|
الماغوط
ومدينة محجبة بالياسمين
|
بريهان قُمُق
عندما اقف أمام مكتبتي المتواضعة المنقسمة لقسمين
في مدينتين تبعد الواحدة عن الأخرى آلاف الأميال أشعر بالضياع ،
فالبحث عن أصدقائي يتعبني وقد باتوا متفرقين في أرض الله الواسعة
..ولم يعد لدي سوى كتاباتهم وتلك الإهداءات التي تروس الصفحة
الأولى فتمنحني بعضا من رياحين وياسمين الأم والوطن .. المدن يا
محمد الماغوط باتت تتشاجر مع أحلامنا و تمعن في تقزيمنا
وتهميشنا ، تضع السم في كحلنا ، الياسمين فقط باتت للمدن التي تسكن
المخيلة ، حلم يتيم ليس إلاّ ، وفي هذه نروح ونسكن جوارك نحلم بمدن
محجبة بالياسمين و العطرية والميرمية والياسمين ..
ربما ما يسكن المخيلة سبب بقائنا وصمودنا ، ونظرة
لأمير الأحزان الرائع الماغوط صاحب الطفولة البريئة والإرهاب المسن
،هو ذاته الذي امتلك مدينة محجبة بالياسمين ولكن كانت في الحلم
الذي أصابتنا عدواه الجميلة .. هو الذي راح شعره صرخة شقاء وصرخة
ندم, صرخة حب مقموع لا يتم تداول أزهاره وقبلاته إلاّ في الأقبية
والأنفاق والأزقة الخلفية, كطقس سحر عاجز عن تحريك ضمائر الشياطين
والمنافقين والمهرجين باسم الوطن . حزنه رغم ياسمين مدينته لم يكن
حزن الرومانسيين المتثائبين ، بل كان من الشعراء العرب القليلين
الذين ما زالوا يثيرون الجدل, سواء في طريقة حياتهم وانزوائهم
بعيداً عن الأضواء و وسائل الإعلام, أو بسبب طبيعة شعرهم , الملتبس
بين قصيدة النثر الغربية , وبين أسلوبيته العربية المقاربة للنثر
الفني الذي عرفته الثقافة العربية مع النصوص الصوفية وقصائد الوجد
والمفارقات القصيرة التي برع بها الكتاب والناثرون. ذلك الالتباس
الذي بقي سارياً منذ السبعينات وحتى اليوم ..
لقد أثر الماغوط على جيل بأكمله في منطقة الشام
منذ السبعينات, ليس الشعراء فحسب بل وحتى على القصاصين ،
الراوائيين ، المسرحيين ، كتاب السيناريو للتلزفيون والسينما
والمثقفين والفنانين, إذ أعطت افكاره المتمردة للجيل الجديد طاقة
على التمرد الاجتماعي خصوصاً والسياسي العام , ثم التمرد الشعري.
وها هو يجلس في بيته الكائن في وسط دمشق, وحيداً إلاّ من بضعة
أصدقاء أوفياء مقربين جدا , متأملاً ومازال حالما بوداعة وبراءة
طفل نقي بمدينة أعلى قمة منطقة الشرق الأوسط محجبة فقط بالياسمين
..يجلس (نسر الدموع) في بيته محاطاً بملايين الجدران, يحـلم بـوطن
آخر يمتلئ بالفرح لا بدموع الثكالى والمشردين:-
فليذهب القادة الى الحروب/ والعشاق الى الغابات/
والعلماء الى المختبرات/ أم أنا/ فسأبحث عن مسبحة وكرسي عتيق/
لأعود كما كنت/. حاجباً قديماً على باب الحزن...
والحزن
الجليل عن الشاعر والاديب لكبير محمد الماغوط ، نابع من وعي الحدث
وما خلف الحدث المحيط سواء أكان سياسيا او مجتمعيا او اقتصاديا ،
وهذا ما راحت اليه الشاعرة الكبيرة - التي ظلمها
النقاد والاعلام بالتجاهل كعادتهم وحساباتهم التي دوما لاتتطابق
وحسابات البيادر ، رغم أهمية تجربتها و كتاباتها- الراحلة "سنية
صالح "في مقدمة كتاب شريك القلب والعقل والحياة قبل رحيلها ،
المثقفة المبدعة التي احترمها الماغوط من الأعماق ، حيث كتبت له
مقدمة أعماله الصادرة عن دار المدى بدمشق 1998 من منطلقات عدّة
فقد كانت الحبيبة والزوجة والتي قدمت له ابنتين رائعتين وأيضا
كانت رفيقة درب الحرف بكل محمولاته المتمردة و الحزينة ولحظات
الفرح القليلة .. قالت الشاعرة الراحلة سنية صالح في مقدمة الكتاب
:-
مأساة محمد الماغوط أنه ولد في غرفة مسدلة الستائر
اسمها الشرق الأوسط. ومنذ مجموعته الأولى (حزن في ضوء القمر) وهو
يحاول إيجاد بعض الكوى أو توسيع ما بين قضبان النوافذ ليرى العالم
ويتنسم بعض الحرية.
