|
فصول من رواية مندل
رائحة خضراء
كلما عاد شاب على
أكف الرجال، زادت مساحة الخضرة في عينيها ..
تنتظر الحسن هبوط الليل كي تمتطي صهوة أنوثتها، وتلج كهف جاذبيتها الذي تتعرق
له الجدران .
بعد أن تفتح الشمس أذرعها للجهة الأخرى من الأرض، تقفل الحسن بابها، تسد شقوق
النوافذ ، وتخلع عنها النهار الفاضح، لتتسلل إلى حجرات الليل المربكة. ترخي
شعرها ذي اللون الترابي على كتفين منحوتين من أول إطلالة للنهار، ترتب جسدها
على كرسي صغير أمام مرآة دائرية، لتنظر بعينين تتوسطهما دائرتان اشتقتا من
روح اللوز وكُحّلتا بخلاصة العشب حين يسكر بلونه في عناقه مع المطر، وشفتان
رسمتا بشقائق النعمان وهو يقبل خصر غابة الدفلى …
كل ليل ، تتفقد الحسن خلاياها وتمجّدها، هذا بحر يمتد من تكسر الموج حتى قمة
جبل شاب ، وهاتان هضبتان متحفزتان لأكف الغيم، وهذه دائرة تتجمع فيها أسرار
ملوك السحرة، وهذا صوت يترنم بنغم القلب الولهان، وهنا عشب لم يمسسه بشر،
وأشجار تملكها العصافير والأرانب البرية.
الحسن تكبر في معناها، في صورتها التي تجمع أشكالها وملامحها من أحلامها
اليقظة، تكبر حد التلاشي، فتدرك أنها ليست للضياع، فتتمسك بها، تمسّد نعومتها
وتهدهد تألقها وتتحصن بها كسرٍ من أسرارها المقدسة، شفافية لا تتناغم إلا مع
الضوء، وألوان طيفها لا تتوحد إلا مع صورتها ، ومع رجل يشكل وهج انتظارها،
موقنة من ظهور أهلَّته في اللحظة التي تصنعها، تنتظره بِوَلَه. أرسلته إلى
موته، شهادته، أو رقصه الأول أو الأخير، ذلك شرطها ، أن يدجج روحه بالماء حين
يهددها الحريق جاءها شاب في ليلة صيفية،قال لها : أنا قادم إليك من تكاثر
السنابل في البيادر..
سرَّحت بعض همها : رأيت الجراد يقضم القمح من أفواه الصغار..
كان القمر يرسل الحياة للأرض ..
وَعَدَها: لك الخضرة يا سيدة الأقمار الذهبية، صغارك كريات دمي الحمراء في
عروقي . . وغادرها في ليلة شتوية: سأعيد القمح خبزا ساخنا كي تكبر في سهلك
السنابل ..
لم تعانقه، لم يقبّل يدها، التزمت شموخ السرو وكبرياء الجميز ، ألبست وجهها
وجهه، تشبّع بجاذبيتها وسكن دوارها ، وامتطى عاصفتها، وغاب . . .
الحسن امرأة لها الضوء الناصع في الليل، ترمي سواد الخارج خلف ذاكرتها، كأنها
لا تسكن ذلك المكان ليلا، فكل من يحيطها ينبش الذاكرة، وهي تغازل الفرسان
القادمين من عمق السراب بعينين عشبيتين وقلب ماطر، لا تأبه لمنازلها المتّشحة
نهارا بعباءات العتمة، كأنها قُدت من بئر الليل بعد خطيئة ارتكبتها المذنبات.
