|
*
هل تعتبر الشبكة المعلوماتية هي
المصدر
الرئيس للانتشار أو للتعريف بالشاعر؟ أم هي مصدر تواصل مع الأدباء
العرب؟
- إنَّ للشبكة
المعلوماتية أثراً ملحوظاً في انتشار الشاعر والتعريف به، ولكنها ليست المصدر
الرئيس، لأن للصحافة الورقية ووسائل الإعلام الأخرى فضل الريادة في هذين، وما
زالت تؤدي دورها بشكل فاعل، وما زالت قامتها عالية بين جميع الوسائل...مازال
لها الهيبة والوقار والجدارة بالثقة، فضلاً عن أنَّ الشبكة المعلوماتية هذه
لم تنتشر انتشاراً كافياً يساوي انتشار الصحيفة والمجلة والإذاعتين المسموعة
والمرئية في الوطن العربي خاصة، ولذلك لا يمكن الاستغناء عن الصحافة الورقية
مهما زاد انتشار هذه الشبكة. ولكن الشبكة، من ناحية أخرى، حققتْ وتحقق ما لم
تستطعه ولن تستطيعه الصحافة الورقية من سرعةٍ في النشر، أو الانتشار.
أما قضية
التواصل بين الأدباء فأشهد أنّ الشبكة أدَّت الدور العظيم في ذلك، وأسدتْ
للعلاقات بين الأدباء العرب فضلاً لم يكن له أن يتحقق لولاها، وقد تخطّت
الحدود الجغرافية للوطن العربي، بل تخطّت كل الحدود.
*
يعتبر الدكتور مقداد نشيطاً في المشاركة في المنتديات العربية على الشبكة
المعلوماتية ، فما تصورك لرسالة المنتديات؟ وهل وجد هذا المنبر المستقل الذي
يوجه وينقد بشكل إيجابي بحيث يطور طاقة قلمية؟
- يبدو
أنّ المنتديات الالكترونية العربية لم تستطع الاستحواذ على ثقة الكثير من
الأدباء المتميزين والنقـّاد ذوي الكلمة النافذة، فلم ينتبهوا إليها، وقد
عدمَ أكثرُها التوجيهَ الصحيحَ والإشراف الهادف، مع توفر النوايا الحسنة التي
لا تجدي نفعاً كثيراً في هذا المجال، فغرقتْ هذه المنتديات في بحر من
المجاملات والأحكام الساذجة جهلاً أو حفاظاً على الزبائن (!). ويمكن لهذا
المنبر أن يوجّه وينقد من خلال الموجهين والنقاد إذا شاؤوا أن يخدموا قضية
أدبية أو أديباً رأوا فيه ملامح إبداع، وقد قمتُ أنا شخصياً وما أزال أقوم
بهذا الدور، انطلاقاً من توجهاتي التربوية، وإحساسي بأهمية القيام بمثل هذا
الدور من قبلي كناقد.
* هل
يمكن للمنتديات أو الشبكة المعلوماتية بشكل عام أن تصنع كاتبا أو شاعرا؟.
- لا يمكن لأية
جهة أن تصنع كاتباً أو شاعراً، فالكتابة والشعر موهبة، والموهبة عامل داخلي
في نفس الموهوب، وأما الجهات الأخرى فلا تقوم بأكثر من دور الصقل والتوجيه
والتدريب، وهذه الأخيرة كلها يمكن أن تؤديها الشبكة أو المنتديات إذا توفر
لها التوجيه الصحيح والكفاءة، وليس لنا أنْ نحمِّلها بأكثر مما يجب أن يُرسم
لها من أدوار أو مهمات.
