من القول وتفتح باباً واسعاً لتعدد لا
يحد في تنوع معاينة التي لا تقبل الاختزال.
وفي دراسته التي
تحمل عنوان استلهام التراث السردي في الرواية العربية والتي تتخذ
من روايات صلاح الدين بوجاه نموذجاً، يؤكد د. عبد الله أبو هيف على
أهمية رواية " النخاس " في مجال استنباش التراث السردي العربي
القديم، وهذا ما يظهر جلياً منذ عتبات النص ومداخله.
إن تصدير
الرواية بمقولة ابن سينا المأخوذة ( من الإشارات والتنبيهات)
تنقلها إلى كمال الوهم وأقصي أمداء التخييل من خلال عالم أشبه
بمغامرة شائقة سردياً ولغوياً، بداية من عتباتها (العنوان ،
الإهداء ، الكلمات المفتاحية، التذييل المسمي أطراف النص)
عنوان الرواية
لا يحمل في طياته كما يذكر أبو هيف تلك المعاني التي أسندها إليه
بوجاه، فالنخاس يشير إلى بائع الدواب ويتسع المعني ليشير إلى بائع
الرقيق، لكن بوجاه أضاف للكلمة معان جديدة يدخل فيها (ولوج جراح
الآخرين وشرح صدورهم والنظر في دخيلة أمرهم)، ويدخل فيها أيضاً
المقايضة جليلها وحقيرها وضروب المداورة والتجوال، ويتحول النخاس
بحركة هذه المعاني إلى حلزون تائه يزحف في دنيا الناس يكشف الخطايا
في أسواقهم وبهذا المعني ينقطع معني النخاس عن مراده اللغوي
المباشر المذموم ليعبر عن معان إيجابية دالة على الرحالة الذي يدرك
بواطن الأشياء.
ولا تتخلق رواية
" النخاس " في بنائها الروائي إلا وهي تضع نفسها في خضم أثير تحوم
فيه داخل متاهات السرد وغوايته الغامضة والتي تكشف عن توق إلى
الدخول في لعبة الكشف عما يحدث في الأبعاد العيانية الظاهرة أو
الداخلية فيما وراء الأنفس، ولعل استخدام فعل (تداوره) الملتصق
دوماً بحالة السفر نحو استلام الجائزة، والذي يكشف أبو هيف عن دوره
بدقة تتبعه لوروده المتواتر على طول الرواية، ما يدل على توغل
الرواية صوب التعدد وصراع التأويلات ويدخلها في تضافر الأشكال
السردية يقول د. أبو هيف " إن فعل المداورة يغني معانيه وتأويلاته
مثال لبناء الرواية التي تنوع أشكال سردها من الخبر إلى الحكاية
إلى السيرة إلى المقال إلى النزوع إلى الشعر، فتضافر الأشكال
جميعها في ذلك التشكيل الفريد لانهيارات السرد وضبطه في الوقت
نفسه"
وعلى مستوى
علاقة السرد الروائي المتخيل بالأبعاد المرجعية نجد أن بوجاه في "
النخاس " مثلما يناهضه لمرجع بالتخييل فإنه كذلك يناهضه التخييل
بالإيهام حينا وبالمبالغة في المحاكاة أحياناً أخر، وهو ما يظهر في
عناوين فصول الرواية، كما يتجلى كذلك في التداخل المقنن بين المبني
الواقعي والأستعاري ، فالوحدات القصصية لها طبيعة منطقية ذات ترتيب
واع، بالإضافة إلى وجود نسق من التنضيد داخل الخطاب الروائي تفصح
عنه فاعليات التناص مع نصوص وإشارات ثقافية،إلى جوار تحول الكتابة
إلى فضاء فنتازي بواسطة انصهار اللغة والمخادعة السردية والمرجعية
وإظهار الراوي في بؤرة.