منازل تتشبث جدرانها بالأرض، تعيش عذابها في لونها، الذي يسكن كل من يراها أو
يزورها بسرعة خروج الروح، تسحبه بقوة الثقوب السوداء في مجاهل السماء، ولا
يملك إلا أن يستسلم لقوة الاحتواء، كأنها الأبدية، أو كأنها القدر الذي لا
مفر من مواجهته، ولكن لا مواجهة حقيقية تحدث، من يصطدم بها يطيع فقط ، تدخل
من عينيه وتسير في مجراه التنفسي، فتلون رئتيه وتتسلل إلى قلبه وتتفشى مع دمه
في أنحاء جسده، فتتلبسه لعنة المقام، ويرضخ للصوت المنبعث من مسامات المقيم.
والحسن واثقة من أنها سبب ذلك الأسر، جاذبيتها المدهشة ليلا تسحب الرجال من
عيونهم، تشدهم من ضلوع صدورهم، تعبأ رئاتهم بهوس أنثى تفوق الجسد المجنون
وتتعالى على فكرة المرأة.
الحسن لا تقول شيئا، هي امرأة ترى كل ما يدور في البيوت دون أن تكون بين
أهلها، ترسل عينيها مع عصافير الدوري والحمام الأبيض، وتشم الغرباء قبل أن
تقودهم أقدارهم إلى الدائرة السوداء التي باتت قرية.
لم يدخل الدائرة غريب إلا وخرج منها هائما على وجهه، يرتل أو يغني أو يقهقه
أو يرقص أو يصرخ أو يلعن أو يحدث نفسه دون أن يقابل الحسن، لكنه دائم النظر
إلى السماء، كأنه استنفذ كل حواراته الدنيوية. يتركها خلفه دون أن تكون في
ذاكرته بشكلها، يتركها وجوهرها حاضر في جمجمته جحافل من علامات التعجب
والاستفهام، يتركها ويود لو لم يفعل، يتمنى لو تداخل في جدرانها وسقوفها
ورائحتها.. لو صلب على أسوارها كي لا يحيا بذنبها، تلك الأسوار التي تقف
شاهدة على لعنة مرت واستوطنت وصبغت المكان بروحها الداكنة، يتمنى لو تحول إلى
حبل غسيل يعلق قاطنوها ذاكرتهم عليه، لكنه يغادر دون إرادته، وفي دمه صرخات
تأمره أن يأتي بمعجزة، كأن يفجر روحه في المساحات الراكدة، كأن ينطلق كشهاب
غاضب يحرث الأرض بالحرائق، كأن ينفخ جلد التربة بالنار، كأن يتسلل إلى أحشاء
المضارب الوثيرة ويفتت أمعاءها بأسنانه.. لكن المعجزة لا تحدث، وفي معظم
الأحيان، بعد يوم أو يومين أو أكثر أو أقل من مغادرته، تنبح الكلاب في الليل
نواحا، فيعلم قاطنو كتل العتمة بعودته، ينهض الرجال والنساء الأطفال باستثناء
الحسن، يتحركون بثقل وصمت شديدين، يسيرون باتجاه أطراف البيوت ونواح الكلاب،
يأخذون معهم حمالة الموتى ، يحملها ستة صبيان، ويعودون بصاحب المعجزة
الفاشلة، يجدونه كما وجدوا من سبقه، فاتحا فمه على آخره، متشنج الأطراف،
منفجر العروق، جاحظ العينين، فيملئون فمه بالقطن الأسود ويغطون عينيه بورقتي
زيتون، يليّنون أطرافه ما استطاعوا، ويدفنونه في المكان الذي سرقت منه روحه،
في اللحظة التي اصطدمت عيناه بالبيوت، ويضعون على قبره حجرا أسود، يضاف إلى
الحجارة الكثيرة التي انتشرت حول المكان، ثم يعودون بصمت آلهة الحزن، يعرفون
طريقهم إلى حجرات الليل..
