التحول في النموذجين : الديني والإسرائيلي

 

دكتور مهندس / محمد الحسيني إسماعيل

 

 

      بديهي ؛ أن حل مشكلة الشرق الأوسط يتلخص في اتجاهين ـ لا ثالث لهما ـ هما : المواجهة العسكرية .. وغالبا ما تتحقق هذه المواجهة بالتوازن العسكري في التسليح بين العرب وإسرائيل وبدون الحاجة إلى القتال المباشر وتتحقق هذه المواجهة بالنهوض بالبحث العلمي والتكنولوجي في المنطقة . والاتجاه الثاني يتحقق بالمواجهة الفكرية مع الغرب ، وفي كلتا الحالتين يجب أن يسبقهما الإصلاح السياسي المفقود ...

 

والسؤال الآن : هل سنبقى هكذا ـ مكتوفي الأيدي وعاجزين ـ في انتظار ثورات شعوب ضعيفة .. أنهكها الفقر والألم للإطاحة بأنظمة أحكمت قبضتها الحديدية عليها .. أو أن تتنازل هذه الأنظمة ـ نفسها ـ طواعية عن الملك والسلطان ( وكلاهما من درب المستحيلات ) حتى نبدأ بالمواجهة مع الغرب واتخاذ الخطوات الإيجابية نحو البدء في الشروع في الحل ..؟!!!

 

والإجابة على هذا السؤال : هو بالقطع لا ..!!!  فقد لا نحتاج إلى إصلاح سياسي ( على الرغم من ضرورته وحتميته ) بشرط أن تعي هذه الأنظمة الحاكمة بحقيقة الخطر المحدق بها قبل شعوبها . وألا تقف ـ هذه الأنظمة ـ حجر عثرة في وجه انطلاق المنطقة في الاستثمار الجدي في البحث العلمي للوصول إلى التوازن الاستراتيجي المأمول ( أو المعقول ) مع إسرائيل . على أن يتم هذا جنبا إلى جنب مع العمل الإعلامي ـ على المستوى الدولي- للمواجهة السياسية والفكرية مع الغرب وإسرائيل على نحو مطلق  .. والتي يمكن إجمالها- أي إجمال المواجهة السياسية والفكرية - في خمس كلمات فقط هي: التحول في النموذجين : الديني والإسرائيلي.

 

·        أولا : معنى التحول في النموذج :

 

      كما سبق وأن ذكرت أن التحول في النموذج  : هو تعبير أكاديمي يستخدم في مناهج البحث العلمي ويعني النقلة النوعية في الفكر الإنساني عندما تتغير إحدى الفرضيات الأساسية التي كانت سائدة فيه لفترة زمنية طويلة . ولم يحدث ـ على طول الحضارة البشرية ـ سوى تحولين فقط في النموذج : التحول الأول حدث في القرن السادس عشر عندما تغيرت نظرة الإنسان للنظام الشمسي من النظام البطليموسي ( أي مركزية الأرض ) إلى النظام الكوبرنيكي  ( أي مركزية الشمس ) . أما التحول الثاني فقد حدث في بداية القرن العشرين عندما تغيرت نظرة الإنسان للعالم من عالم ثلاثي الأبعاد إلى عالم رباعي الأبعاد ( أنظر مقالات الكاتب ) .

 

 

·        ثانيا : التحول في النموذج الإسرائيلي :

 

      في الواقع ؛ نجد أن موضوع نشأة إسرائيل وجذورها التاريخية بحاجة إلى تحول في النموذج ، فالنموذج السائد حتى الآن نتيجة لتزييف التاريخ القديم للمنطقة على أيدي الباحثين التوراتيين .. هو أنه كانت هناك " مملكة إسرائيلية عظمى " حكمها داود ثم سليمان في فلسطين حوالي عام 1200 ق. م. وهي فترة الانتقال بين العصر البرونزي المتأخر وأوائل العصر الحديدي . وهذا مجرد وهم زائف ، ويجب أن يحل محله نموذج آخر .. هو أن إسرائيل التاريخية هذه لم تكن إلا لحظة عابرة في مسيرة التاريخ الحضاري لفلسطين القديمة ( راجع مؤلفات الكاتب ) .. مثلها في ذلك مثل نشأة دولة " الهكسوس : Hyksos " [1] في مصر القديمة إلى أن جاء الملك " أحمس " وطـردهم من البلاد .

 

