ويبدو أن المفكر
الدكتور جابر عصفور الأمين العام للمجلس الأعلى للثقافة قد
أرجأ نشر مؤلفه حول عميد الرواية العربية الدكتور هيكل ليفسح
المجال لابنه أحمد هيكل المحامي كي يخرج عن المجلس المشروع
الذي أنفق في سبيل إعداده أربعة عقود جمع شتاتها. ساند عصفور
مشروع هيكل الابن كمفكر ومسئول، فأفسح له سلسلة من إصدارات
المجلس الأعلى للثقافة، قدم لها بدراسة ضافية جاء فيها:
يتمثل هذا المشروع في نشر المجلس ستة مجلدات لأعمال المبدع و
المفكر الرائد محمد حسين هيكل، المتجسد في مقالاته التي لم
يسبق جمعها بين دفتي كتاب، احتفاء بالدور الذي قام به الرجل
في تأسيس ثقافتنا الحديثة .. و هذا الاحتفاء واجب ينهض به
المجلس وفاء وتقديرا من ناحية، وتأصيلا لمعنى متميز، في سياق
الاحتفاء بأعلام الاستنارة العربية الذين أسهموا في تأسيس
وعينا الثقافي المعاصر، و أكدوا حضور الدولة المدنية في
أذهاننا من ناحية موازية. وعندما نتحدث عن جهود هؤلاء
الأعلام فإننا نتحدث عن تراث حديث، أسهم في صنعه المشايخ و
الأفندية الذين أخذوا على عاقتهم عبء النهوض بالأمة ودفعها
إلى أفق التقدم المتصل. و أضاف عصفور أن هيكل يحتل موقعا
بارزا من مواقع الصدارة في هذا التراث بوصفه رائدا من الرواد
الذين أسهموا في تطوير مجالات الفكر والإبداع، و أضافوا إلى
أشكال الممارسة السياسية والاجتماعية والثقافية ما دعم حضور
الاستنارة .
وحول العلاقة بين
هيكل و عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين نقرأ: ولم يكن من
قبيل المصادفة أن يكون طه حسين الأقرب إلى هيكل من أبناء ذلك
الجيل، فطه حسين شبيه هيكل في النشأة الريفية الأولى وشبيهه
في الانحياز إلى فن القصة التي استلهما أوائلها من حياة
القرية التي كانت منبع الهوية، و شبيهه في المثاقفة الفرنسية
التي وصلت بينهما في مجموعة "اللاتين" التي ضمت أمثال مصطفى
عبد الرازق و توفيق الحكيم و غيرهما من الأقران الذين مايز
طه حسين بين طرائقهم في التفكير و طرائق مجموعة "السكسون"
التي ضمت أمثال عباس محمود العقاد و عبد القادر المازني و
غيرهما من السكسونيين المتصلين بالثقافة الإنجليزية، و ذلك
في المناظرة الشهيرة التي استهلها طه حسين عندما كتب عن
اللاتين والسكسون ، فأهاج العقاد قطب السكسونيين البارز
ودفعه إلى الدخول معه في معركة دالة على التكوين الثقافي
لأبناء ذلك الجيل.
و يروى لنا أحمد هيكل المحامي ، نجل
الدكتور محمد حسين هيكل، صاحب أول رواية في الأدب العربي
(زينب) ، كيف أعد فهرس المقالات التي توصلت إليها في جرائد
"السفور" و"السياسة الأسبوعية" وغيرهما. وكانت الدراسة
الجامعية قد بدأت أو كادت، فيقول: كنت حريصا على ألا أرجئ
الأمر بسبب الدراسة فدلني صديق عزيز على رجل حسن الخط يدعى،
رغم زيه الإفرنجي، بالشيخ حسين، و أوصاني بأن أعهد إليه
بنسخة المقالات وفقا للفهرس الذي وضعته. و نسخ الرجل
المقالات، و كلما تجمع عدد منها أذهب إلى دار الكتب لمطابقته
على الأصل.