عندما يستبد السكون بالحركة، تغادر الحسن بيتها، تسير كملكة الليل باتجاه
المقام الجديد، تعرفه من رائحته الطازجة، ومن رفرفة روحه حول الحجر الأسود،
تمسح بيدها على سطحه، فتنبت شجيرة زيتون عليها سبع حبات، تمضغ حبة ، فيزداد
لون عينيها خضرة وبريقا ربيعيا، وتعود إلى حجرتها، تتبعها رائحة الزيتون
المرصوص خلفها لتتسلل إلى البيوت..
استغرب السكان في بادىء الأمر، لكنهم باتوا ينتظرون الرائحة كلما عاد عائد،
غادر مهووسا برسم منقوش على روحه، لا يعلمه سواه.
رائحة سوداء
لا أحد من خارج
البيوت التي شكلت قرية صغيرة، يجرؤ على التفكير بدخولها ليلا، فهو ضائع لا
محالة، مصطدم بالجدار الأخير للعالم، باللارؤية، بالعمى، مسلوب القوى والروح
والعقل. لا شيء غير طبيعي يحدث في الليل غير ما تفعله الحسن بجسدها وروحها،
لا شيء غريب يسكن القرية، لا أرواح شريرة، لا سحرة، لكن سكان القرية يفتحون
ذاكراتهم ويقرؤون، يفتحون الفضاء البعيد ويحلمون ..
و في النهار، يجرؤ البعض على الدخول ليرى ملك الألوان يتنزه باستبدادية
مطلقة، ينشر سواده على حبال الغسيل، على الثياب الخارجية والداخلية، على
الأحذية ، على المراييل والحقائب المدرسية، على الأزهار والأشجار والأعشاب،
على الصخور، على ملابس الرجال والنساء والأطفال، على ألعاب الصغار، على أواني
الطبخ والجرار والأباريق والأكواب، على الشراشف والأغطية . لكن الأبيض أيضا
سيد ينازع ملك الألوان، فقد استطاع أن يغزو شعور الرجال والشباب والأولاد،
وشعور النساء والفتيات. ولا يكتفي بشعور الرؤوس أو الأجساد ولكنه يزحف إلى
الرموش والحواجب واللحى وشعور وجلود وريش الحيوانات والطيور، حتى أن المواليد
يأتون إلى الدنيا بشعور بيضاء، هنا فقط يمكن رؤية ألوان الكلاب والقطط
والدواجن والطيور والعصافير متشابهة في بياضها، لتنسجم مع جدران وسقوف البيوت
الداخلية، التي تظهر كحنايا اللؤلؤ .
يتساوى الزمن في القرية السوداء، لا أحد يسأل عن عمره، لا أحد يتذكر يوم
ميلاده، لا أعياد ميلاد، لا أعياد البتة، لا أفراح لا أعراس، يسكنهم مشهد
واحد، مشهد تجريد جلودهم من الطين الدافئ، وانفصال أطرافهم عن أغصان الأشجار،
وفصل دمائهم عن مياه آبارهم، وشفط هواء السماء من رئاتهم، وانتزاع الغناء من
حناجرهم، لا ذاكرة سوى ما يوصل الجسد إلى عناصره، والروح إلى أريج الفجر وهو
يحمل رائحة الريحان إلى الوجوه .
الحسن وحدها تصوغ الألق من الأرق، تستيقظ عند الفجر فيصحو الرجال، توحي إليهم
بالذهاب إلى البساتين لريَّها، وإلى الأشجار لقطف ثمارها، دون أن يعلموا منبع
الوحي، تتنقل بينهم باعتيادية، لكنها عندما تمر بهم تسكرهم رائحة التراب
وينتعش المكان.