ويعرج بنا
الناقد المصري صبري حافظ على اهتمام الرواية العربية الحديثة
بإدارة حوار مع التراث النثري العربي، مما يرهف قدرتها على التعامل
مع متغيرات العصر وتبدلات الحساسية الأدبية، ويطرح في اللحظة نفسها
بنية روائية جديدة تكتسب بها الرواية العربية خصوصيتها وفي هذا
الأفق جاءت رواية " النخاس " لبوجاه لتجسد على صعيد أولي طموح
كاتبها لتطوير أداته الروائية بعد روايته الأولي (مدونة الاعترافات
والأسرار)، كذلك لتؤكد على مذهبه الذي أصطلح على تسميته بالواقعة
اللغوية" وهي واقعية ذات مستويات ثلاث كما يؤكد د. صبري حافظ ، أول
هذه المستويات.
- تصوير مباشر
للواقع العربي الأعجف الخارجي قديمه وحديثه
- بناء واقع
روائي داخلي صرف يحيل على ذاته، ملتمساً جل عناصره من بناه
الداخلية بل ورموزه التي لا فك لسننها إلا صدوراً عنها وعودة
إليها.
- إقامة واقع
لغوي محض يعبر عن واقع لغتنا التي نهوى ونعشق، هذه التي تسكننا
ألماً جميلاً ونسغاً حلالاً، يروي كرمة غدنا غوصاً من تربة ماضينا.
ولقد ظل هذا
الطموح يداور بوجاه حيناً ويغدو عصياً في بعض الأحيان إلى أن تحولت
مراوداته لهذا الطموح إلي واقع في روايته " النخاس"
وتتسم ( النخاس
) بقدرة روائية تمزج بين الوهم بالتسجيل، والواقع بالخيال وأشكال
السرد التراثية القديمة ببنية السرد المعاصر، كل ذلك يقيم قواعد
اللعبة النصية المخاتلة، عبر متاهة نصية ممتعة يستحيل معها تلخيص
الرواية، فالرواية لا تعتمد في رأي د. صبري حافظ على مسار الحدث
على الرغم من مسيرته الشيقة ولا ثراء الشخصيات على الرغم من
خصوبتهما، بل على التراكب والتناسخ وتراسل الدلالات.
مبدأ التناسخ
ذات الأصول الهندية والذي يري أن كل صورة ما هي إلا تجل لصور
سابقة، هو مبدأ عمل الأحداث والشخصيات في عالم الرواية فالرواية
تؤكد على أن لكل شئ بعده التاريخي، وأن تراكم طبقات الخبرات
والمعارف يمكنا من استيعاب الأشياء والجزئيات والشخصيات والتصورات.
ويتوقف د. صبري
عند دلالة التصديرين الاستلهلاليين، والذي يتقاطع فيهما بوجاه مع
قول لابن النديم من كتاب "الفهرست" وآخر لابن سينا من "الإشارات
والتنبيهات" وهما يمثلان مفتاح قراءة للرواية، وهذا ما يتضح في
دلالاتهما على شمول التجربة وإلى تحول جميع الأمم والأزمنة،
بالإضافة إلى منهج التجاور الذي يسفر عن نفسه في بنية العبارة
المقطعة، حيث تتجاور الأخبار والأنساب والأماكن والمناقب والمثالب
مما يؤدى إلى توليد علاقات جديدة وتفجير العلاقات التقليدية كذلك
الولع بالتركيز والاقتصاد، والمبدأ الجمالي الذي يعي أهمية الكمال
كمصدر الكمال وأن مصدر هذا الجمال هو كمال الوهم.
ويلتفت الناقد
أيضاً إلى دور عناوين الفصول في تقديم بعد إرشادي للقراءة، يوهم
ويذكر بعناوين النصوص القصصية التراثية القديمة، وتنهض هذه
العناوين بعدة وظائف أولها إجهاض التوقع واستباق الحدث، بجانب
التقليل من التشويق دون الإجهاز عليه، وثالثها إرهاف من حدة الجدل
التناصي مع النصوص القديمة، وأخرها دورها في الإيحاء باستقلالية كل
فصل.