* هل يبحث الناقد عن النص الجيد أم أنه يتناول نصا مميزا يطلب منه تقويمه إن
جاز التعبير؟
- لا ينبغي للناقد
افتراض جودة النص مسبقاً لكي يقوم بنقده، فالنقد في أصله تبيان محاسن النص
ومساوئه، إذا كان في موضع التقويم، وقد يكون للناقد غرض آخر غير التقويم. و
في كل الأحول ينبغي له أن يتوجَّه لذوي المواهب الحقيقية، سواء أتلك التي
نضجتْ واستقامت أم تلك التي مازالت في أول الطريق، على أنني أرى أهمية كبيرةً
جداً في توجه الناقد للمواهب الحقيقية الشابة، فهذه هي التي تحتاج أن ترى
أقدامها على أي طريق هي.
*الفرق بين المؤرخ والشاعر هو أن الأول يدون ما حدث والشاعر يرسم بحروف
ما
قد يحدث فهل نجح الشاعر المعاصر في تصور ما قد يحدث؟
- الشاعر ليس
منجّماً، ولا يُطلب منه أن يكون كذلك، والتنبّؤ بالأحداث ليس من مهامه....لقد
أصبح لهذا الشأن متخصصوه، أمّا إذا استطاعت بعض النصوص الشعرية استشراف
المستقبل فيعدّ هذا
ميزة
إضافية وإثراءً للنص، فضلاً عن أنَّ مثل هذا محدود الغرض، لا يتعلق بأغراض
الشعر جميعاً. وتصور ما قد يحدث لا يمس الشعر وحده دون باقي الفنون الكلامية،
ومساسه في القصة والرواية أكثر، فالمجال هناك لاستبطان الحدث وتتبع
تداعياته أكثر، على نحو ما رأينا لدى الروائي البريطاني جورج أورول.
*هل
تفاعل النص الأدبي مع الحدث أضره وقلل من أهميته؟ أو أضعف من قوته كعمل
ابداعي أم أثراه ليستحضر من ذاكرته تفاعله مع الحدث ذاته؟
- هذا تعميم خاطئ،
فيمكن لبعض الأحداث أن يتناولها نص أدبي فيغنيها ويسجلها في ذاكرة التاريخ،
فتكون له أهمية كبيرة في تسجيل بعض الأحداث التاريخية، فينزل النص الأدبي
منزلة الوثيقة، وقد عثرتُ خلال بحوثي على نصوص شعرية وثّقتْ أحداثاً أغفل
ذكرها المؤرخون. لاسيما وأننا أمة شاعرة تحفظ الشعر وتحترمه وتحتفظ به في
دواوين. ولذلك فإن تسجيل بعض الأحداث مما يستشف الشاعر أهميته هو شيء
يُنظر إليهِ باحترام وتقدير، على أننا لا نطلب من الشعر أن يكون وسيلة
للتأريخ وحسب، فلم ينشأ الشعر في الأصل ليؤدي هذا الغرض، وليس مطلوباً منه
الآن ذلك، ولكنه استطاع أن يقوم بهذا الغرض من قبلُ، وما زال قادراً
على القيام بالغرض نفسه اليوم.
*
في الجاهلية كان للشعر مقام الاعلام عند التحارب بين القبائل فيتسابق
الشعراء من الأطراف المتحاربة على طرح
قضيتهم من خلال الشعر، فما دور الشعر الان؟
- الشعر
فن راق ٍ مهمته التعبير عن المشاعر الإنسانية، وليس لهذه المشاعر زمان ومكان
محدَّدان. وكما استطاع الشعر أن يعبر عنها آنذاك هو قادر على التعبير عنها
الآن، وقد اطلعتُ على مجموعة كبيرة من القصائد الحديثة تتفاعل مع الحدث
المعاصر تفاعلاً رائعاً، وتعبر عنه تعبيراً مؤثراً وفاعلاً، وشعراؤها
استطاعوا أن يقوموا بالدور الذي كان يقوم به الشاعر القديم بكفاءةٍ عالية، مع
اختلافٍ طبعاً في طرائق التعبير وأساليب القول. فقد كان الشعر العربي ديوان
العرب وما زال، مهما واجهه من تحديات.