يقول الملاّك أن أيادي هؤلاء العمال الغرباء مبروكة، فمنذ لحظة تواجدهم
والسيد الأخضر يتمدد بلذة تمدد امرأة على سجادة العشق، والأشجار لا تموت،
يفسر البعض أن الخضرة ناتجة عن تلك الرائحة التي تنتشر بعد دفن كل عائد من
معجزته الفاشلة، والحسن تنفي ذلك، وتستشهد بقول حكيم كان يقطن بينهم حين قال"
الخضرة في أرواح الغرباء إلى يوم الدين". أرواحهم الطازجة الحانية المرفرفة
الرقراقة العاشقة المشتاقة الهائمة، تؤثر في خصوبة التربة ونقاء الهواء وأشعة
الشمس وعذوبة الماء، فتصعد الخضرة من العمق متألقة، استجابة لارتعاش القلوب
التواقة للأرحام .. تنتشر الخضرة، بينما كتل السواد تتوالد حولهم ..
لا يعلم أحد كيف اتخذت البيوت أشكال القباب، لا أحد يسأل عن تشابهها في اللون
والحجم والشكل والرائحة. والناظر إليها من مرتفع يجدها كشامة على خد الأرض،
ويراها ناظر آخر نقطة سوداء في جبين البياض، ويراها ناظر ثالث قبلة الموت على
الأرض المؤقتة، بينما لا يراها سكانها، لا يصعدون الشواهق ولا يحلقون مع
الطيور، ولا أرواح لديهم للتنزه في الجبال، وإذا ما صعدت نساؤها مرتفعا لجمع
أعشاب صالحة للطهي فإنهن يتحاشين النظر إلى أسفل، كي لا تذكرهن الدائرة
السوداء بظلمات أرحامهن، كلما امتلأت اتسعت، وكلما اتسعت ضاعت، وزاد طغيان
السواد وتضخم إحساس الناس بالسخرية المرة، التي تنفجر بين فترة وأخرى.
كل شيء قابل للضحك والبكاء، حتى الرجال الكبار يتندرون على بعضهم بعضا، ويصل
التندر إلى خصوصيات دقيقة للغاية، كادعاء أبو حسين قدرته على مضاجعة زوجته
التي تصغره بعشرين سنة، ولكنه يهرب منها إلى غرفته ذات السقف المنخفض، والتي
بناها بيديه ، ودهن جدرانها الخارجية والداخلية بالأسود، كي يستثير أصحابه
المبروكين الذين يزورونه ليلا، أو يتندرون على حكايات أبو رائف وهو يستمع
لمذياع قديم عبث به ليلتقط محطات العالم، أو "أبو إبراهيم" الذي يحدث
العفاريت والجن، أو على المختار الذي يكتب باستمرار ويهدد زوجته بالسحل إن
سوَّلت لها نفسها بالاطلاع على ما يكتب، أما أبو الأمين فلا أحد يتناوله سوى
عيون الأطفال، ينظرون إلى كرشه البارز أمامه بصلابة ..
كلام عادي وضحك غير عادي، فصول السنة رتيبة سوى الشتاء الذي يقرب الذكور من
الإناث، ويزيد من عزلة الوحيدين والوحيدات، باستثناء الحُسْن التي يزدحم
بيتها بالكلام الغريب العجيب، كلام تنطقه وآخر يتجول في أنحاء البيت، وفي
حجرتها التي تشهد أسرارها، حوارات هامسة وأغنيات منسابة وتراتيل وتجويد
وأناشيد وتمايل أطياف، وعزلة الحسن الكبيرة تداهمها في النهار، حين ينكسر
قلبها للسواد المحتل لكل تفاصيل البيوت، تتنقل من مساحة إلى أخرى بخطوات
امرأة مأخوذة بالحلم القادم، حلم الحسن في أن ينبت لها جناحان أبيضان يعكسان
أشعة الشمس وذهب القمر، لتقبل أسرار الآبار المرصودة، وأيادي الرعاة الذين
يعانقون السهول بناياتهم وأراغيلهم .
