التحول في النموذج الديني


دكتور مهندس / محمد الحسيني إسماعيل

التحول في النموذج : هو تعبير أكاديمي يستخدم في مناهج البحث العلمي ويعني النقلة النوعية في الفكر الإنساني عندما تتغير إحدى الفرضيات الأساسية التي كانت سائدة فيه لفترة زمنية طويلة . ولم يسجل التاريخ الإنساني سوى تحولين فقط في النموذج . التحول الأول : حدث عندما اكتشف " نيقولا كوبرنيكوس " [1] أن الأرض هي التي تدور حول الشمس .. وليس الشمس هي التي تدور حول الأرض . وبذلك تغيرت نظرتنا إلى العالم من النظام البطليموسي ( الأرض مركز الكون ) والذي كان تتبناه الكنيسة إلى النظام الكوبرنيكي ( الشمس هي مركز الكون .. أو بمعنى أدق الشمس هي مركز النظام الشمسي وليس الأرض ) . وقد استغرق فكر التحول ..!!في هذا النموذج إلى أكثر من مائة عام .. حتى أمكن استيعابه

أما التحول الثاني في النموذج : فقد حدث عندما أضاف الرياضي الروسي " هيرمان منكاوسكي" [2] الزمن كبعد رابع إلى الفضاء .. وبذلك أصبحنا نحيا في عالم رباعي الأبعاد .. ولم تتبلور هذه الفكرة حتى الآن ( وبعد مضي مائة عام على ظهورها ) إلا في فكر العلماء المتخصصين فقط .. وفي إطار عملهم التخصصي فحسب

والآن ؛ إذا ما استثنينا الدين الإسلامي .. فيمكننا القول ـ بدون أدنى مبالغة ـ أن الإنسان مازال يحيا في " عهد الطفولة الدينية " .. حيث فشلت المعاجم والموسوعات العلمية ـ كما رأينا ذلك في مراجع الكاتب السابقة الكتاب [3] ـ في الاتفاق على تعريف محدد للدين . كما فشل الفلاسفة وعلماء الاجتماع .. في فهمهم وتعريفهم للدين أيضا . والسبب في هذا يرجع إلى أن جميع من حاول تعريف الدين قد أغفل منظور الخالق المطلق ( الله I ) ـ صاحب ومؤسس الدين الفعلي ـ في هذا التعريف . وبهذا ضلت البشرية وبعدت كثيرا عن رؤية وجودها ومصيرها .. من منطلق وجود سبب أو غايات من خلقها وحتمية تحقيقها لهذه الغايات . فقضية خلقنا ـ نحن البشرية الضعيفة والتي يلفها العجز ويحدها الميلاد والموت ـ ليست عبثا إلهيا .. كما جاء في قوله تعالى

( أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ )(115) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (116)

( القرآن المجيد : المؤمنون {23} : 115 - 116 )

كما وأن قضية الخلق على نحو مطلق ليست صدفة كونية .. أو لهوا إلهيا .. بل هي قضية خلق ووجود محسوم بالفكر والحكمة الإلهية .. كما جاء في قوله تعالى
وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (16) لَوْ أَرَدْنَا أَن نَّتَّخِذَ لَهْوًا لَّاتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّا إِن كُنَّا فَاعِلِينَ (17) بَلْ (نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ (18

( القرآن المجيد : الأنبياء {21} : 16 - 18 )

ولهذا ؛ أصبحت البشرية الآن في أمس الحاجة إلى مثل هذا التحول في النموذج الديني [4] في الوقت الراهن .. ..!!وربما يصبح هذا التحول المدخل الأوحد لتحقيق السلام ـ غاية الإنسان ـ على الأرض