*
من الذي يفرض ذاته النص أم الشاعر؟ ومن هو الناقد الحقيقي لنصك؟
- النص
الشعري يفرض نفسه على الشاعر الحقيقي، لأنَّ روح الشاعر لا تتعدى كونها
معملاً تلقائياً للنص الشعري، وليس لها أن تفرضه، ولكنها تنفعل به فيخرج
مُبدَعاً، فإذا فرض الشاعر نصاً شعرياً فإنه يكون مصنوعاً خارج الروح، وستبدو عليه
إمارات الصنعة.
أما الناقد الحقيقي لنصي فهو أنا، لأنني أول مَن يقرؤهُ بعد الإفاقة من
الغشيان، فربما رأيتُ فيه دنواً في المنزلة فأهمله ولا أنشره، وأحياناً أندهش
له وأعجب به وأبقى أسيره مدة ً من الزمن، ولكنني في الأحوال جميعاً أحتاج مثل
أي شاعر آخر إلى مَن يقرأ نصوصي ويربتُ على أكتافها.
*
يقول الشاعر مريد البرغوتي في" رأيت رام الله" إن من نقادنا من
يلبس طاقة
الخواجة، فهل قصد بقوله هذا أنهم يتبعون مدارس نقدية غربية بمعالجة النص
العربي؟ أم ان الناقد العربي يتأرجح بين تطبيق نظريات غربية بالنقد و تناول
النص بشكل يستعرض قدرته اللغوية على اكتشاف نقاط الضعف وإحباط الطرف الآخر؟
-
المقصود بهذا القول
أنَّ أغلب النقاد العرب المحدثين، واقعون تحت تأثير النقد الغربي، ويتتلمذون
على أيدي نقاده، ويقفون مبهوتين مبهورين في حضراتهم، وأمام أطروحاتهم وما
يصدر عنهم من آراء، حتى إذا كانت تلك الأطروحات وما فيها من آراء قديمة وقد
عفا عليها الزمن مثل نظرية الحداثة، وما يسمونه بـ "قصيدة النثر"، فهم
مرتبطون بما يُترجم إلى العربية ومتى يُترجَم، وهم يظنون في ذلك منتهى التقدم
والتطور والتحديث، حتى يندر أن نجدهم يلتفتون إلى آراء النقاد العرب وهم
يتحدثون عن الشعر العربي، فأصبح الشعر العربي على أيديهم غربياً وأصبح النقد
على أيديهم تبعاً لذلك غربياً.
*
النقد الأدبي لنص ما ..هل هو تناول ابجابي لنقاط يراها الناقد جديرة بأن تطرح
من أجل تطوير النص وإظهار جمالياته ، أم نقض النص برمته؟
- النقد
في الأصل تمييز الصحيح من المزيَّف من النقود، وكان يسمَّى الصرَّاف ناقداً،
لأنه خبير بمعرفة النقود الصحيحة من المزيفة، وهو لهذا السبب ينبغي له أن
ينظر في النقود، على حالتيها من الصحة والزيف، وانتقل المصطلح إلى الخبير في
تمييز صحة النص من زيفه، وهو معنيّ بالنظر في النصوص على حالتيها من الجودة
والرداءة، ولكن بشرط أن يكون النص منتمياً انتماءً حقيقياً إلى فنّه، فكما لا
يمكن أن نعرض على الصرّاف ورقة كرّاس عادية ً ليميزها، لا يمكن أيضاً أن نعرض
على الناقد خاطرة ً على أنها قصيدة ونطلب منه أن ينقدها.
*
بما أن الشعر فنّ من الفنون فإن الأذواق تتفق وتختلف في قراءة نصوص مختلفة،
من له الحكم القاطع على النصوص من حيث تميزها، أو عدم صلاحيتها للنشر؟ وعلى
أي أساس يتم تقويم النص؟
- مهما
اختلفت الأذواق، واختلافها شيء لابد منه، فإن للشعر خصائصه وأدواته وملامحه،
ويمكن لأية قصيدة أن تنال رضا القارئ أو عدمه استناداً إلى ذلك، كما يحتاج
الناشر، وهو قارئ محنَّك، إلى أن يحكم على القصيدة من حيث صلاحيتها للنشر،
إذا لم يكن لديه مستشارون يلجأ إليهم في مثل هذا الشأن، وصلاحية القصيدة
للنشر لا تعني بالضرورة الحكم على جودتها أو تميّزها، فمثل هذا الحكم متروك
للنقّاد بعد النشر.