وذروة هذه المأساة هي
في إصراره على تغيير هذا الواقع، وحيداً، لا يملك من أسلحة التغيير
إلا الشعر. فبقدر ما تكون الكلمة في الحلم طريقاً إلى الحرية نجدها
في الواقع طريقاً إلى السجن. ولأنها كانت دائماً إحدى أبرز ضحايا
الاضطرابات السياسية في الوطن العربي، فقد كان هذا الشاعر يرتعد
هلعاً إثر كل انقلاب مرَّ على الوطن، وفي أحدها خرجت أبحث عنه، كان
في ضائقة قد تجره إلى السجن أو ما هو أمرّ منه، وساعدني انتقاله
إلى غرفة جديدة في إخفائه عن الأنظار، غرفة صغيرة ذات سقف واطئ
حشرت حشراً في خاصرة أحد المباني بحيث كان على من يعبر عتبتها أن
ينحني وكأنه يعبر بوابة ذلك الزمن.
سرير
قديم، ملاءات صفراء، كنبة زرقاء طويلة سرعان ما هبط مقعدها، ستارة
حمراء من مخلفات مسرح قديم. في هذا المناخ عاش محمد الماغوط أشهراً
عديدة.
لنفترض أن الشرق العربي بقعة سوداء على خريطة
الماضي والحاضر، فما يكون لون المستقبل؟ ولنبحث بعد ذلك عن مصير
الشعر والشعراء من خلال ذلك الظلام الدامس. وإذا ما استعملنا ضوء
الذاكرة وجدنا أن محمد الماغوط في وجه من الوجوه جزء من المستقبل،
لذا كان لا بد من حمايته من غباء الحاضر. ألا يكون مستقبل شعرنا
رماداً لو تركنا الشعراء للسلطة؟ ولأن هذا الشاعر محترق بنيران
الماضي والحاضر، لجأ إلى نيران المستقبل وهو جزء منها بحثاً عن
وجود آخر وكينونة جديدة. بدت الأيام الأولى كاللعبة البطولية لنا
نحن الاثنين. ولكن لما شحب لونه ومال إلى الاصفرار المرضي وبدأ
مزاجه يحتد بدت لي خطورة اللعبة. كان همي الكبير أن يتلاشى الإعصار
دون أن يخنق غبارُه (النسر).
كنت أنقل له الطعام والصحف والزهور خفية. كنا نعتز
بانتمائنا للحب والشعر كعالم بديل متعالٍ على ما يحيط بنا. كان
يقرأ مدفوعاً برغبة جنونية. وكنت أركض في البرد القارس والشمس
المحرقة لأشبع له هذه الرغبة، فلا ألبث أن أرى أكثر الكتب أهمية
وأغلاها ثمناً ممزقة أو مبعثرة فوق الأرض مبقعة بالقهوة حيث
ألتقطها وأغسلها ثم أرصفها على حافة النافذة حتى تجف. كان يشعل
نيرانه الخاصة في روائع أدبية بينما كانت الهتافات في الخارج تأخذ
من بعيد شكلاً معادياً.
وقبل ذلك كان محمد الماغوط غريباً ووحيداً في
بيروت. وعندما قدّمه أدونيس في أحد اجتماعات مجلة (شعر) المكتظة
بالوافدين، وقرأ له بعض نتاجه الجديد الغريب بصوت رخيم دون أن يعلن
عن اسمه، وترك المستمعين يتخبطون ( بودلير؟.. رامبو؟..) لكن أدونيس
لم يلبث أن أشار إلى شاب مجهول، غير أنيق، أشعث الشعر وقال: (هو
الشاعر..)
لا شك
أن تلك المفاجأة قد أدهشتهم وانقلب فضولهم إلى تمتمات خفيضة. أما
هو، وكنت أراقبه بصمت، فقد ارتبك واشتد لمعان عينيه. بلغة هذه
التفاصيل وفي هذا الضوء الشخصي نقرأ غربة محمد الماغوط. ومع الأيام
لم يخرج من عزلته بل غير موقعها من عزلة الغريب إلى عزلة الرافض.
من يدرس حياة هذا الشاعر يرى أن فترات الخصب عنده
تتواقت مع الأزمات. (فالعصفور الأحدب) وأعمال أخرى ما زالت مخبأة
في الأدراج، وقسم كبير من (الفرح ليس مهنتي) جاءت نتيجة انفجار
بشري داخلي عنيف حدث في أواخر ذلك الشتاء. في هذه الحميا أخذ يرى
علائق الأشياء بعضها بالبعض الآخر. وإن هذه الارتباطات قد تنقلب
إلى علائق خطرة فيما إذا تضخمت من طرف واحد تاركة الطرف الآخر
يرتجف دون حول أو قوة. ومحمد الماغوط يبحث عن الحماية منذ صغره.