      وبناء على ذلك ؛ يجب مواجهة الباحثين التوراتيين ـ على كل المستويات ـ بتاريخ فلسطين القديم كموضوع قائم بذاته وليس كخلفية لتاريخ إسرائيل كما هو حاصل في دراسات هؤلاء المزيفين .. وهي الدراسات التي أسكتت التاريخ الفلسطيني القديم ومنعته من التعبير عن نفسه لصالح التاريخ اليهودي . وقد قمت في كل كتاباتي [2] ـ إلى إعادة كتابة التاريخ الفلسطيني القديم من منظور ديني باستخدام العهد القديم والحديث . وقد أثبتت هذه الكتابات ـ بما لا يدع مجالا لأي شك ـ عدم وجود حق تاريخي لليهود في إقامة دولة إسرائيل الحديثة في المنطقة . ولكن ـ وبكل أسف ـ نجد أن المنظور الحديث لإقامة دولة إسرائيل في المنطقة يستند ، إلى جانب تزييف التاريخ ، إلى مواثيق ومعاهدات دولية جائرة تعكس كراهية الغرب للإسلام والمسلمين بصفة عامة ..!!!  كما لم تركز ـ هذه المواثيق والمعاهدات الدولية ـ في الصراع مع الصهيونية إلا على الفترة الحديثة فقط ، لإثبات هوية اليهود وقوميتهم وحقهم في الحصول على دولة خاصة بهم ، مهملين بذلك تماما الفلسطينيين ودولتهم الممتدة عبر التاريخ القديم لآلاف السنين ..!!!  فحقيقة الأمر أن دولة إسرائيل القديمة لم تكن سوى لحظة عابرة في التاريخ الفلسطيني [3] ، وبالتالي فإن " إسرائيل الحديثة " هي دولة مغتصبة بكل المعايير التاريخية والأخلاقية ، وأنها قامت على أساس " استعمار استيطاني إحلالي " باستخدام أفظع أساليب الإرهاب والإبادة والإجرام ..!!!

 

      إن عدم التعرض للتاريخ الديني القديم لليهود في المنطقة معناه التنـازل طواعية عن دولة فلسطين ، والتنازل عن الحقيقة أيضا ، لمصلحة الغرب ودولة إسرائيل الحديثة . وبديهي ؛ سوف تصبح لهذه الدراسات التاريخية الدينية القديمة انعكاساتها القوية ليس على التاريخ الحديث فحسب ، لأنها تهدم الحجة الأساسية للصهيونية وهي : " العودة إلى دولة الأجداد  " .. بل على الضمير الإنساني أيضا الذي غيبه الإعلام الصهيوني ( المسيحي/ اليهودي ) والذي أصبح فاقدا لرؤية : " الحق .. والعدل .. والأخلاق .. والرحمة " .. وإشاعة منهاج " الدارونية الاجتماعية " بين الأفراد والشعوب والجماعات .. ليصبح الإنسان ذئبا لأخيه الإنسان .. وهو المنهاج الذي لن يقود البشرية إلا إلى الدمار والهلاك .. ناهيك عن خسران الإنسان لوجوده ومصيره على نحو أبدي لعدم تحقيقه للغايات من خلقه ..!!!

 

      وأخيرا ؛ تبقى نقطة أساسية لابد أن أشير إليها .. هي أن جميع المؤرخين الغربيين يسقطون من حساباتهم حجم التحريفات الهائلة .. التي حدثت في الكتاب المقدس .. والتي أودعته في حيز الكتب الأسطورية أو الخرافية في موسوعة العلم البشري [4] ..!!!  هذا إلى جانب .. وجود هذا الكم الهائل من التناقضات الفكرية التي تسقط معها أهلية هذا الكتاب ، وبالتالي يسقط معها كل حق ديني وتاريخي لبني إسرائيل .. في أرض المنطقة ..!!! ولا يُبْقِي على الاعتقاد في هذا الكتاب الأسطوري ( الكتاب المقدس ) .. سوى وجود الحيز الديني الفطري لدى الإنسان ( على النحو الذي بينته ) والذي يمكن أن يُملأ بأي وثنيات دينية    وفكرية تحت تأثير عمليات غسيل المخ المختلفة والمنظمة .. والتي يجريها اليهود ـ على طول التاريخ ـ على هذا العالم الغافل بمهارة وغباء متبادل في نفس الوقت .. لأن الجميع خاسرون لوجودهم ومصيرهم في النهاية ..!!!

 

      أما عن تأكيد هوية فلسطين الحديثة .. فيقول الدكتور / سلمان حسين أبو ستة .. وهو الرجل الذي قام بتوثيق الوطن الفلسطيني [5] :

 

      " لقد طفت أنحاء العالم .. واستطعت أن أجمع عدة آلاف من الكتب عن فلسطين بعضها مطبوع في القرن التاسع عشر .. من بينها كتاب لشاتوبريان وآخر للافونتين . وكذلك الموسوعة التي أعدها البريطانيون عن فلسطين الأرض المقدسة في عام 1871 برعاية الملكة فكتوريا وتقع في عشرة أجزاء .. وهي موسوعة تحتوي على 26 خريطة لفلسطين عام 1870 موضح عليها كل قرية وكل مزار . وملحق بها عشرة مجلدات واحد عن طيور فلسطين .. وآخر عن نباتات فلسطين .. واثنان عن القدس : " الآثار العمرانية " .. إلى جانب مجلد به 15 ألف اسم مكان ومزار .. كلها أسماء عربية مدونة باللغة العربية والإنجليزية واللاتينية وليس بها اسم يهودي واحد ..!!!  مما يثبت زيف الادعاء بوجود أماكن يهودية في فلسطين في تلك الحقبة من الزمان . "

 

      فإذا أضفت إلى شهادة الدكتور أبو ستة ؛ ما سبق وأن قمت بكتابته بإسقاط حق إسرائيل في المنطقة بشهادة الكتاب المقدس ( أي بشهادة كتبهم المقدسة نفسها ) .. هنا يصبح التحول في النموذج الإسرائيلي هو من الأمور الحتمية الواقعة لا محالة .. ولا يبقى سوى تبنيها إعلاميا .. وبتمويل مناسب من جانب العرب .. ومواجهة الغرب بها ..!!!

