الإدارة المتكاملة للآفات أم الإدارة الذكية للمبيدات؟!!

د. محمد بن عبدالعزيز الدغيري

الكثير من تعاريف الإدارة المتكاملة للآفات أو كما يسميها البعض بالمكافحة المتكاملة للآفات  Integrated Pest Management واختصارها "IPM" تحوي أهدافاً مشتركة وهي التأكيد على منع الخسارة الاقتصادية الناتجة عن الإصابة بآفة معينة مع الحصول على بيئة ملائمة لا يمكننا الحصول عليها في غياب التطبيق الفعلي لهذا النوع من المكافحة.  أيضا تطرقت الكثير من هذه التعاريف إلى المضار الاجتماعية التي يمكن تجنبها في حال تطبيق الإدارة المتكاملة.  ومن التعاريف الشائعة للإدارة  المتكاملة للآفات أنها "الاختيار والاستخدام الذكي لطرق مكافحة متنوعة والذي يضمن تلافي حدوث مضار اقتصادية وبيئية واجتماعية".  أيضا من تلك التعاريف، والتي تؤكد ديناميكية واستمرارية التطوير و فعالية ذلك النوع من المكافحة، أنها "الاستخدام المتوازن لطرق المكافحة الحيوية والزراعية والكيميائية بما يتناسب مع وضع معين على ضوء الدراسة المتمعنة لكل العوامل المحيطة". ومن أهم تلك التعاريف، والتي تتطلع الكثير من الدول المهتمة بذلك النوع من المكافحة إلى تطبيقه، هو أنها "الطريقة الاقتصادية في مكافحة الآفات وذلك بالجمع بين طرق مكافحة حيوية وزراعية وميكانيكية وفيزيائية وكيميائية بأسلوب يضمن خفض الأضرار الاقتصادية والصحية والبيئية".

          في القديم، وتحديداً قبل قيام الحرب العالمية الثانية، كان استخدام المبيدات الكيميائية محدوداً وذلك بسبب غلائها وقلتها وأحياناً عدم فعاليتها.  وقد كان المزارعون في ذلك الوقت يستخدمون أساليب مكافحة زراعية وذلك بالاعتماد على تعزيز تواجد الأعداء الحيوية و تعزيز مناعة النباتات المزروعة ضد الكثير من الآفات الزراعية.  وبعد الحرب وتحديداً في أواخر عام 1930م كان ذلك التطور في تصنيع المواد الكيميائية المختلفة والذي نتج عنه الاستخدام التجاري للمركبات الكيميائية مثل المركب الفسفوري العضوي تيب TEPP و المركب الهيدروكربوني الكلوروني DDT.  وكانت تلك المركبات رخيصة ومتوفرة وفعّالة بطريقة كبيرة إلى درجة دعوة بعض المهتمين إلى الحد من استخدام تلك المبيدات خوفاً من انقراض بعض الحشرات.  وفي منتصف القرن العشرين وفي ظل توفر تلك المبيدات الفعالة تم تطوير الكثير من الأصناف النباتية لإعطاء محصول عالي مع إهمال التنوع الجيني والقدرة علي مقاومة الإصابة بالآفات في تلك النباتات وذلك بسبب الاعتقاد بان المبيدات الحشرية سوف تغطي ذلك الجانب.  وكان لقيام المزارعين بزراعة تلك المحاصيل غير المنيعة مع الاستخدام المكثف والعشوائي للمبيدات الواسعة النطاق والغير انتقائية والذي أدي إلى القضاء على الكثير من الحشرات النافعة سبباً في حدوث زيادة في نشاط بعض الآفات ومقاومة تلك الآفات للمبيدات المستخدمة. ونتج عن ذلك قيام المزارعين بزيادة جرعات وعدد مرات المعاملة بتلك المبيدات محاولة منهم للحد من أضرار تلك الآفات.  ومع تخوف الكثيرين من المهتمين من ذلك الازدياد المطرد و العشوائي في استخدام المبيدات قام العالم ستيرن و آخرون في عام 1959م باقتراح فكرة الإدارة المتكاملة للآفات.  ولكن كان صدور كتاب "الربيع الصامت" للكاتبة ريتشيل كارسون في عام 1962 أثره الكبير في توجيه أنظار المجتمع إلي الآثار الخطيرة والمدمرة لتلك المبيدات.