..التحول في النموذج الديني
والتحول في النموذج الديني يعني في أبسط معانيه : " الانتقال بالقضية الدينية من حيز الوهم والاعتقاد إلى حيز القضايا العلمية الراسخة " . أو بمعنى آخر : " الانتقال بالقضية الدينية من الحيز ( أو المفهوم ) النسبي إلى الحيز ( أو المفهوم ) المطلق " . والنسبية في القضية الدينية تعني صحة جميع الأديان .. بينما الإطلاق في القضية الدينية لا يعني سوى دين واحد حق مطلق . وبديهي هذا يتفق تماما مع المنطق إلى حد بعيد . فطالمـا وأن الخالق ـ أي الله I ـ واحد ولا متغير .. فبديهي لابد وأن يكون الدين هو الآخر واحد ولا متغير .. كما جاء ..في قوله تعالى.. (شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاء وَيَهْدِي إِلَيْهِ (مَن يُنِيبُ(13

( القرآن المجيد : الشورى {42} : 13 )

وكما جاء في قوله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم 

( مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ) (43)

( القرآن المجيد : فصلت {41} : 43 )

هذا من جانب . ومن جانب آخر ؛ إذا كان هناك غايات من خلق الإنسان .. فلابد وأن يكون الدين هو البلاغ الصادر عن هذا الخالق (I ) للتعريف بهذه الغايات كما جاء في قوله تعالى

 (هَـذَا بَلاَغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُواْ بِهِ وَلِيَعْلَمُواْ أَنَّمَا هُوَ إِلَـهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ )(52)

( القرآن المجيد : إبراهيم {14} : 52 )

فدور الرسل لم يتعد تبليغ البشر ( العباد ) بما يقرره أو يريده الله ( I ) ويبغيه منهم .. وتعريفهم بالغايات من :خلقهم . ولهذا ياتي تعريف الدين من المنظور الإسلامي بأنه

" البلاغ الصادر عن الخالق المطلق لهذا الوجود ( ويشمل ذلك كوننا هذا والأكوان الأخرى الموازية أو المتراكبة معه ) لتعريف مخلوقاته ( بما في ذلك الإنسان ) به ( كمالات وفعل ) وتعريف هذه المخلوقات بالغايات من خلقها (r)وحتمية تحقيقها لهذه لغايات، فهذا هو دور الرسل كما جاء في قوله تعالى لمحمد  

قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا (20) قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا (21) قُلْ إِنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا (22) إِلَّا بَلَاغًا مِّنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا )(23

( القرآن المجيد : الجن {72} : 21 - 23 )

[ ( قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا ) : أي إنما أنا بشر مثلكم يوحى إليَّ وعبد من عباد الله ليس لي من الأمر شيء فيه هدايتكم ولا غوايتكم بل المرجع في ذلك كله إلى الله عز وجل وإليكم . ثم أخبر عن نفسه أيضا أنه لا يجيره من الله أحد لو عصيه فإنه لا يقدر أحد على إنقاذ من عذاب الله عز وجل ، ( ولن أجد من دونه ملتحدا ) قال مجاهد وقتادة والسدي لا ملجأ ولا نصير ولا ولي / عن تفسير ابن كثير ]

فقد اقتضى عدل الله ( I ) وحكمته إرسال الرسل للبشرية .. كما جاء في قوله تعالى

(رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا) (165)

( القرآن المجيد : النساء {4} : 165 )

فقضية التحول في النموذج الديني ـ على نحو مطلق ـ مرتبطة بطبيعة خلق الإنسان والحكمة والغرض ( أو السبب ) من وجود الإنسان في هذه الحياة الدنيا . ولا يرجع أهمية التحول في النموذج الديني .. إلى تنبيه البشرية إلى واقع وجودها ومصيرها فحسب .. وتحقيق الغايات من خلقها لنيل الخلاص المأمول فحسب .. بل يرجع أهمية هذا التحول أيضا إلى كونه المدخل الوحيد لتحقيق السلام على الأرض . فلا معنى لتحقيق السلام بدون وضع المرجعيات المطلقة لمعاني : الدين / الغايات من الخلق / الحق / العدل / الخير / مكارم الأخلاق .. إلى آخره .. بحيث لا تحتمل تأويل هذه المعاني بغير معانيها الحقيقية بعيدة عن هوى النفس البشرية

..( إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ )(53)
( القرآن المجيد : يوسف {12} : 53 )