لكن كلما التجأ إلى ركن رآه خانقاً كالسجن أو واهياً كالورق. أراد
أن يدخل كون الشعر حيث لا سلطة إلا للمتفوقين. والبيئة المضطربة
المتقلبة التي عاش في مناخها، كانت تقف كالسوط في وجهه لترده
باستمرار إلى الداخل فيعتصم بمخيلته. في تلك المؤامرة الكبيرة التي
حاكتها البيئة ضده عظمت براءته وقوي صفاؤه. وقد أعطته تلك الإقامة
السرية فرصة كبيرة للتأمل الذهني. وتحت تلك العدسات كان الوجود
الإنساني يدخل سلسلة من التحولات. سكب أحماضه المأساوية على الفوضى
البشرية، فبدا الوجود الواحديحمل في أعماقه وجودات لا حصر لها.
وهذا ما دفعه لأن يطرق ألواناً أخرى غير الشعر.
********
أهم النتاجات الابداعية للاديب الكبير محمد الماغوط
1- حزن في ضوء القمر - شعر (دار مجلة شعر - بيروت
1959 )
2- غرفة بملايين الجدران - شعر (دار مجلة شعر -
بيروت 1960)
3- العصفور الأحدب - مسرحية 1960 (لم تمثل على
المسرح)
4- المهرج - مسرحية ( مُثلت على المسرح 1960 ،
طُبعت عام 1998 من قبل دار المدى - دمشق )
5- الفرح ليس مهنتي - شعر (منشورات اتحاد الكتاب
العرب - دمشق 1970)
6- ضيعة تشرين - مسرحية ( لم تطبع - مُثلت على
المسرح 1973-1974)
7- شقائق النعمان - مسرحية
8- الأرجوحة - رواية 1974 (نشرت عام 1974 - 1991 عن
دار رياض الريس للنشر)
9- غربة - مسرحية (لم تُطبع - مُثلت على المسرح
1976 )
10- كاسك يا وطن - مسرحية (لم تطبع - مُثلت على
المسرح 1979)
11- خارج السرب - مسرحية ( دار المدى - دمشق 1999 ،
مُثلت على المسرح بإخراج الفنان جهاد سعد)
12- حكايا الليل - مسلسل تلفزيوني ( من إنتاج
التلفزيون السوري )
13- وين الغلط - مسلسل تلفزيوني (إنتاج التلفزيون
السوري )
14- وادي المسك - مسلسل تلفزيوني
15- حكايا الليل - مسلسل تلفزيوني
16- الحدود - فيلم سينمائي ( إنتاج المؤسسة العامة
للسينما السورية، بطولة الفنان دريد لحام )
17- التقرير - فيلم سينمائي ( إنتاج المؤسسة العامة
للسينما السورية، بطولة الفنان دريد لحام)
18- سأخون وطني - مجموعة مقالات ( 1987- أعادت
طباعتها دار المدى بدمشق 2001 )
19- سياف الزهور - نصوص ( دار المدى بدمشق 2001)
- أعماله الكاملة طبعتها دار العودة في لبنان.
- أعادت طباعة أعماله دار المدى في دمشق عام 1998
في كتاب واحد بعنوان (أعمال محمد الماغوط ) تضمن: ( المجموعات
الشعرية: حزن في ضوء القمر، غرفة بملايين الجدران، الفرح ليس
مهنتي. مسرحيتا: العصفور الأحدب، المهرج. رواية: الأرجوحة )
- تُرجمت دواوينه ومختارات له ونُشرت في عواصم
عالمية عديدة إضافة إلى دراسات نقدية وأطروحات جامعية حول شعره
ومسرحه..
...
وبعد هذا الاستعراض السريع لأهم النتاجات الابداعية
لأمير الحزن ونسر الدموع المتمرد الحالم يصير السؤال هل يحق لنا
اعلان وفاة المبدع لمجرد أن رجفة الكبر والوهن والمرض أصابت اليد
وباتت الأصابع ببرد الوحدة تفقد ليونة ومرونة العزف على تقاسيم
الحروف ..!؟
ترى لما لم نتعلم بعد كيف نغرس شتلات الرياحين
والياسمين لتصير أحلامنا تستحق مخيلتنا..!!
كيف تصير مدننا الواحدة محمولة بكل هذه الاغترابات
القاسية .!؟
أعود لعبارة باتت تلازمني منذ زمن : الغربة ليست
غربة مكان وزمان ، بل غربة انسان عن انسان.. وللشاعر الكاتب الأديب
الكبير محمد الماغوط الذي علمنا معنى الغربة والاغتراب في مدلولات
المكان والزمان والانسان .. له كل محبة الكون ..
|