الحسن لا تحدث أحدا إلا قليلا، وإن حدثها عابر لا تسمعه أحيانا، أو تجيب
بكلمات مختلفات عن سياق الحديث. الحسن تحولت إلى علامة استفهام وعلامات تعجب،
يتذكرها قاطنو القرية كلما عاد فاشل من معجزته، أو كلما سمعوا عن شاب استعد
للموت من أجلها، وغالبا ما يكون الشاب من سكان القرية. الحسن هي من يكشف مرور
الزمن، الناس لا يعرفون أن أبناءهم كبروا وأصبحوا رجالا يناطحون الصخور
السوداء، إلا بعد أن يغيب أحدهم ليعود ملفوفا بقطعة قماش سوداء، ورغم هذا،
يكبر عشق الحسن في الخلايا، وهي كما هي، لا تمر السنون على ملامحها، بل تزداد
في كل يوم تألقا وحيوية
الليلة الأخيرة
" الحسن" هاجس يسكن
الرجال والنساء، وصورة تحتل مخيلاتهم، ومعنى يتداخل مع كلماتهم، أما بالنسبة
لأبي الأمين فهي مخلوق فوق العادة، فيها من السماء اتساع تأملاتها، ومن الأرض
أسرار رصدها، وفيها من الاثنتين تجوال الأرواح صعودا وهبوطا. هي إجابات بلا
أسئلة، تقدم نفسها كما هي، وهي أسئلة تحمل اطمئنانا.
لا يزال أبو الأمين يذكر آخر رجاء من زوجته ذلك المساء : " اعتذر من ضيوفك
هذه الليلة، وادع الحسن، بي رغبة لرائحتها، ونظراتها، وصوتها. "
كان لزوجة أبي الأمين ما طلبت، وتحمّل الزوج تعليقات ضيوفه الأصدقاء، الذين
اعتادوا التجمع كل مساء في ديوانيته الصغيرة، تقبّل كل المشاكسات من أجل عيون
أمونة. دعا الحسن بنفسه فلبَّت، لكنها اشترطت عدم البقاء طويلا، " كي لا أفسد
تجمعكما، أحبكما عندما تتجمعان" كما اشترطت مشاركة الأمين لهما في الجلسة، ما
زاد من الحسن تألقا في داخله، إلى ما يشبه مرتبة القداسة.
وكما يكتشف الناس نضوج أبنائهم بعد عودتهم من معجزة فاشلة، اكتشف الأمين ذلك
المساء مقدار حبه لأمونة،بل عشقه لها حد الجنون، في ذلك العمر الذي تجاوز
الستين، فقد اختفت السنوات الطويلة خلال دقائق، ومعها آثارها على الوجوه
والعروق . الحسن: ما أجملك يا خالتي، أراك عروسا ستزف إلى فارسها هذا المساء،
ليحفظ لك الله نضارتك، وليبق قلبك أخضر كحبة زيتون..
ردت أمونة بمحبة طاغية: " الحسن يا ابنتي، اشتقت أن يمتلأ البيت برائحة
الريحان والزيزفون وفل الأسوار وعناقيد الياسمين، وأكثر من هذا كله، أن تتشبع
رئتي وفراش البيت والثياب والجدران برائحة التين والزيتون، لهذا دعوتك، أريد
أن يتخفف أبو الأمين أيضا من أثقال الحزن، أعلم أن قلبه الآن مفعم بالفرح ،
كالأطفال .. "
كان وجه أبو الأمين ينطق بشاشة وأملا وخجلا، وبداخله شاب تتقافز روحه كأوراق
شجرة ملتذة بالمطر، لم يقل كلمة واحدة، ولم يزد الحوار عن تلك الكلمات،
وغادرت الحسن إلى منزلها بعد أن عانقت أمونة عناقا دافئا ..