وخلال عدة سنوات تجمعت مجموعة كبيرة من
المقالات صدر منها في الستينيات من القرن العشرين "الحكومة
الإسلامية"، "الشرق الجديد"، "الإيمان والمعرفة والفلسفة
"قصص مصرية" و"شرق وغرب". والحق أن الدكتور هيكل لم يعن
كثيرا بجمع مقالاته بعد أن أصدر بعضها في كتابيه: في وقت
الفراغ ، وثورة الأدب.
وربما كان من الأسباب التي أدت إلى تأخير
صدور هذه المجموعة ترتيب العمل فيها ووضع خطة له، كان لابد
أولا من الاختيار بين أحد أسلوبين : إما نشرها جميعا
بتسلسلها الزمني على اختلاف موضوعاتها و تنوعها ، أو تبويبها
بحسب موضوعاتها مما يتطلب عملية انتقاء بينها لم يكن لي أن
أقوم بها دون معايير دقيقة يتم الانتقاء بناء عليها رغم
صعوبته. و قد انتهى هيكل الابن إلى ضرورة الأخذ بالطريقتين
معا أي بالتبويب والانتقاء بحسب الموضوعات. ثم بالترتيب
الزمني في نطاق هذه الموضوعات، و ذلك حرصا على وحدة الموضوع
و تسلسل الأفكار من جهة وعلى تسهيل الرجوع إليها و ربطها
بالمراحل المختلفة في حياة الدكتور هيكل الفكرية و العملية.
ومما يجدر بالذكر أن الجزء الأول من
الكتاب يتناول الحياة الأدبية، شعرا ونثرا، ليس من خلال
دراسة نظرية، بل من خلال مقدمات تتناول أعمالا صدرت في حينها
واحتل الكثير منها مكانة هامة في حياة مصر الثقافية من بعد.
أما الأجزاء التالية فسيتبع فيها نفس أسلوب التصنيف الذي
اتبع في الجزء الأول وإن كانت بالضرورة سوف تكون أكثر تنوعا
بحكم تعدد المجلات التي كتب فيها الدكتور هيكل و عالجها في
حياته العملية. فالجزء التالي سوف يضم مقالاته عن
الديمقراطية والحياة النيابية ودور الرأي العام فيها ،
والحياة السياسية في مصر ودورها في الحياة الدولية، وعن
الإحياء العربي والتعاون من أجله، ويعرض كذلك لأهمية الحوار
بين الأمم و دوره في لإقرار السلام في العالم ، و يتناول
أخيرا بعض مقالات له عن الصحافة و أوضاعها في مصر في ذلك
الحين.
أما الجزء الذي
يليه فسوف يضم في معظمه خواطر إنسانية و آراءه في اللغة
والأدب ، و خواطر عن الفنون و صلتها بالحياة. ويتناول الجزء
الرابع مقالات الدكتور هيكل في الإصلاح الاجتماعي و إصلاح
التعليم بمختلف مراحله ، كما يتناول أوجه إصلاح بعض مؤسستنا
الثقافية في ذلك العهد. ويجيء الجزء الخامس أكثر تنوعا و إن
كان يغلب عليه الطابع السياسي، يضم بعض مقالات الدكتور هيكل
و خطبه عن مصر و دورها في الحياة الدولية ، يتناول فيها بعض
ما شهده أو شارك فيه من أحداث وثيقة الصلة بحياة مصر و
المصريين ، و ربما كان لها تأثيرها عليها حتى اليوم ، و في
مقدمتها القضية الفلسطينية . ثم يأتي بعد ذلك جزء أخير يتضمن
بعض الخواطر الإسلامية للدكتور هيكل و عدد كبير من المقالات
التي كتبها في القسم الأخير من حياته ، و هي في جانب كبير
منها ذكريات و عبر .