وفي ظل اعتماد الكثير من المزارعين على المبيدات الكيميائية كوسيلة مهمة وأحياناً وحيدة للحد من أضرار الآفات الزراعية قام أنصار تلك المبيدات الكيميائية وليحافظوا على استمرارية استخدام المبيدات الكيميائية في ظل الدعوة المكثفة لمنع استخدامها بالدعوة إلى أنّ الـ  IPM ما هي إلا Intelligent Pesticide Management  أو "الإدارة الذكية للمبيدات". وكان لهذا سبب في اعتقاد الكثير بأن الإدارة المتكاملة للآفات و الإدارة  الذكية للمبيدات ماهما إلا اسمين لشيء واحد وأن تطبيقاتهما واحدة بينما نجد أن كلا الاسمين لهما خصائصهما ومتطلباتهما المختلفة التي تجعلهما منفصلين وغير متطابقين.  حيث أن تطبيق برنامج الإدارة المتكاملة للآفات يتطلب استخدام أساليب مكافحة متنوعة ومناسبة مع التوفيق فيما بينها بهدف خفض تعداد الآفات الزراعية دون المستوي المؤدي لحدوث أضرار اقتصادية.  ويتوجب على تلك الأساليب أن تكون ديناميكية ومرنة ومتميزة بحسب نوع الآفة ونوع النبات مع إمكانية إبقائها فعالة بشكل مستمر مع تجنب الإكثار من الاعتماد على أحد الأساليب بشكل أكبر من الأخرى.  بينما يتطلع برنامج الإدارة  الذكية للمبيدات إلى زيادة عمر استخدام أي نوع من المبيدات من خلال التركيز الكبير على الاستكشاف المتمعن للآفات وتطبيق نظام الحد الاقتصادي الحرج (الحد الاقتصادي الحرج هو الكثافة العددية للآفة التي يجب عندها البدء في عمليات المكافحة لمنع الآفة من التزايد ووصول تعدادها إلي مستوى الحد الاقتصادي للضرر أو أقل تعداد للآفة يحدث ضرراً اقتصادياً) واستخدام المبيدات الانتقائية ذات النطاق الضيق وذات الخطورة المنخفضة و إدخال معاملات كيميائية أخرى متوافقة.

وفي الوقت الحاضر يعتمد تطبيق أي من نوعي برامج المكافحة (الإدارة المتكاملة للآفات أو الإدارة الذكية للمبيدات) بشكل كبير على أهمية المحصول ومدى توفر واستخدام المبيدات الواسعة النطاق و مدى فعالية الأعداء الحيوية و مدى خطورة و انتشار الآفة.  فنجد أن تطبيق برنامج الإدارة المتكاملة للآفات يتناسب بشكل كبير مع كون المحصول المزروع قليل الأهمية وعندما تكون المعاملة بالمبيدات الكيميائية هي الوسيلة الوحيدة لحماية المحصول مما ينتج عن ذلك زيادة في تكاليف الإنتاج وخفض في العائد.
 ومن الأمثلة الشائعة لذلك النوع من المحاصيل فول الصويا والذي يمتاز بقدرته على تحمل الإصابة بالآفات بدون تعرضه لخسارة اقتصادية كبيرة مما جعل الحد الاقتصادي للضرر الناجم عن الإصابة بأي من آفاته يرتفع.  ولقد قام مزارعو فول الصويا بالاستفادة من تلك الميزة لهذا المحصول وذلك بتطبيق برنامج مكافحة يشمل العديد من الأساليب لتجنب أو تقليل الحاجة إلى معاملة المحصول بالمبيدات. مثلاً يقوم المزارعون بإعطاء مجال للأعداء الحيوية مثل المفترسات والمتطفلات والممرضات في خفض تعداد الآفات (مكافحة طبيعية).أيضا يقوم المزارعون بزراعة مجموعة من نباتات فول الصويا في أماكن متفرقة من الحقل والتي تمتاز بسرعة نموها أو زراعتها مبكراً وذلك لاستخدامها كمصائد أو جاذبات لأعداد كبيرة من الآفات ومن ثم يقوم المزارعون في تركيز المعاملة بالمبيدات على تلك النباتات حتى يتمكنوا من القضاء على أعداد كبيرة من تلك الآفات بأقل تكلفة ولتجنيب المحصول الرئيسي أضرار الإصابة.  أيضا يقوم مزارعو فول الصويا بعمل فحص دوري لحقولهم وعندما يكتشفوا بأن تعداد الآفات فاق الحد الاقتصادي يقومون برش المحصول بأحد المبيدات الانتقائية.  هنا في برنامج الإدارة المتكاملة نجد أن استخدام المبيدات الكيميائية كوسيلة للحد من خطورة الآفات محدود في نطاق معين وضمن برنامج مكافحة متعدد الوسائل ومتكامل.