 

      إن الحكم بالباطل بمواثيق ومعاهدات دولية تعكس كراهية الغرب للعالم الإسلامي والمسلمين  معا .. لا يعني أن الحكم أصبح ساري المفعول إلى الأبد .. فهذا مخالف للسنن الإلهية في حتمية التغيير . فعن وصف الصراع الدائر الآن في المنطقة .. يقول الحق تبارك وتعالى ..

 

) وَآتَيْنَآ  مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلاَّ تَتَّخِذُواْ مِن دُونِي وَكِيلاً (2) ذُرِّيَّةَ مَـنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا (3) وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (4) فَإِذَا جَاء وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلاَلَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولاً (5) ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (6) إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاء وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوؤُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ  الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيرًا (7) عَسَى رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا (8) .. .. .. .. .. ..  فَإِذَا جَاء وَعْدُ الآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا (104) (

( القرآن المجيد : الإسراء {17} : 2 - 108 )

 

وحول تفسير هذه الآيات الكريمة ؛ يكاد يكون هناك اتفاق تام على أن العلو الأول لبني إسرائيل في المنطقة كان بتكوين دولتهم الأولى (على جزء من أرض فلسطين ) في أثناء فترة الحكم الإسلامي لشاول ( طالوت ) ثم داود ثم سليمان ، وهو الحكم الذي بدأ عام 1050 ق.م. وانتهى بموت الملك سليمان عام 931 ق.م. . وبعد فساد بني إسرائيل وضلالهم انقسموا على أنفسهم .. فانتقلوا بذلك إلى حقبة تاريخية تالية انتهت بتكوين دويلتين مختلفتين . دويلة " إسرائيل " في الشمال وقد دمرتها الحضارة الآشورية وتم سبيهم ( بشكل نهائي ) على يد الملك شلمنأسر عام 722 قبل الميلاد . ودويلة " يهوذا " في الجنوب وقد دمرتها الحضارة البابلية وتم سبيهم إلى بابل ( على يد الملك نبوخذنصر عام 586 قبل الميلاد ) . وهكذا تحقق فيهم قوله تعالى ..     ) .. بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلاَلَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولاً  (  .. عن علوهم الأول .

 

      وقد ظل بنو إسرائيل في الأسر البابلي حـوالي سبعين سنة .. إلى أن أصبح الملك " كورش " ( ابن قمبيز ) ملكا لفارس ( إيران والعراق ) ، حيث سمح لليهود بالرجوع إلى أورشليم في السنة الأولى من ملكه . وبدأ اليهود في الرجوع من الأسر البابلي إلى فلسطين حوالي عام 516 ق. م. بدون التطلع إلى مملكة أو خلافه . وقد أعطاهم كورش ( ملك فارس ) من خزائنه الغنية مالا وفيرا وارجع لهم آنية الهيكل المقدسة التي كان نبوخذناصر قد أخذها منهم لكي يعودوا إلى استعمالها مرة أخرى . فقاموا ببناء الهيكل مرة أخرى ولكنه كان أصغر من الهيكل السابق .. فقد كانت مساحته ـ هذه المرة ـ مائتي متر مربعا فقط ( 20 متر ´ 10 متر ) . وسمي هذا الهيكل بـ " هيكل كورش الوثني " ، كما يطلق عليه أحيانا " هيكل زربابل " أو " هيكل هيرودس " .

 

      والمتتبع لنصوص الكتاب المقدس يجد أن السيد المسيح ( u ) ( أي : " الله " من منظور الديانة المسيحية ) قد تنبأ بتدمير الهيكل وأنه لن تقوم له قائمة ثانية [ هو ذا بيتكم يترك لكم خرابا / متى 23 : 38 ] و [ لا يترك ههنا حجر على حجر لا ينقض / متى 24 : 2 ] !  وتحقيقا لهذه النبوءة يأتي القائد الروماني " تيطس : Titus "  ابن الإمبراطور " فسباسيان : Vespasian " في حوالي عام 70 ميلادية ويدمر أورشليم وهيكل كورش الوثني تماما .. ولم تعد له قائمة بعد ذلك .

 

      وفيما بين عامي 132 - 135 ميلادية .. قام القائد اليهودي : " سايمون بار كوشبا : Simeon Bar Kochba " ( أو بار كوكبة ) والملقب باسم  " ابن النجم : Son of the Star " ( أشهر المسحاء الكذبة من المنظور المسيحي ) بثورة فاشلة ضد السيادة الرومانية في فلسطين عندما حَرّمت الإمبراطورية الرومانية على اليهود دخـول القدس ( أورشليم ) عـدا يوم واحـد فقط في السنة . فأرسل الإمبراطور " هادريان : Hadrian " جيشا لقمع الثورة .. ولكن استطاع بار كوشبا ( ابن النجم ) أن يهزم الجيش الروماني ويستولي على القدس وخمسين مدينة أخرى وعدة قرى . فأرسل هيدريان جيشا آخر ولكن استطاع بار كوشبا هزيمته للمرة الثانية .