عادت أمونة إلى فرشتها، مددت ساقيها بانتعاش، أخذت نفسا طويلا، ارتفع له
صدرها ببطء وهبط وببطء، نظر إليها أبو الأمين، تأمل وجهها المكتسي نضارة
طارئة، تأمل وجهها كثيرا، توالدت الصور حتى تمثلت أمامه أمونة العروس، استعاد
لحظةً مرت عليها أربعون سنة، أمونة، صاحبة العينين المتألقتين بكحل ساحر،
وشفتين مرتجفتين من لحظة الخجل، وشعرها الطويل المنساب على ظهرها وكتفيها
وصدرها الصلب الممتلئ ، وذراعيها العاريين، نهض شاب قوي البنية، كبير الرأس،
مفتول الشارب، رق أمامها ولان، وانطلق ينفخ في نايه موسيقى الرعاة أول
الربيع، و كراقص غجري طرب بفتاة معجونة بالعطور والبخور، يعزف على أوتارها
أغنية تطاول السرو وتدفق النهر، وهديل الحمام، ذلك شاب مهووس بأمونة، وتلك
امرأة تكسر خجل الفلاحة شيئا فشيئا، وذلك ليل فرح بتوحد اثنين يخترقان قانون
الزمن، ويفتحان فجوة في جدار العمر المغطى بطبقات من التعب والهم والحزن .
واستراحا.. كتمدد النسيم في حضن الوادي، ينظران إلى الأعلى، وعيناهما تخترقان
السقف المعدني لمعانقة النجوم، فيلتقطان وجه الحسن المضاء بدفء الشهب..
_ لو كنت أعلم أن الحسن ستفعل بنا هذا لدعوتها منذ سنوات يا أمونة .. "
لم تجب أمونة، طبع الأمين قبلة على شفتيها الدافئتين وتمدد على ظهره ..
وغط في النوم سريعا، كانت كفه تعانق كف أمونة، ورأى فيما يراه النائم، أنه
يمتطي حصانا أبيض، يطوي مسافات طويلة، ينطلق عبر دروب جبلية، لم يكن يعلم
وجهته، صورة أمونة كانت أمامه، يطارد وجهها الذي لم يصله، كلما اقترب منه
ابتعد، وظل يلكز حصانه والوجه آخذ في الابتعاد حتى اختفى، وعندها توقف، شعر
أنه كان يركب حصانا طائرا بدأ يهبط بسرعة، وصل الأرض وظل يهبط في التراب
فاستفاق..
- " خير والصلاة على النبي، لا إله إلا الله، محمد رسول الله، ربنا اعطنا خير
ما رأيت"
نهض الأمين، حضّر القهوة كعادته، ناداها كما يناديها كل صباح: ( يا أمونة )،
لكنها لم تجبه كما تفعل كل صباح: ( صباح الخير يا مختار..) مشى إلى غرفتها
وهو يناديها :
( أمونة، الشمس وصلت رأسك يا كسلانة، والله عندما كنت عروسا لم تتأخري في
النوم إلى هذه الساعة، انهضي يا عروس القرية، القهوة في انتظارك، أطيب قهوة
لأطيب أمونة .. )
جلس عند قدميها، مرر رؤوس أصابع يده اليمنى على أسفل قدميها حتى تفز ضاحكة،
لكنها لم تتحرك، شعر كأنه لمس خشبة، رغم ذلك، كرر حركته ،لم تساور أبـا
الأمين أي ظنـــون، كان قد انتهى من لف سيجارة الصباح، قرّبها من فمه ليمرر
رأس لسانه على أطراف ورقتها الناعمة، لكنه في تلك اللحظة، تنبه إلى برودة قدم
أم الأمين، سقط قلبه في ساقيه، ألقى السيجارة جانبا بهدوء ممزوج بتوقع كارثة،
حرك قدم أم الأمين فلم تستجب، زحف على ركبتيه كطفل حتى وصل رأسها، قرّب كفه