 فالواقع ؛ لا معنى لأن يتكلم الإنسان عن السلام ما لم يتنبه إلى حقيقة وجوده .. وحقيقة الغايات من خلقه .. وحقيقة العدل .. وحقيقة الحق .. إلى آخره . وهو ما ينطوي على تخليص العالم بأسره من شرور النفس البشرية .. وشرور الفكر البدائي المسيطر على عقائده الدينية كما في الديانتين اليهودية والمسيحية الحاليتين .. متمثلا في ..!!دموية النصوص في علاقة الإنسان بأخيه الإنسان
وهكذا ؛ تمثل سلسلة كتب الكاتب والتي تأتي تحت اسم : " حوار الأديان أمام القضاء العالمي " .. المحاولة المبذولة لمد يد العون لإنقاذ هذا الكم الهائل من البشرية من مصير حتمي هي متردية فيه ـ الآن ـ بتبصيرها بواقع وجودها ومصيرها والغايات من خلقها .. وذلك بما تفرضه علينا الأخوة الإنسانية من جانب .. وتحقيقا لقوله تعالى " في جَعْلنا " .. وأكرر : " في جَعْلنا " حيث لا فضل لنا في هذا " الجعل " فالفضل يرجع إلى الله وحده ( I ) في اختياره لنا لكي نكون " الأمة الشهيدة " على الناس من جانب آخر كما جاء في قوله تعال

(وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) .. (143)

( القرآن المجيد : البقرة {2} : 143 )

وهو اختيار مشروط بالإيمان والدعوة إلى مكارم الأخلاق .. كما جاء في قوله تعالى

( كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ) .. (110)

( القرآن المجيد : آل عمران {3} : 110 )

..وذلك تحقيقا لعدله المطلق

( .. وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً (15) (

( القرآن المجيد : الإسراء {17} : 15 )

:ويتحرك التحول في النموذج الديني على ثلاثة محاور رئيسية تتلخص في الآتي

أولا : توحيد الفكر الإنساني حول ضرورة وجود المنهاج العلمي في القضية الدينية حتى يمكن إقامة البرهان على صحة هذه القضية المصيرية بالنسبة للبشرية . وبهذا المعنى يمكن إخضاع الدين ـ أي دين وليس الدين الإسلامي فحسب ـ للقياس العلمي والمنطق الرياضي معا .. تماما كما تخضع النظريات العلمية لهذا المنهاج . وبهذا المعنى يمكن البرهنة على صحة الدين الحق وكذا البرهنة على خطأ الأديان الوثنية الأخرى .. بطريقة لا لبس فيها ولا غموض في أي من الحالات

فنظرة الإنسان للدين ـ حتى الآن ـ لم تتجاوز المفهوم النسبي .. بمعنى أن الدين إن لم يكن قضية وهمية من صنع خيال الإنسان .. فهو في أحسن أحواله .. قضية اعتقادية .. أي قضية يعتقد فيها المرء أو لا يعتقد فيها ولا يمكن إقامة البرهان على صحتها .. شأنها في هذا ..(شأن أي قضايا جمالية أخرى ( أي المنظور النسبي

وبنزول : " القرآن المجيد " قد تغير هذا المعنى تماما .. فقد قام هذا الكتاب ـ أي القرآن العظيم ـ بنقل الدين من حيز القضايا النسبية إلى حيز القضايا المطلقة ( أي إلى حيز القضايا العلمية الكلية ) .. ذات البراهين الراسخة .. تحقيقا لقوله تعالى

( يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا) (174)

( القرآن المجيد : النساء {4} : 174 )