 

      وأخيرا كون هيدريان حملة قوية بقيادة : " جوليوس سيفيروس : Julius Severus " الذي استطاع سَحقَ الجيشَ اليهوديَ في " بيثار : Bethar " بالقرب من القدس .. في أغسطسِ/ آب عام 135 ميلادية ، وسقط باركوشبا ( ابن النجم ) قتيلا في هذه المعركة .. كما بلغ عدد ضحايا اليهود أكثر من نصف مليون يهودي ( 580.000 يهودي بحساب الموسوعة البريطانية ) .  وتم هجرة من تبقى من اليهود إلى آسيا وأوربا وأفريقيا .. وأسدل الستار على الوجود اليهودي في فلسطين بشكل نهائي .. إلى أن عادوا في الظهور مرة أخرى في منتصف القرن العشرين في دولة فلسطين المغتصبة .

 

      وهكذا زال تماما كل أثر لدولة بني إسرائيل القديمة من المنطقة منذ عام 586 ق.م. كما زال تماما كل أثر للهيكل عام 135 م. إلى أن عادوا إلى الظهور مرة أخرى ـ بعد أكثر من 2500 سنة ـ في صورة إسرائيل الحديثة عام 1948 ميلادية . أما عن العلو الثاني ـ  المذكور في الآيات الكريمة ـ فنحن هنا إزاء احتمالين في تفسيره ..

 

·الاحتمال الأول

 

      هو أن العلو الحادث ـ الآن ـ لبني إسرائيل هو العلو الثاني .. ويكون معنى قوله تعالى : ) .. جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا ( ( أن الله هو الذي يجمعهم الآن في حقيقة الأمر ) وهو ما تقوم به حكومات إسرائيل المتتالية ـ في الوقت الحالي ـ بجمع الشعب اليهودي من جميع أنحاء العالم ( أي : لفيفا ) لكي يسكنوا في إسرائيل . والهدف من هذا الجمع هو تخليص العالم من شرورهم دفعة واحدة . فالحقيقة التي لا خلاف عليها الآن ؛ أن اليهود قد امتلكوا صناعة المال والسلطة والشهرة .. بمعنى أنهم يمتلكون مقدرات المال والصحافة والإعلام والاقتصاد .. أي يمتلكون كل ما يطمع فيه الإنسان من مغريات الحياة الدنيا ..!!! وبهذا فإنهم يوجهون الشعوب ـ بالتحكم في السلطة والمناصب ـ فيما يخططون له باستخدام هذه الأدوات . ولكن الخطأ الذي يرتكبوه الآن هو اعتقادهم أنهم يمتلكون السيطرة على العقل البشري باستخدام الإعلام ومناهج غسيل الدماغ ( أو المخ ) .. وهو الخطأ الذي سوف يقودهم إلى الهلاك .. لأنهم تداخلوا مع حيز الإرادة الإلهية في خلق عقل الإنسان حرا لحكمة تحقيق الإنسان للغايات من خلقه ..

 

وعندما تكتمل سكنى بني إسرائيل في فلسطين .. تأتي النهاية في قوله تعالى .. ) .. فَإِذَا جَاء وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوؤُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ    تَتْبِيرًا ( . وقوله تعالى ) .. لِيَسُوؤُواْ وُجُوهَكُمْ .. ( .. لها معاني جامعة منها أن وجوههم سوف تسوء لأن الله سوف يفضح كذب دعواهم في حقهم في تكوين دولتهم بالإجرام والاغتصاب .. ومنها أيضا أن وجوههم سوف تسوء بالحزن على نهايتهم المحتومة .

 

ولنا وقفة ـ هنا ـ لشرح معنى كلمة " المسجد " في السياق القرآني السابق وعلاقته بالهيكل المزمع بناؤه .  فعن معنى " الهيكل " يقول قاموس الكتاب المقدس ( ص : 1012 ) : ( هيكل : هي كلمة سومرية معناها البيت الكبير . والهيكل هو مكان عبادة الله . وهو يقوم مقام الكنيسة اليوم .. وقد استعملت اللفظة بمعنى خيمة الشهادة في أماكن ثلاثة : صموئيل الأول 1 : 9 و 3 : 3 ، وصموئيل الثاني 22 : 7 ) وخيمة الشهادة ( أو الرب ) هي التي استبدلت فيما بعد بهيكل سليمان . أي أن الهيكل ـ من المنظور الإسلامي ـ لم يخرج عن كونه         " المسجد الإسلامي " [6] . وبهذا المعنى تكون كلمة " المسجد " في السياق القرآني تعني الهيكل المزمع بناؤه في الوقت الحالي . وبهذا المعنى ؛ سوف ينجح اليهود في تدمير المسجد الأقصى  وربما مسجد قبة الصخرة كذلك وبناء " هيكل سليمان " في مكانهما ..!!!