و هيكل ـ كما أرخ
له العلامة الراحل الدكتور مهدي علام ـ ولد في بقرية كفر
غنام من محافظة الدقهلية في سنة 1888 ، و حفظ القرآن الكريم
في كتاب القرية . ثم بعث إلي القاهرة ليتابع دراسته فحصل على
الشهادة الابتدائية من مدرسة الجمالية الابتدائية سنة 1901 ،
و شهادة الدراسة الثانوية من المدرسة الخديوية سنة 1905 ، و
التحق بعد ذلك بمدرسة الحقوق ، و بعد تخرجه منها سنة 1909
سافر إلى فرنسا ليواصل الدراسة العليا فالتحق بجامعة
السوربون واختار لرسالة الدكتوراه موضوع دين مصر العام، فقرأ
كل ما أتيح له عن تاريخ مصر الحديث، و نال الدرجة العلمية
سنة 1912. و عاد عقب ذلك إلى مصر ليشتغل بالمحاماة فاتخذ له
مكتبا بالمنصورة.
و لقد بدت موهبة الكتابة عند الدكتور
هيكل مبكرة ، فكان وهو طالب يقضي إجازته الصيفية في قريته و
يصدر مجلة يطبعها على مطبعة الغراء سماها الفضيلة، و كان
يوزعها على القراء في قريته و في القرى المجاورة. ثم اخذ
يكتب في "الجريدة " منذ إنشائها إلى أن احتجبت سنة 1915 ،
فتابع بعد ذلك نشاطه في جريدة "السفور" الأسبوعية ، يتناوب
هو والدكتور طه حسين و الشيخ مصطفى عبد الرازق والدكتور
منصور فهمي كتابة مقال لكل عدد، فضلا عن كتابته في عدة جرائد
ومجلات أخرى مثل الأهرام والمقتطف. ولما تكون حزب الأحرار
الدستوريين سنة 1922 كان المرحوم هيكل أحد أعضاء مجلس إدارته
وعهد إليه حينذاك برئاسة تحرير صحيفة الحزب و لسان حاله
"السياسة اليومية" . و منذ هذا الوقت ودع حياة المحاماة ووقف
بقية حياته للصحافة والسياسة والتأليف. و ظل رئيسا لتحرير
"السياسة" حتى بعد أن تحولت إلى أسبوعية سنة 926 . و قد شغل
بعد ذلك عدة مناصب: اختير وزيرا للمعارف عدة مرات ، ووزيرا
للشئون الاجتماعية، و عين رئيسا لمجلس الشيوخ وقد اختير سنة
1941 بعد وفاة المرحوم محمد محمود باشا لرئيس حزب الأحرار
الدستوريين، ثم تنازل له المرحوم عبد العزيز فهمي باشا عن
رياسة الحزب، فأصبح رئيسا له حتى ألغيت الأحزاب بعد قيام
ثورة 23 يوليو سنة 1952. وكان رئيس وفد مصر في الجمعية
العامة للأمم المتحدة سنة 1946 و ما بعدها ، و كانت له مواقف
جليلة في قضيتي مصر و فلسطين .
ومن مؤلفاته التي أثرت المكتبة العربية
قصة زينب و هي تعد باكورة إنتاج القصة في الشرق العربي،
وحياة محمد، في منزل الوحي ، الصديق أبو بكر ، الفاروق عمر ،
ولدي ، عشرة أيام في السودان ، تراجم مصرية وغربية ، ومذكرات
في السياسة المصرية ( جزآن ) . واختير الدكتور هيكل لعضوية
المجمع سنة 1940 . و قد اقترح على المجمع في الدورة السابعة
و ضع معجم خاص بألفاظ القرآن الكريم ، و قد تمت الموافقة على
ذلك الاقتراح و تألفت لجنة ـ كان هو أحد أعضائها ـ لوضع
المنهج العلمي لهذه اللجنة. و بعد أن تكونت اختير ليكون عضوا
بها . و قد اشترك بعد ذلك في لجان أخرى : لجنة الأدب ، و
لجنة القانون و الاقتصاد. وقال عنه الدكتور طه حسين في حفل
تأبينه: ذلل القصة لكتابها ، وذلل السياسة الصحفية لكتابها،
و شارك زملاءه ومعاصريه في تذليل اللغة العربية وتمكينها من
أن تكون ملكا للذين يتكلمونها".