وبديهي لا يأتي معنى البرهان إلا مقترنا بالفكر الرياضي والفكر الفيزيائي .. مصحوبا بالتجربة المعملية والقياسات الكونية المؤيدة والدالة على هذا الفكر ، حيث لا توجد براهين في القضايا الجمالية أو الأعراف ( إلا بالاتفاق ) لأن منظورها نسبي . وسوف نرى أن (القرآن المجيد ( أي الدين الإسلامي ) قد جاء بالمنهاج العلمي في أعم وأشمل معانيه (5
ثانيا : توحيد الفكر الإنساني حول معنى وفكر الخـالق المطلق لهـذا الوجود ، أي " الله " ( I ) . وهو ما يعني اعتراف الغرب بلفظ الجلالة : " الله " .. حيث لا يقتصر معنى هذا الاسم على الدين الإسلامي فقط أو الأمة الإسلامية فحسب ـ كما هو معلوم الآن في الفكر الغربي ( أنظر المعاجم الأجنبية ) ـ بل يجب أن تعترف الكنائس الغربية بهذا الاسم أيضا .. كما اعترفت به الكنائس الشرقية الناطقة باللغة العربية . ولهذا ينبغي تعميم استخدام هذا الإسم أي : " الله " ( U ) على المستوى العالمي . ولكن بشرط ـ وحتى لا أتهم بالتناقض [6] ـ يجب تنزيه صفات هذا الاسم ، أي اسم الخالق المطلق لهذا الوجود ، عن الصفات الوثنية السائدة الآن عن الإله وبخاصة في الفكر اليهودي والمسيحي .. بحيث تقتصر صفاته ـ سبحانه وتعالى ـ على الصفات الإسلامية ( الكمالات الإلهية ) كمـا وردت في القرآن المجيد والسنة النبوية الشريفة

وأذكر هنا المغالطات الصارخة التي يدعيها الغرب ـ في الوقت الحالي ـ على الإسلام كما جاءت على لسان القس " بيتر شتايناك : Peter Steinacke " رئيس الكنيسة الإنجيلية بمقاطعة " Hessen und Nassau " الألمانية للتلفزيون الألماني حيث يقول :

" إن الإله الذي يعبده المسلمون غير الإله الذي يعبده المسيحيون " [7] . وبديهي ؛ إذا كان لا يوجد سوى إله واحد هو إله المسيحية ( أي : المسيح عيسى بن مريم ) .. فإن معنى هذا أن المسلمين لا يعبدون سوى وثن ..!!! وهنا نصبح إزاء تناقض صارخ في جوهر العقائد ..!!! فهم يدعون علينا بأننا نعبد " إله وثن " .. بينما نحن ـ المسلمين ـ نقطع بأنهم يعبدون نبيا .. هو عيسى بن مريم ( u )
ثالثا : توحيد الفكر الإنساني حول معنى وفكر " الدين " .. فلا معنى القول بتعدد الأديان على الرغم من صدورها من خالق واحد ـ لا متغير ـ لهذا الوجود . فمن المنطقي ؛ طالما وأن الله ( I ) واحد ولا متغير ، فلابد وأن يكون الدين ـ أيضا ـ واحد ولا متغير . فمن منظور الفكر الإسلامي أن الدين واحد في كل ما سبق من رسالات .. كما جاء في قوله تعالى.

( مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ )(43)

( القرآن المجيد : فصلت {41} : 43 )

وكما جاء في قوله تعالى( شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاء وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ (13) (

( القرآن المجيد : الشورى {42} : 13 )

أي هي رسالة واحدة .. وليست رسالات مختلفة . وبهذا المعنى تصبح الأديان السابقة على الإسلام هي صور أولى من الدين الإسلامي ولها نفس المعنى ولا خلاف في أصولها .. كما كان ينبغي أن يطلق عليها اسم " الدين الإسلامي " أيضا .. أي لا يهودية أو مسيحية نسبة إلى أشخاص أو أنبياء

وبديهي سوف يترتب على هذه المعاني السابقة .. التحول في طريقة عرض الإسلام في الغرب .. أو بمعنى آخر التجديد في الخطاب الديني ( الإسلامي ) . وبديهي ؛ لا يعني هذا المفهوم التبشير بالدين الإسلامي بالمعنى السياسي . بل تعني الدعوة بالدين الإسلامي
بتبصير الإنسان بمعنى وجوده ومصيره والغايات من خلقه .. وتتمثل هذه الدعوة في توصيل البلاغ الإلهي الأخير ( العهد الحديث ) الصادر عن المولى ( U ) للبشرية لتعريفهم به ( كمالات وفعل ) وتعريفهم بالغايات من خلقهم ( الإيمان المبني على العقل ) .. وحتمية تحقيقهم لهذه الغايات ـ العمل بالشريعة [8] ـ حتى يمكنهم الفوز بالخلاص المأمول ونيل السعادة الأبدية المنشودة