 

ومن منظور هذا التفسير ؛ يصبح القتال مع بني إسرائيل هو أمر حتمي ومفروغ منه .. حتى يتحقق قوله تعالى : ) .. فَإِذَا جَاء وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوؤُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيرًا (  ، وتتبير ما علو بعد دخول ـ العباد ـ المسجد ( أي الهيكل ) هو تدمير تماثيل الشيطان الموضوعة في قدس الأقداس داخل الهيكل .. كما سبق وبينت ذلك في المرجع السابق : " بنو إسرائيل .. من التاريخ القديم وحتى الوقت الحالي " .

 

وتشير الآية الكريمة إلى .. أنه ليس من المحتم أن يكون شعوب العالم الإسلامي هي التي سوف تقوم بقتالهم .. لقوله تعالى .. ) .. بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلاَلَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولاً  (  فالبعث في هذا السياق القرآني تعني أنهم عباد لله ( I ) غير متوقعين ـ على الإطلاق ـ بعدائهم لليهود ..!!!

 

      والمثير للدهشة والاستغراب ( في ظاهر الأمر .. وسوف أعود لهذا المعنى بعد قليل ) أن الكتاب المقدس نفسه ( أي كتابهم المقدس / في العهد القديم ) يشير إلى نفس هذه المعاني ( أي تدمير إسرائيل ) في " مدينة القدس " .. بعد طغيانهم ( أي طغيان اليهود ) في علاقتهم بالفلسطينيين .. ومع ذلك يوجد لديهم إصرار عجيب في تجاهل هذه النصوص .. كما تأتي في الفقرات التالية .. في نبوءة حزقيال ( أحد أنبياء بني إسرائيل ) ..

 

[ (6) هو ذا رؤساء إسرائيل كل واحد حسب استطاعته كانوا فيك لأجل سفك الدم [7] (7) فيك أهانوا أبا وأما . في وسطك عاملوا الغريب بالظلم . فيك اضطهدوا اليتيم والأرملة (8) ازدريت أقداسي ونجست سبوتي (جمع يوم السبت) (9) كان فيك أناس وُشاةٌ لسفك الدم وفيك أكلوا على الجبال . في وسطك عملوا الرذيلة ]

( الكتاب المقدس : حزقيال {22}  : 6 - 9 )

 

وهكذا .. أصبح الشعب اليهودي .. حثالة فكرية ..

 

[ (17) وأوحى إليّ الرب بكلمته قائلا : (18) يا ابن آدم ، قد أصبح شعب إسرائيل لي نفاية . كلهم مثل النحاس والقصدير والحديد والرصاص في كور . صاروا حثالة فضة ]

( الكتاب المقدس ـ كتاب الحياة : حزقيال {22}  : 17 - 18 )

 

فيجمعهم الرب .. ويصب عليهم جمّ سخطه وغضبه ..وهي النهاية المحتومة والعادلة لكل ما اقترفته أيديهم .. من قتل وظلم واغتصاب .. ويقوم بإفنائهم وإزالة دولتهم ..

 

[ (19) لأجل ذلك هذا ما يعلنه السيد الرب ، لأنكم كلكم قد صرتم نفاية ، فها أنا أجمعكم في وسط أورشليم ( تحقيقا لقوله تعالى : جئنا بكم لفيفا ) (20) كما تجمع الفضة والنحاس والحديد والرصاص والقصدير في الكور ، لتنفخ عليها نار لتسبك . كذلك أجمعكم في غضبي وسخطي وأطرحكم وأسبككم (21) أجمعكم وأنفخ عليكم في نار غضبي فتسبكون فيها (22) كما تسبك الفضة في بوتقة النار ، هكذا تسبكون فيها فتدركون أني أنا الرب قد سكبت سخطي عليكم ]

( الكتاب المقدس ـ كتاب الحياة : حزقيال {22}  : 19 - 22 )

 

وبديهي ؛ يتفق هذا النص .. [ فها أنا أجمعكم في وسط أورشليم  ] مع قوله تعالى .. ) .. فَإِذَا جَاء وَعْدُ الآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا ( ..؟!!!  أي هي سنة الله ( U ) اللامتغيرة .. والتي تقضي بعقاب القتلة والظالمين .. ولهذا يجمعهم الرب في أورشليم ليحرقهم فيها ويصب عليهم جام غضبه . ويعترف بهذا المعني أيضا " الكتاب المقدس ـ كتاب الحياة " ( ص : 972 ) .. حيث يقول في مقدمته لسفر حزقيال ..

 

" إن رسالة حزقيال قائمة على قداسة الله غير المتحولة . وهي تشتمل على وعد وتحذير في آن واحد . هي تحذير لأن الله قد وعد بمعاقبة الخطيئة وهذا لابد أن يتم ..  وهي وعد لأن الله قد وعد أن يظل وفيا أمينا لمحبيه وهذا لا يمكن أن ينقض ..  "

 

ومع كل هذا لم يتنبهوا إلى هذه الدلالات ..!!!   سبحان الله ..!!!

 

      والآن ؛ قد أشرت في بداية هذه الفقرة إلى أن تجاهل بني إسرائيل لنصوص كتابهم المقدس التي تقضي بحرقهم في أورشليم (  أي القدس ) كما قال بهذا الرب يثير الدهشة والاستغراب ( في ظاهر الأمر ) .. ولكن في الواقع ـ أو في باطن الأمر ـ لا يوجد أي دهشة أو استغراب .. لأن حركة بني إسرائيل في الوقت الحالي مُسيّرة ـ باختيارهم ـ في اتجاه قوله تعالى .. ) وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا ( أي هو قدرهم المحتوم الذي قضى به الله ( I ) عليهم لظلمهم للعباد ..!!!