*
كيف يستطيع الناقد أن يستشف عمق تجربة شاعر ٍ ما من خلال نص واحد من عدة
نصوص؟
- هناك
نصوص شعرية يستطيع الناقد أن يستشف من خلالها عمق تجربة الشاعر، وأول شيء
يتبدّى للناقد منها هو الإحكام، وأعني إحكام النص ليؤدي مهمته كقصيدة،
وإماراته الإيقاع الشعري وصحة استخدام اللغة، والإفادة من أفانين البلاغة،
والتخييل، وحسن التصوير، وبراعة التركيب وجمال التعابير، ثمَّ حسن التأتّي
للموضوع، وقدرته على التأثير في نفس القارئ، وهناك قضية مساعدة مهمة هي صدق
التجربة.
*
عندما يحلق الشاعر في عالم الإبداع يكون قد ختم علم العروض
والبحور بالاضافة إلى مخزون لغوي يستطيع من خلاله أن يستخدم أدواته بصلابة
وجرأة ،فهل من يبدأ بكتابة الشعر الحر والقصيدة النثرية لديه القدرة على
كتابة الشعر العمودي؟ وبغض النظر عن اتباع المدرسة الكلاكسية والتوجه إلى
الحداثة ..فهل ينجح الشاعر بتخطي الدراسة والتجربة فقط لكونه يملك موهبة
الشعر؟ وما أدواته التي يستخدمها؟
- إنَّ
مشكلة الجيل الجديد الذي تعلَّق بأسباب ما يسمونه بـ"قصيدة النثر" استسهالاً،
يعانون من ضيق في الثقافة العربية الأصيلة فيما يتعلق بالشعر العربي، وهم
يختصرون الموروث الشعري العربي الهائل، في الغالب، بما يفد علينا من الغرب عن
طريق الترجمة، ومن ذلك المعرفة بأوزان الشعر العربي. أما الشعراء الذين
ينظمون الشعر الحر فيمكن تصنيفهم صنفين: الأول هم أولئك الذين تتلمذوا على
أصالة الشعر العربي القديم وأدركوا أسراره ووقفوا على أوزانه وقوافيه، ونظموا
فيه، ثم انطلقوا منه إلى الشعر الحر باستخدام التفعيلة من خلال الأبحر
الصافية ذوات التفعيلة الواحدة، وبهذا هم متمكنون من كتابة النمطين: المقفى
والحر، وأما الصنف الثاني فهم أولئك الذين كان لهم مثل ذلك العلم بأصالة
الشعر وأدواته ولكنهم فضَّلوا التنعم بالحرية مباشرة ً، فلم ينظموا على
طريقة الشعر المقفى، ولكنهم أفادوا منه، وتدربوا عليه، وهؤلاء جميعاً من
الفريقين ساروا في الاتجاه الصحيح، وعليهم المعوَّل.
أما
الموهبة فليست بكافية ليكون المرء شاعراً، بل هناك الدربة والصقل والتثقيف
والتجربة، كما أن هذه الأخيرة دون الموهبة ليست بكافيةٍ لشاعر.
*هل
احتراق الشاعر ضرورة ملحة ليضىء النص؟ أم أن مصالحة الشاعر مع نفسه يطلق
لمشاعره العنان لكي يفجر تلك المشاعر ؟
- لا
تنضج القصيدة إلا على نار هائجة، لا هادئة، في نفس الشاعر، فإذا تصالح
الشاعر مع نفسه هدأت تلك النار، وضمرت القصيدة، أو ضعفتْ.