والحكي ينطوي
كما يري د. صبري حافظ على مبدأ الغواية الجاذبة نحو السفر والترحال
والوهم الذي يباطنه ظن بالحصول على جائزة، الرواية تقص رحلة الكاتب
تاج الدين فرحات البحرية على سفينة " الكابو – بلا " السوداء إلى
جنوه، حيث تلقي دعوة من هيئة جائزة (مينالدو) الأدبية لزيارة
البلاد الإيطالية، ولكنه مدعو إلى لحضور حفل الإعلان عن الفائز
بالجائزة لا حصوله هو عليها، (فثمة تعلق بوهم وتعلة، منذ بداية
الدعوة، إذ إن غايتها ملفعة بالأسرار والترجي وإن كان مقصدها
الجغرافي واضحاً وهو جنوه).
على أن هذه
الرحلة المجسدة داخل الرواية من خلال ارتباطها بدلالات السفينة
والمؤلف/ البطل، تشير إلى أبد الرحلة ولانهائيتها كما يقول د.
صبري، فالسفينة تشكل استعادة دالة على كوكبنا الأرض، وربما تشير
أيضاً إلى قارتنا الأفريقية؟ أو إلى المؤلف – صلاح الدين بوجاه
نفسه؟ وحيرة هذه الأسئلة التي تتنازع فيما بينها في تشكيل دلالة
الرواية تخلق قدراً من الالتباس لتوسع أفق دلالات الرحلة. (فالرحلة
في هذه الرواية هي الرحلة الأفقية والرأسية معاً، أي رحلة الغوص في
البحر وتكبد مشاق عباب الغمر، ورحلة الغوص في قيعان النفس البشرية
وطبقات التواريخ المطمورة ومستويات اللغة المتراكبة في آن واحد"
إن السفينة في
الرواية تمثل صورة مصغرة للعالم الخارجي ونجح بوجاه في أن يجعل
منها نواة مركزية للعالم الروائي، بواسطة تجسيده خصوصية السفينة
وعموميتها معاً بتلك الطريقة الشاعرية، التي تنسج خيوطاً محكمة
لشبكة من العلاقات والأحداث.
إن تتبع مسارات
الآراء النقدية السابقة, لهؤلاء النقاد الثلاث, على الرغم من
اختلاف المنطلقات النظرية لكل منهم, ليكشف عن وجود عناصر أساسية
وسمات تعبيرية, لا يمكن أن تتجاوزها العين الناقدة الخبيرة لفن
السرد العربي الحديث, فمن خلال تحاور الرؤى حول "النخاس" تبرز
أهمية العنوان الروائي والعناوين الداخلية للفصول ونبية العبارة
السردية المخاتلة واستخدام الموروث السردي القديم فى بعد إشاري
مغاير, كل ذلك يسهم فى صناعة فصل روائي متعدد الدلالات والرؤى,
يغوص فى الأوجاع الفردية ويجعل منهما تجربة إنسانية لها صفة
الشمول.
ولا شك أن هذه
القراءات الثلاث لتكشف كذلك على قدرة الإبداع الأدبي أن يحرك
استجابات جمالية متعددة بحسب المنطلق المحرك للتلقي, لكن هذا
التعدد لا يعبر عن الخلاف الجذري, بقدر ما يولد أفق جامع وفضاء
مشترك للقراءة, إن كل أدب يتسم بالاستمرار والديمومة لا شك يوكل فى
كل منا إحساس ما ويستدعى تجربة ماضية لنا خاصة بكل فرد, لكنه كذلك
يستطيع أن يجعلنا جميعا نتقارب فى أبعاد معينة, من خلال نقطة
التقاء مشتركة, ومن هنا كان الدرس النقدي حول "النخاس" معبرا عن
قدرتها على مزج الخاص بالعام, والفردي بالجماعي, ككل إبداع عظيم,
يرجى له فى لحظة ما بالدوام, وبالكشف المستمر عن خبايا التجربة
الإنسانية.