 

وكما نرى فإن العظمة الإلهية تتيح لهم أن يصلوا إلى ذروة القوة .. وأن يجمعوا أقصى ما يستطيعون جمعه من سلاح ( قنابل نووية / قنابل هيدروجينية / صواريخ طويلة المدى / صواريخ ضد الصواريخ / أقمار صناعية للتجسس لمعرفة حركة أي سيارة في الدول العربية حتى لا يؤخذوا على غرة .. وتحكم في العباد بالإعلام .. إلى آخره ) في مقابل شعوب عربية مغيبة وفي غاية من الضعف والهوان .. شعوب تحالفت عليها أنظمتها لصالحهم أيضا .. أي لصالح بني إسرائيل ..!!!  لكي تتجلى العظمة الإلهية بعد ذلك عند تدميرهم وهم في ذروة هذه القوة [ هكذا تسبكون فيها ( أي في القدس )  فتدركون أني أنا الرب قد سكبت سخطي عليكم ( حزقيال 22 : 22 ) وحتى لا ينسب فضل تدميرهم إلى غير الله سبحانه وتعالى ..!!!  أي لا قيمة في كل ما يصنعون ..!!!

 

· الاحتمال الثاني

 

 في تفسير هذه الآيات الكريمة السابقة ؛ هو الرأي القائل بأن " العلو الثاني " قد حدث لبني إسرائيل في التاريخ الماضي .. وهنا يصبح تفسير الآيات الكريمة السابقة من منظور قوله تعالى .. ) .. وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا (.. أي ) .. وَإِنْ عُدتُّمْ ..  ( إلى ظلم العباد وقتلهم .. ) .. عُدْنَا ..  ( فـ ) .. بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلاَلَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولاً  .. لِيَسُوؤُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيرًا ( ..

 

      وهكذا ؛ إذا عاد بنو إسرائيل إلى القتل وظلم العباد ( وهو ما يحدث جهارا في الوقت الحالي مع الشعب الفلسطيني الأعزل ) سوف يتكرر عليهم العقاب الإلهي السابق بالضبط ، أي ) .. وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا .. (  إلى نفس السيناريو .. أي تكرار نفس الأحداث السابقة وبنفس النمط بالضبط حتى في حالة حدوث علوهم الثاني في الماضي . ومن خلال هذا المنظور يصبح قتال بني إسرائيل ـ في جميع الأحوال ـ من الأمور الحتمية والمنتهية أيضا ..!!! سواء تم ذلك على أيدي المسلمين أنفسهم أو تم ذلك على أيدي عباد آخرين غير مسلمين ..!!!

 

      ويحسم الحق تبارك وتعالى أن دولة إسرائيل لن تدوم بل سيؤول ملكيتها إلى الفلسطينيين كناتج طبيعي من قانونه الإلهي المحيط الذي ينص على أن الأرض يرثها عباده الصالحون .. وبديهي الشعب الإسرائيلي، بعنصريته البغيضة وإرهابه وإجرامه والإبادة التي يجريها الآن على الشعب الفلسطيني الأعزل ، أبعد ما يمكن عن هذا المعنى .. أي عن الصلاح ..!!! وتأتي هذه المعاني في قوله تعالى ..

 

) وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (105) (

( القرآن المجيد : الأنبياء {21} : 105 )

 

[ في الزبور : أي في الكتب السماوية المنزلة ( التوراة والإنجيل والقرآن ) .. كما تطلق هذه الكلمة أيضا على  " مزامير داود " ؛ كما جاء في قوله تعالى ( .. وآتينا داود زبورا ) ( النساء 163 ، الإسراء 55 ) / من بعد الذكر : أي من بعد الذكر الذي في السماء / أن الأرض : في الدنيا والآخرة يرثها العباد الصالحون ]

 

وكما يتأكد هذا المعنى أيضا .. في وعده تعالى لعباده المؤمنين ..

 

) وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (55) (

( القرآن المجيد : النور {24} : 55 )

 

     والآن وكما هو معلوم بالضرورة ؛ أن السلام المتوقع مع إسرائيل الناتج عن تسويات مجحفة ومفروضة على المنطقة ـ تحت الضغوط الأمريكية ـ سوف يقف على المستوى الرسمي للحكومات فقط .. بينما سوف يبقى السلام بين الشعوب بعيد المنال . كما قد تحمل اتفاقيات السلام المجحفة بذور حروب مقبلة بين الأطراف المتصارعة والتاريخ خير شاهد .