*
الأيروتيك في قصائدك تعود إلى رغبة ملحة لمَ يسمى إطلاق العنان أم منهج تحاول
به الابتعاد عن السياسة في شعرك؟ بمعنى هروب من واقع ترفضه فتميل إلى غرض
شعري آخر؟
-
الأيروتيك ليس مما تحتويه قصائدي، ولا هو من مناهجي في النظم، ولم أستخدم
شيئاً من الألفاظ الصريحة الخاصة بذلك، وربما ورد شيء من الإيحاء غير المباشر
أو الرمز في بعض قصيدة من قصائدي، ولستُ ممن يستسيغون الكتابة على طريقة بعض
الكتّاب، ولا أقول الشعراء، لأن أغلب ما كُتب في هذا الاتجاه جاء في الخواطر
التي يسمونها "قصائد نثر" أو "الشعر المنثور" أو "النثر المشعور"، ولا أدعو
لمثل هذا الاتجاه ولا أشجّع عليه، على الرغم من وجوده في التراث العربي
القديم.
أمّا
ما أجد نفسي فيه فهو شعر الغزل بالمرأة وإشهار العاطفة لها، وأنا منذ حييتُ
أنظر للمرأة بانبهار زائد، وأقدّسها وأُعلي من مقامها، ومازالت تدهشني، وما
زلتُ أراها مختصراً للجمال في الكون، ولذلك غصَّ شعري بالغزل بها والتغني
بجمالها منذ البدء وحتى الآن، وفيها كتبتُ أجمل قصائدي، وأرجو ألاّ أنطفئ!.ولا
شكَّ في أنني أجدُ في اللجوء إلى المرأة في شعري موطناً هانئاً للهرب.
*
هل ترتبط المرأة في قصائدك بالوطن أم أنهما سيان لا ينفصلان؟
- يمكن للمرأة أنْ
تكون وطناً للرجل إذا عزَّت الأوطان، ولكنها ستكون وطناً نفسانياً...ستكون
معادلاً موضوعياً له، وفيما عدا ذلك فلا علاقة للوطن بالمرأة، ولهذا فلم
أتحذلق في شعري وأربط بين المرأة والوطن، بل ربطتُ المرأة بكل شيء في هذا
الكون، وربما عددتها سراً له، أو منه، أو به، وربما عددتُها سري الأعظم.
*
"
قالوا عن الحب" ديوان ما زال قيد الطبع واُتهمت بالحب في قصائدك ، فما رؤيتك
لهذه العاطفة في واقع يكثر به العنف والحرب والارهاب؟
- هنا
جاءت المناسبة لأقول إنَّ ما يحدثُ في هذه الحياة من فظائع وجرائم ضد
الإنسانية بتفوّق، جدير بأنْ يُجابَه بفعلٍ قهّار، ولا يقهر البغض غير الحب،
ولا يقهر القبح غير الجمال، وقد حاولتُ أن أقهر ذينكَ بهذينِ. إنه هربٌ من
مشهد لا أقوى على احتمال الرؤية إليه، فما أحراني بالحب، وقد نشأتُ عليه
وترعرعتُ، وبالمرأة وقد نهلتُ من معين جمالها فما ارتويت!. وقد
تقبح كلّ التهم إلا الحب... يبقى هو الأجمل والأرقى في المجتمعات الإنسانية،
وتبقى النفوس تلاحق كلمة الغزل والتغنّي بالجمال دائماً وأبداً، فما أجدرني
بمثل هذه التهمة!.