من أنفها، قرب وجهه من وجهها، كشف اللحاف عن نصفها العلوي، وضع رأسه على
صدرها وقلبه يتطاير رعبا وظنونا سوداء، لم تتحرك ، احتضن أبو الأمين رأس
أمونة، وشعر كم هي جميلة وحنونة ودافئة، وبحب جارف نحوها.. قدم رجاءه الأخير
لوجهها وناشد عينيها، لكن دمعة العجوز سقطت على رفيقة دربه، بدأ يمسح بيده
على جبينها وفوديها وخديها، بدأ يناجيها ويعاتبها ويحدثها في صمت ثقيل: (
لماذا اخترت الصباح للرحيل، لم تأت الفراشات بعد لتقبيلك ، لماذا اخترت
الصباح لتزرعي في روحي شجرة البكاء، أنا وحيد يا أمونة، والله وحيد، أنت
كلامي وضحكتي وقهوتي الصباحية، وأنت لحافي في الشتاء، ووجهي الذي أنظر فيه كل
صباح ومساء، وكلما تعبت… هل تدركين حقا ما فعلت؟ هل أغضبتك بشيء؟ هل أصبحت
ثقيلا عليك فغادرت مسكني؟ تريدين أن أتوقف عن التدخين؟ ملعون أبو السجائر،
تريدين أن نسهر سويا كل ليلة؟ منذ الليلة لن أستقبل أي رجل من قرية المجانين
، تريدين أن أموت بدلا عنك؟ انهضي، أموت، والله أموت يا أمونة، تريدين أن
أساعدك في الطبخ؟ أساعدك ، بل أطبخ بدلا عنك ، ارتاحي أنت يا حبيبتي، طبخت
لأكثر من أربعين سنة، ما أطيب طعامك يا أمونة، ماذا سأقول لأقاربي عندما
نعود؟ سيسألون عنك، سيقولون أين عصفورة الصباح، وسيدة البلابل الجميلة،
سيقولون أين صديقتك يا أبو الأمين، دفنتها هنالك وعدت يا قاسي القلب ؟ )
لم تجب أمونة، كانت ملامح وجهها تزداد استرخاء، فأدرك أبو الأمين أنه مودعها
لا محالة، لكنه لم يعترف أنه أصبح غريبا عن أمونة، فقرب شفتيه الصغيرتين من
جبينها وقبلها، واحتضن وجهها من جديد، وبكى بصوت عال، نشج حتى اهتز بدنه ..
وضع رأسها بهدوء على الوسادة، غطى وجهها ، وألقى رأسه على صدرها ، ودموعه
تسيل من عينيه المغمضتين.
رأس أبو الأمين يثقل ، جسده يتراخى .. فتح عينيه محاولا التغلب على التلاشي،
كانت الحسن أمامه، تتأمل في معاني
الفراق، وصور الانكسار في عينيه، تحول إلى طفل ضعيف يتيم ضائع خائف، اقتربت
الحسن منه، حضنت رأسه، بكى بحرقة: " لم يبق لي أحد يا ابنتي .. "
ترك الأمين رأسه يستريح على صدر الحسن، تسللت إلى أنفه رائحة أمه ، وإلى وجهه
دفؤها، فاستكان وهجع ، وزاد التصاقه بها، وسكنته رائحة التراب الدافئ ..
- هون عليك ، لقد قلتها، ابنتك معك ، وستبقى معك .. غادر الغرفة يا أبي،
النساء قادمات، والرجال في انتظارك في مجلسك .. "
تأمل أبو الأمين وجه الحسن، فارتسمت في رأسه المدوّر حقل قمح أخضر ، ورأى
وجها يتقدم جسد طائر ريشه أبيض، يحلق فوق الحقل بزهو، ثم يغادر بهدوء، بعيدا
عن الحقل، باتجاه قمة تلة، ليحط هناك، وتنطلق ناي الراعي ، لترفرف أنغامها
على السفوح .. فانبسطت ملامحه ..