 

      وأحد هذه الأمثلة التاريخية القريبة .. " معاهدة فرساي : Treaty  of  Versailles "  التي وقعها الحلفاء ( بريطانيا وفـرنسا وإيطاليا واليابان ) عقب انتهاء الحرب العالمية الأولى مع ألمانيا المنهزمة في 28 يونيو 1919 .. وأصبحت المعاهدة نافذة المفعول في 10 يناير 1920 بعد أن وقعتها ألمانيا . وقد فرض الحلفاء على ألمانيا شروطا قاسية دفعت بالاقتصادي الإنجليزي المعروف " كينز " إلى الانسحاب من الوفد البريطاني قائلا : " كيف يمكن لبلد مهزوم الوفاء بهذه الشروط ..؟!!! " وقد أدت هذه المعاهدة إلى تدمير وانهيار الاقتصاد الألماني تماما إلى درجة أن النقد الألماني ( الورقي ) كان يستخدم كوقود للتدفئة في عام 1920 وهو ما مهد الطريق إلى بزوغ نجم " هتلر " كأمل للتحرر من معاهدة فرساي والقضاء على بنودها والثأر للشعب الألماني من فرنسا ..!!!

 

      وقامت ألمانيا بالحرب العالمية الثانية وكان أحد أهم أسبابها الثأر من فرنسا ومحو العار الذي لحق بها بعد هزيمتها السابقة في الحرب العالمية الأولى وإجبارها الالأولى ااوإجبارها على توقيع معاهدة فرساي . واكتسحت ألمانيا فرنسا ودخلت القوات الألمانية المنتصرة باريس في 14 مايو 1940 ( وفي 15 مايو كان " خط ماجينو " خاليا من الجنود الفرنسيين ) . وأجبرت ألمانيا الفرنسيين على توقيع وثيقة الاستسلام في 22 يونيو 1940 في نفس عربة السكة الحديد التي وقع الألمان فيها وثيقة الهدنة ( أو الاستسلام ) في 11 نوفمبر 1918 ، بعد هزيمتهم في الحرب العالمية الأولى ..!!!

 

      وبكل أسف ؛ فإن الفكر العربي ( هذا بفرض أنه ليس عميلا لأمريكا وإسرائيل ) يراهن الآن على إن إنجاز أي تسوية للصراع العربي الإسرائيلي سوف يغير من طبيعة إسرائيل العدوانية والإجرامية .. حتى لو تمت هذه التسوية في صيغة أقل من صيغة الحد الأدنى للمطالب العربية .. وهي الانسحاب الإسرائيلي من الجولان وجنوب لبنان والضفة الغربية وغزة . حيث تعتقد الأنظمة العربية الحاكمة أن هذه التسوية السلمية ـ وبأي صورة - سوف تضع قيودا على إسرائيل..وبالتالي يقلل هذا من احتمالات لجوئها للخيار العسكري والحرب ضد العرب، خاصة في ضوء الخلل الفادح في ميزان القوى العسكرية على النحو السابق ذكره في الباب السابق..!!!

 

وبديهي ؛ هذا لم ( ولن ) يتحقق كما نرى في المذابح اليومية والإبادة التي تجريها الأنظمة الإسرائيلية المتتالية على الشعب الفلسطيني الأعزل ( متمثلا في رؤساء حكوماتهم المتتالية وآخرهم ومنهم الإرهابي آرييل شارون ) . وبذلك أغفلت النظم العربية الطبيعة الإجرامية للشخصية الإسرائيلية .. كناتج طبيعي من قسوة قلوبهم .. كما يصفهم الحق ـ تبارك وتعالى ـ في قوله تعالى ..

 

) ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً .. (74) (

( القرآن المجيد : البقرة {2} : 74 )

 

وهذه الشخصية الإجرامية يزكيها ويحافظ على استمرارها .. المرجعية الدينية لتعاليم كتبهم المقدسة ..!!!  ولهذا تصبح المواجهة الفكرية أمرا ضروريا وحتميا .. بعد أن فقدنا المواجهة العسكرية ..!!!

 

·وكلمة أخيرة حول عمر الدولة اليهودية ..

 

      ويبقى كلمة أخيرة أرى من المفيد ذكرها فقط-ولا أود التعليق عليها، ولكن أذكرها لتكاملية هذا المقال- حول عمر الدولة اليهودية المتوقع . فكما سبق وأن ذكرت في المرجع السابق : " بنو إسرائيل .. من التاريخ القديم وحتى الوقت الحاضر" ( مكتبة وهبة )  .. هناك من يرى أن هذه الآيات الكريمة ( السابق ذكرها من سورة الإسراء ) تحوي النبوءة الخاصة بعمر دولة إسرائيل الحديثة وأن عمرها سوف يكون 76 سنة هجرية فقط من تاريخ نشأتها .. أي 74 سنة ميلادية . بمعنى إذا كان تاريخ نشأة دولة إسرائيل الحديثة هو عام 1948 .. فإن تاريخ نهايتها هو عام : 1948 + 74 = 2022 ميلادية .

 

والرقم 76 جاء من : أن عدد كلمات الآيات الكريمة من أول كلمة : " آتينا " .. وحتى كلمة : " وليدخلوا " هو 76 كلمة .. ) وَآتَيْنَآ  مُوسَى الْكِتَابَ .. لِيَسُوؤُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ الْمَسْجِدَ .. (  أي أن 76 هو عدد الكلمات من بداية النبوءة بنزول الوحي على موسى (u ) .. وحتى دخول العباد المناط بهم تدمير دولتهم الحديثة . هذا وقد اعتبر البعض أن هذا العدد فيه إشارة إلى سنوات عمر دولة إسرائيل الحالية .