*-
لماذا حجّم الشعراء المعاصرون القضايا الشعرية، فهي بمجملها إما رومانسية
ووجدانية أو وطنية وبأحسن الأحوال مديح لنظام سياسي معين أو ذمه...الإنسان هو القضية الكبرى لأي عمل فكري، فهل تحدث الدكتور مقداد عن النفس
البشرية في قصائده ومقالته الأدبية؟
- نعم
اعتنيت بالنفس البشرية وودتُ لها أن تنعم بالحرية والسلامة والرخاء
والاستقرار والمساواة والحب، وكان هذا بارزاً في ديواني الثاني "لا شيء سوى
الحب" الذي صدر في العام 1980 وكتبت قصائده بين عامي 1976و1979، وفي بعضها
رفض للحرب والعنف والقسوة والتخلف والتمييز في العالم كله، وبُعيد صدوره
(1980) غرق بلدي (العراق) في حرب طاحنة بدأتْ ولم تنته بعد. وفي ديواني
الثالث "ليلة شهزراد الأخيرة" تناولت قضية الإنسان في الحرية والديموقراطية
في الأوطان، وحرية التعبير للكاتب والشاعر، كما تناولتُ هناك وهنا تأملات
الإنسان ومواقفه من الموت والحياة، ومواقف من التاريخ الإنساني.
ومن ذلك قصيدتي "السفر إلى عالم آخر" وهي من قصائد "لا شيء سوى الحب" وتاريخ
نظمها هو 20-6-1977، وهي قصيدة مدوَّرة:
-1-
سافرتُ إلى أرضٍ
أخرى يحملني حلمٌ بالسفر الدائم في غور الأكوانِ وحولَ الأكوانِ، وكان طريقي
مزدحماً بين الأرضين الأخرى.. داهمني ذاك العالمُ.. تلك الأرضُ وأهلُ الأرضِ
المجهولونْ.
نمتُ صحوتُ ونمتُ
وأدركتُ اللحظاتِ وسرتُ طويلاً ما تعبتْ قدمايَ...نظرتُ كثيراً ما وهنتْ
عيناي... سمعتُ كثيراً ما ملّت أذنايَ، وفكّرتُ قليلاً فإذا مضطربٌ يملؤني
تعبي.
تلك الليلة َ ما
نامت عيناي وكانت عينايَ تفرّانِ تغوصانِ تهيمانِ وكانتْ تملؤني الأفكارْ
أخطأتُ الأبوابَ
وفتح الأبوابِ وأخطأتُ الدربَ الضائي كالشهبِ الليليةِ... في الأرض الأخرى
أخطأتُ الكلماتْ
أهو العالمُ مسحورٌ
أم أنّي مسحورٌ.. أم أنّي أحلمُ والنومُ عميقٌ كالبحرِ عميقْ؟!
-2-
راقصتُ فتاة ً من
أرضٍ أخرى بعد حديثٍ دامَ سويعاتٍ، في حفلٍ كانَ يغصُّ بأُنس الأغرابِ
وبالسحر وبالأحبابْ
قالتْ وأصابعها نحوي
تمتدُّ إشاراتٍ عذراء:
- هذا من أهل الأرض
ِ يحلُّ غريباً يا أصحابْ
كنتُ المبهورَ
المسحورَ وعينايَ تفرّان تغوصان ِ تهيمان ِ، فقالتْ:
- ما
بكَ ؟
قلتُ الأفكارُ،
فقالتْ-
أصغيرٌ أنتَ عليها؟ قمْ نرقصْ.
عانقتُ فتاتي منفعلاً..كفٌّ في كفٍّ، كتفٌ يشتاقُ إلى كتِفٍ.. عينان ِ
تغورانْ.
المرقصُ كان خيالياً، وفتاتي بعض خيال، والعالم ذاك المسحورُ خيالٌ لا
يفهمهُ أهلُ الأرض لدينا، لا يفهمه رجل
مثلي ما زال صغيراً كالقشةِ تحملها أمواجُ البحر الهائج ليلاً والريحُ تدورُ
تدورْ.
قالتْ:
- حتّى لاتعرفُ أنْ ترقصَ يا هذا !، قلتُ:المرقصُ هذا مضطربٌ ، ولعلَّ
الشيطانَ، فقالت لا أعرفُ ما الشيطانْ!