وللمقارنة نجد أن تطبيق برنامج مكافحة متكامل في المحاصيل المهمة وذات الدخل العالي يغلب عليه استخدام المبيدات الكيميائية بشكل أساسي وفي غالب الأحيان تكون المبيدات الكيميائية هي الحل الوحيد لوقاية تلك المحاصيل من أضرار الآفات.  ففي القطن مثلاً فأن استخدام المبيدات بشكل مكثف يعتبر من الأشياء الأساسية بل يعتبر حجر الزاوية لإنتاجية ناجحة وذلك لكون القطن قليل التحمل للإصابة بأي آفة ولتعدد وتنوع آفاته.  فالرجوع إلى الحد الاقتصادي لآفات القطن قبل عمليات الرش بالمبيدات وتغيير أو تدوير صفوف المبيدات المستخدمة و حماية الأعداء الحيوية من خلال استخدام مبيدات انتقائية فكل ذلك يعتبر ضمن حيز الإدارة الذكية للمبيدات.  ففي تلك المحاصيل نجد أن استخدام المبيدات يتم بطريقه ذكية من جانب الخوف من القضاء على الطريقة العملية التي تحمي تلك المحاصيل من الآفات ولكن يعاب على هذه الطريقة عدم النظر إلى ما قد تسببه تلك المبيدات من أضرار على البيئة والصحة العامة . 

في الحقيقة أنا أؤمن بأهمية تطبيق الإدارة المتكاملة لأنها وسيلة لمكافحة الآفات الزراعية مع الأخذ بأهمية البيئة المحيطة وعلاقتها بتلك الآفات والكائنات الحية الأخرى من خلال الاختيار الأمثل و المتوافق لوسائل مكافحة متنوعة لخفض الأضرار الناجمة عن مختلف الآفات (الحشرات وغيرها) بطريقة تشجع وتسهل دور المكافحة الطبيعية (الأعداء الحيوية).  ومن أهم تلك الوسائل التي يمكن دمجها في برنامج مكافحة متكامل هي استخدام المكافحة الحيوية، والمكافحة الزراعية، وتربية المحاصيل، وهندسة الجينات، واستخدام الجاذبات الجنسية، واستخدام المواد المانعة للأكل والمواد الطاردة، واستخدام المبيدات الانتقائية.
 فتلك الوسائل مجتمعة تعمل للوصول إلى هدف معين وهو حماية المحصول المراد حمايته من الإصابة بأعداد كبيرة من الآفات بدلاً من استخدامها كوسيلة للتصحيح عند حدوث الإصابة المتفشية.بالمقارنة نجد أن برنامج الإدارة الذكية للمبيدات يعمل على جعل المبيدات الكيميائية هي الوسيلة الأولى وفي أحيان كثيرة هي الوسيلة الوحيدة للمكافحة.  فعلى الرغم من كون الإدارة الذكية للمبيدات تعتمد على نظام الاستكشاف الدوري للآفات واستخدام الحد الاقتصادي لتحديد متى تتم المعاملة بالمبيدات إلا أن الإدارة المتكاملة للآفات تعتبر الوسيلة الذكية و المثلى للحد من الأضرار المتعددة الناجمة عن استخدام المبيدات (مثل مقاومة الآفات للمبيدات، وظهور الآفات الثانوية، والتأثير على البيئة، و التأثير على الصحة العامة). 

لذا ولتكون الإدارة المتكاملة للآفات هي الوسيلة المستخدمة سواءً محلياً أو عالمياً للحد من أضرار الآفات الزراعية والأضرار الناجمة عن الاستخدام المكثف للمبيدات وذلك لكي نحصل على ناتج زراعي اقتصادي وآمن يجب على الإدارة المتكاملة للآفات أن تتعدى كونها إدارة ذكية للمبيدات بحيث تعمل على استخدام وسائل مكافحة آمنة ومتعددة للحد من أضرار الآفات الزراعية دون الاعتماد على المبيدات الكيميائية كوسيلة وحيدة وأساسية لمكافحة الآفات.