 

كما يوجد حساب آخر لهذا الرقم الحسابي يأتي من أن عدد آيات نفس هذه السورة ( أي سورة الإسراء ) هو 111 آية . وأن كل آية تنتهي بكلمة مثل : وكيلا ، شكورا ، لفيفا ، .. وهكذا . فإذا أحصينا عدد هذه الكلمات بدون تكرار فسوف نجد أنها 76 كلمة أيضا ..!!!  والكاتب يمسك عن الكلام عن هذه الأرقام .. بديهي ؛ لأن الغيب لا يعلمه إلا الله وحده ( I ) .. ولكن كان يجب الإشارة إلى هذا الحساب لتكاملية هذا الفصل فحسب .

 

· ثالثا : التحول في النموذج الديني :

 

      كما سبق وأن بينت في " مقال سابق " في هذا الموقع ؛ أن التحول في النموذج الديني هو : الانتقال بالقضية الدينية من حيز التعدد النسبي إلى حيز الواحد المطلق . وهنا يمكن معالجة القضية الدينية بنفس خطوات وأسلوب معالجة القضايا والنظريات العلمية . وبالتالي يصبح لدينا المقاييس الحقيقية ( The true measures ) للحكم على صحة الدين الحق من بين الديانات الباطلة .

 

وترجع قيمة التحول في النموذج الديني إلى بيان المعنى الحقيقي والمطلق للدين ، وهو المعنى الذي لم يفهمه الغرب بعد ، وبالتالي يمكن الحكم على صحة الدين من خلال المنهاج العلمي والاستقراء والاستنباط الرياضي . وهو ما يؤدي ـ في النهاية ـ إلى اكتشاف معنى الحقيقة المطلقة من جانب .. والغايات من خلق الإنسان ووجوده من جانب آخر . وهو ما يعني تحقيق السلام على الأرض بأشمل وأعم معانيه . وسوف يتم ـ إن شاء الله ، وهو تحت المراجعة في الوقت الحاضر ـ إفراد مرجع كامل يناقش فيه هذه المعاني بتفصيل موسع وبراهين رياضية وفيزيائية قاطعة .. ويحمل اسم:" التحول في النموذج الديني .. القرآن المجيد : العهد الحديث " (مكتبة وهبة).

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 

هوامش المقالة :

 

[1]  في حوالي القرن الثامن عشر قبل الميلاد ( 1730 ق. م. ) .. جاءت إحدى الموجات البشرية مهاجرة إلى مصر من شرقها ، واستطاعت أن تسيطر على الوادي متخذة الدلتا مركزا هاما لها لمدة طويلة .. قدرها المؤرخ " مانيثون " بحوالي 510 سنة .. وعرف أهلها باسم " الهكسوس : Hyksos " .  وقد تمكن أهل الجنوب في مصر بقيادة " الملك أحمس " من القضاء على مملكة الهكسوس وإعادة توحيد القطرين . لكن الهكسوس لم يعودوا جميعا من حيث أتوا .. بل أن فريقا كبيرا منهم ظل في مصر ، بينما مضى فريق آخر نحو الغرب حتى بلغ المغرب الأقصى وانتشر في شمال أفريقيا كله .

 

ولم يتفق الباحثون ـ كالعادة ـ حول أصل " الهكسوس " .. فمنهم من قال أنهم ( ساميون ) .. ومنهم من قال أنهم ( كنعانيون ) .. وفريق ثالث قال ( فلسطينيون ) .. لكن " مانيثون " قال بأنهم عرب .. ويقصد بهذا أهل الجزيرة العربية بالذات . وقد لاقى رأي " عروبة الهكسوس " قبولا لدى طائفة كبيرة من الباحثين الآن . أما عن كلمة " هكسوس " فهي تعني ـ بالمصرية القديمة ـ " الملوك الرعاة : King-shepherds " . إذ تعني " hyk " ملك .. و " sôs " راعي .. أو رعاة . وعموما ؛ حتى معنى هذا الاسم مختلف عليه .

 

[2]  أنظر مرجعي الكاتب : " البعد الديني في الصراع العربي الإسرائيلي " ؛ و " بنو إسرائيل من التاريخ القديم .. وحتى الوقت الحاضر "  مكتبة وهبة .

 

[3] يمكن تلخيص الدولة اليهودية القديمة المغتصبة على جزء من أرض فلسطين في التالي : دولة موحدة دامت لمدة 120 سنة في الفترة من 1050 ق.م. إلى 931 ق.م. وتعاقب عليها شاول ( طالوت في الفكر الإسلامي ) ، ثم داود ، ثم سليمان . ثم انقسمت هذه الدولة بعد موت سليمان ( في سنة 931 ق.م. ) إلى دولتين :

 

دولة " إسرائيل " في الشمال وعاصمتها"شكيم / ثم ترصة / ثم السامرة" ودامت لمدة 208 سنة في الفترة من 930 ق.م. إلى 722 ق.م. إلى أن تم تدميرها بمعرفة الحضارة الآشورية( التي ظهرت في شمال العراق ) وسباهم الملك شلمنأسر إلى آشور عام 722 ق.م.

 

ودولة " يهوذا " في الجنوب وعاصمتها