...لينتهي الفرد من هذا البلاغ إلى إدراك معنى قوله تعالى

( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) (56)

( القرآن المجيد : الذاريات {51} : 56 )

وهي الكلمات الخمس التي لخص بها المولى ( U ) الفطرة البشرية نحو التدين وممارسة العبادة .. والغايات من الخلق .. خلق الكائنات العاقلة والمكلفة ( الجن والإنس ) .. وذلك على حسب حركة الحرف الأخير من كلمة ( ليعبدون ) من السكون ( لِيَعْبُدُونْ ) والكسر ( لِيَعْبُدُونِ ) على التوالي .. وكلاهما في القراءة جائز . وهكذا ؛ تتضح رؤية الإنسان لوجوده الحقيقي وللوجود المبني على العقل والمنهاج العلمي معا .. وهو المنظور المفقود في الديانات الأخرى كما رأينا ..!!! ولا يجوز القول بعبادة أي إله آخر .. فهي من المحرمات على ..الإنسان  

 قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا .. )151)

( القرآن المجيد : الأنعام {6} : 151 )

الشرك مع الله هو مبدأ مرفوض تماما .. كما سبق وأن قرر الله ( I ) هذا المعنى في رسالاته السابقة من قبل ، كما جاء هذا في توراة موسى ، عليه السلام   

[ (3) لا يكن لك آلهة أخرى أمامي . (4) لا تصنع لك تمثالا منحوتا ولا صورة ما مّما في السماء من فوق وما في الأرض من تحت وما في الماء من تحت الأرض . (5) لا تسجد لهنّ ولا تعبدهن ّ.لأني أنا الرب إلهك اله غيور .. ] [9]

( الكتاب المقدس : سفر الخروج : {20} : 3 - 5 )

ولهذا يأتي القرار الإلهي
(وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ .. )(23)

( القرآن المجيد : الإسراء {17} : 23 )
أي هو إله واحد هو : " الله سبحانه وتعالى " المستحق بالعبادة وهو أصل الغايات من الخلق أي الوصول إليه من خلال العقل الذي أودعه الله ( I ) في الإنسان . وبهذا ينتهي الإسلام إلى الارتقاء بالمسئولية الإنسانية حتى تنتهي إلى الفرد نفسه . وبأن الفـرد ـ في النهاية ـ هو من يملك ناصية مقدراته .. وهو القادر الوحيد على تحديد موقفه ومصيره في بانوراما الوجود

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
:
هوامش المقالة
[1] " نيقولاس كوبرنيكوس : Nicolaus Copernicus " ( 1473 - 1543) : عالم فلك بولندي . يعتبر أحد علماء الفلك القلائل الذين تركوا أعظم الأثر في الحركتين العلمية والفلسفية طوال قرون متعددة . وهو أول من قال ـ بشكل علمي ـ بأن الأرض وسائر الكواكب السيارة تدور حول الشمس وحول نفسها ، وبذلك قلب معطيات علم الفلك القديم التي كانت تقول بأن الأرض هي مركز الكون الثابت . وتعرف نظريته باسم : " النظام الكوبرنيكي " ، وقد حاربت الكنيسة الكاثوليكية هذه النظرية بعنف بوصفها مخالفة لنصوص " الكتاب المقدس " . ولم تستقر هذه النظرية إلا مع اكتشاف نيوتن ( 1642 – 1727 ) لقانون الجذب العام حوالي سنة 1686 . أي أن الاقتناع بفكرة كوبرنيكوس قد استغرقت حوالي مائة وخمسين عاما حتى استقرت في نفوس الناس .