-
آهٍ حتى لا تعرفُ أنْ ترقصَ يا هذا !، ماذا في الأرض تُجيدون؟!، فقلتُ:
الحربَ، الحقدَ، الخوفَ، وأشباهاً أخرى.
قالتْ:-أيخونُ الناسُ هناكَ؟!، فقلتُ: يخونونَ، فقالتْ مجنونٌ أنتَ وأهلك
مجنونونَ، فليس لدينا أشياءٌ أنتَ تردّدها جئتَ بها من أهلكَ –أهل الأرض-:
الحربُ، الحقدُ، الخوفُ، الشيطان الملعونْ
-
مجنونٌ أنتَ وأهلكَ مجنونونْ.
-3-
في ذاك العالمُ ليسَ
الحبُّ الحبَّ كما نفهمُ، ليس الكُرهُ الكرهَ، وليس الأشياءُ الأشياءْ.
كلُّ الأشياء هناك
مزيجٌ من عمقِ الإنسان ِ الإنسان ِ، وكل الأشياء نقاء
(لاشيء
سوى الحب ص95-99.)
  
ومما
تضمنته مجموعتي الشعرية الأخيرة: "ليلة شهرزاد الأخيرة" عدد من القصائد
تجاوزت الذات إلى الذات الإنسانية، ومنها قصيدة "أوراق في المنفي" "ليلة
شهرزاد الأخيرة"و"مكابدات علاء الدين"وكذلك قصيدتي"وطن" و
"القرية
الفاضلة"،"محاكمة طارق بن زياد" و "إعدام الشيخ":
القاتلُ والمقتولُ على حَقٍّ،
فالشيخُ مَضَى يبحثُ
عَنْ
بَغلتِهِ
يَتجاوزُ في ما يَسعَى
مَنْعَ
التجوالْ
والحَـجَّاجُ يُريدُ البَيْعةَ
مِنْ كلِّ بِقاعِ الأرضِ،
على حَدِّ السَّيفِ،
ويَأبَى
الإخْلالْ
مِنْ غيرِ
جِدالْ
إكراماً....
وصَلاحاً للأُمَّهْ
!
26-11-1996

ومن
قصائدي الجديدة
1- الوطن :
نهرٌ يمشي فيه الزورقُ..
باطمئنانْ

2- القانون:
مختلفانِ ولكنْ...
متفقانْ

3- العالَم :
يمشي في الشارعِ
عرياناً
مِن غير هويّـهْ

4- الليل:
أربعُ ساعاتٍ
مُسرعةٍ
وقَـمَـرْ

5- أنــا:
محفوفٌ بالدهشـهْ

6- هِـيَ :
رعشـتُها
وأنا صاحٍ للتوِّ
مِن الإغماءْ
7- أحلامي:
ليستْ أحلاماً
*
ما تعقيبك على:
اهتمامك بالشعر الاندلسي يعود إلى----عذوبته
هناك
من يبحث عن نص وقضية ليبحر في زورقه الشعري ، وهناك من يبحث عن الانتشار على
حساب مسؤولية الكلمة----
فهو سرعان ما سيغرق.
الشعر
العربي بالمهجر ينقصه----
التوجيه الحقيقي والنقد الذاتي
الشاعر
العربي المعاصر يهتم----
بالشهرة
على حساب الأصالة أحياناً، وبما يسمّى بالحداثة غالباً.
الأدوات المعرفية للشاعر تعطي النص----روحاً
وعمقاً
*
ما
رأيك بالقصيدة النثرية واستحضار مفردات غربية في نص عربي؟
- لا
أعترض على المفردات الأجنبية في النص إذا كانت وافية الدلالة ومتفقاً على
دلالتها ومعرَّبة، وقد وردت مفردات أجنبية كثيرة في النصوص الأدبية والشعرية
بشكل خاص في العصور القديمة المختلفة، ولكنني أعترض على الخلط في التسمية
والاصطلاح، فهناك تناقض في نسبة الشعر إلى النثر: "القصيدة النثرية"، فهي إما
شعر أو نثر، ولا أرى داعياً لإضفاء مصطلح الشعر على النثر لما في ذلك من
إضرار في توصيف الأنواع الأدبية.