[2] " هيرمان منكاوسكي : Hermann Minkowski " ( 1864 – 1909 ) : عالم رياضي روسي اشتغل بالتدريس في الجامعات الألمانية .. أضاف الزمن إلى الفضاء كبعد رابع . وبالتالي أصبحت رؤيتنا للفضاء ذي الثلاثة أبعاد .. لا تعدو عن رؤيتنا لظلال عالم واحد رباعي الأبعاد . ولم يتنبه آينشتين في بادئ الأمر إلى فكر منكاوسكي ، واعتبره مجرد نوع من التفسير الرياضي للعالم الفيزيائي الذي نحيا فيه .. ولا يمثل الحقيقة . ولكن حدث ـ بعد ذلك ـ تحول كبير في فكر آينشتين وتبنى وجهة نظر منكاوسكي ( التي تنسب إلي آينشتين الآن بطريق الخطأ .. والدعاية اليهودية ) واستخدمها آينشتين في البنية الأساسية للنظرية النسبية العامة ( عن الجاذبية ) والتي أذاعها في سنة 1916 . والمعروف كذلك أن مكتشف المعادلات الرياضية الأساسية لـ " النظرية النسبية الخاصة " لآنشتين هو العالم الهولندي " هندريك . أ. لورانتز " ( 1853 - 1928 ) . وتعرف هذه المعادلات باسمه الآن ، حيث تأتي تحت اسم : " تحويلات "لورانتز 
[3] " الحقيقة المطلقة : الله والدين والإنسان " ؛؛ " الإنسان والدين / ولهذا هم يرفضون الحوار " 

[4] تماما مثل ما نحن في أمس الحاجة إلى تحول في النموذج الإسرائيلي والذي يعني بـ : " موضوع نشأة دولة إسرائيل وحقوقها التاريخية المزعومة في المنطقة العربية " . ويمثل مرجعي الكاتب السابقين : " البعد الديني في الصراع العربي الإسرائيلي " / و : " بنو إسرائيل .. من التاريخ القديم وحتى الوقت الحاضر " ( مكتبة وهبة ) .. المساهمة المتواضعة في فكر : " التحول في النموذج الإسرائيلي " . أنظر كذلك مرجع الكاتب : " الإسلام والغرب / المواجهة والحل "

[5] مرجع الكاتب : " التحول في النموذج / القرآن المجيد .. العهد الحديث " ؛ تحت النشر
[6] طالبت في كتاباتي السابقة برفع لفظ الجلالة " الله " سبحانه وتعالى .. من نصوص الكتاب المقدس خصوصا إنه لم يرد ذكر هذا اللفظ في لغات الكتاب المقدس الأصلية ( العبرانية ، والكلدانية ، واليونانية ) ؛ لما يصاحب هذا اللفظ من نصوص متدنية وأسطورية إلى حد بعيد . فعلى سبيل الذكر نجد أن من ضمن صفات هذه الذات الإلهية ـ في الفكر المسيحي ـ أنها تتصف بصفات : [ الحيوان ـ الأسد ـ العجل ـ وجه الإنسان ـ النسر الطائر ] . وبديهي ؛ هي صفات وثنية لا تخطئها العين المجردة . للتفاصيل أنظر الكتاب الأول من سلسلة حوار الأديان أمام القضاء العالمي : " الإنسان والدين .. ولهذا هم يرفضون الحوار " ؛ مكتبة وهبة

[7] " الإسلام في الألفية الثالثة / ديانة في صعود " ؛ د. مراد هوفمان . مكتبة الشروق / ص : 75

[8] الشريعة التي قذف بها " بولس الرسول أو الحواري " إلى الجحيم .. ولعن كل من يعمل بها .. بل ولعن الإله نفسه ..!!! للتفاصيل أنظر مرجع الكاتب السابق : " الحوار الخفي / الدين الإسلامي في كليات اللاهوت " . مكتبة وهبة
[9] ينبغي الإشارة إلى وجود شروط صارمة للاستشهاد ببعض نصوص الكتاب المقدس . راجع مرجع الكاتب السابق : " بنو إسرائيل من التاريخ القديم وحتى الوقت الحاضر "