*
زاولت مهنة التدريس في العراق وليبيا، وتعمل حاليا أستاذا في
جامعة غوتنبرغ والجامعة الشعبية في السويد.
فما هي
الفرو قات في مناهج التعليم بين الدول العربية والسويد؟
- هناك فرو قات كثيرة، من
أهمها مصادر المعلومات، فالمعلومات هنا في السويد تتعدد لتشمل شبكة الانترنيت
والتجربة الذاتية التطبيقية، وأخذ المعلومات من مصادرها غير المكتوبة، والعمل
في الدرس على شكل مجاميع،
واعتماد لغة
أخرى غير السويدية، وذلك يعتمد على الاختصاص نفسه، ومنها التخصص الدقيق،
وتقسيم الدراسة على مستويات، والعمل الذاتي غير الصفّي من قبل الطلاّب، وبذلك
هم يعملون في بيوتهم ويتخاطبون مع أساتذتهم عبر الإنترنيت، ومن خلاله يبعثون
بنتائج أعمالهم وجهودهم إلى أقسامهم العلمية وأساتذتهم، ومنها توفر وسائل
الدرس وأدوات العمل كافة، وغير ذلك.
*
الى ماذا يطمح الدكتور مقداد رحيم على الصعيد الشخصي كشاعر وناقد ثم الأدبي
بشكل عام؟
- أن
أتمكن من طبع مؤلفاتي دون تأخير، وأن ينتهي عصر استغلال الكاتب والمبدع من
قبل دور النشر، ولن يتم هذا إلاّ بتدخل المؤسسات الثقافية في الحكومات
العربية جميعاً، وعنداك سأتحفز إلى تحقيق أحلامي في إنجاز مشاريعي العلمية
والأدبية وهي كثيرة.
أما على الصعيد الأدبي العام، فـأتمنى أنْ ينتبه الجيل الجديد من الأدباء
وخاصة الشعراء إلى الأصالة العربية، وأّلا ينساقوا وراء بهرجة العولمة
والنزعات الغربية، والأطروحات الأجنبية المستوردة، وأتمنى أن يحافظوا على
هيبة الشعر العربي وخصائصه المميزة الرائعة، وأنْ يشيع التثقف بالتراث العربي
قبل التوجه إلى الثقافة الغربية، أو بكليهما معاً دون أن تكون الغلبة للثقافة
الغربية على الثقافة العربية.
كما
أتمنى أن يكون الكتاب العربي في متناول الجميع من خلال دعمه من قبل المؤسسات
الثقافية الرسمية، فهو أهم من الزاد، لأنه السبيل إليه!. وما يُقال عن الكتاب
يقال عن الدوريات الثقافية، فليس من المعقول أن ننظر إلى الماضي ونتألم على
ما انحسر منها، وليس من المعقول أن تكون المجلة قبل ثلاثة أجيال أفضل منها
اليوم!.
* ما
الرسالة التي تود أن توجهها إلى مراكز الأبحاث اللغوية والمؤسسات الثقافية في
الوطن العربي كأديب بالمهجر؟
- أدعو هذه
المراكز والمؤسسات إلى اهتمامٍ معقول بالمبدعين العرب في المهاجر بقدر اهتمام
الحكومات المضيفة بهم وهي غربية. وأقترح تشكيل لجانٍ علمية وثقافية
متخصصة مخلصة تعمل في إطار دولي تتابع نتاج المبدعين وتنظم له محافل
ومؤتمرات ومهرجانات دورية تقوم على أساس إظهار ذلك الإبداع وإجزال
المكافأة لهم، ثم نشره... إذا فعلتْ ذلك فإنها ستضع أيديها على بحرٍ من
الإبداع ليس له قرار، وليس من الحكمة في شيء أن يضيع أغلبه.
|