خرج أبو الأمين من غرفة الفراق، أخذ شهيقا عميقا، مسح وجهه بطرف كوفيته
البيضاء، دخل مجلس الرجال، وقفوا جميعا بثقل ، توجه مباشرة إلى مكانه
المعتاد، جلس على فرشته الخضراء، وأمامه المنقل ودلة القهوة والفناجين وعلبة
السجائر ، وضع دلة القهوة على الجمر، ثم جال ببصره في البيت ، رفع يده محييا
الجميع، طلب من مصطفى الشجراوي أن يصب القهوة للحضور، ثم فتح حديثا حول مطر
الليلة السابقة، الذي كاد أن يخترق سقوف المنازل ، والبرد الشديد، والرياح
التي تلاعبت بالأشجار، ومواء القطة المسكينة خارج الدار .. ثم تحدث عن الحرب
القادمة، جمال عبد الناصر بالمرصاد يا شباب، أبو خالد لها، أولاد الميتة
اقترب يومهم، جهزوا الحقائب، واخرجوا أوراق الطابو ( ملكية الأرض ) ولا تنسوا
أطفالكم هنا كما نسيهم البعض هناك، ولكن، هل تعلمون يا جماعة، قلبي مقبوض،
وبداخلي خوف، وغصة، يبدو أن الفرحة لن تكتمل، أنا أثق بعبد الناصر، لكن مش كل
الناس جمال، على كل حال الاتكال على الله، الله يرحمنا ..
اعتقد الحضور أن أبا الأمين يهذي من هول المصاب، لم يجبه أحد ، سوى أبي حسين
الذي طلب الرحمة والمغفرة للجميع، وطلب من الناس أن يقرؤوا الفاتحة. فعلوا
ذلك، وكان أبو الأمين حينها يلف سيجارة ويهندسها بأصابع كفيه، مما زاد من
دهشة الحضور ..
سرب أحدهم خبرا أن الجنازة ستبدأ بعد قليل، فبدأ الرجال والشباب بالنهوض،
منتظرين قيام أبي الأمين، لكنه لم يفعل، بل قال لهم: لماذا السرعة يا أخوان،
تفضلوا اجلسوا، أهلا وسهلا ..
بدأت الغرفة تستعيد سكونها، ولم يبق سوى أبي حسين، الرجل المحبب لأبي الأمين،
والذي قال له بحزن: ألن تصحبنا يا صاحبي ؟
صمت أبو الأمين في وجه رفيقه طويلا : لا.. سأبقى هنا ، لن أستطيع .. أنتم
شباب بمقدوركم المشي، أريد أن أخلد إلى نفسي .. على كل حال الحرب قادمة ..
مشت الجنازة ، بينما بقي أبو الأمين يحرك الجمر ببطء شديد، ويسحب أنفاسا
عميقة من سجائره المتلاحقة، حتى دخلت الحسن وجلست إلى جانبه : أبي ، ستحرق
حقل القمح الأخضر هكذا، ألا ترحم صدرك قليلا ..
أبو الأمين : الطائر الأبيض يبتعد، ورئتاي تنكمشان، السجائر تجعلني أسحب هواء
أكثر ، ما يصبّرني، تلك الناي التي أسمعها، ورائحتك يا حبيبتي، خضراء
كالشتاء، وكالغيم المليء بالمطر.. وكالتراب المعتق .. لكنها ذهبت لتتزين،
وأنا بانتظارها ..
الحسن : أفهمك يا أبي، أفهمك جيدا، لكن أريدك أن تبكي، لا تجعلهم يقولون أنك
جننت، فقدت ذاكرتك ونسيتها ..
أبو الأمين: كيف ينسى الشجر طائره الجميل، أنا أعتقد أن الشجر خُلق للطير
وليس للبشر، وعليه أن يكبر، ويمد أغصانه، ويزيد أوراقه من أجل الطير، وإن لم
يقف على أغصانه، فلا شك أنه سيمر من فوقه، أو يحتك به، أو ينظر إليه .. سأبقى
في حالة انتظار لذلك الطير الحلو ، الذي طالما تقافز على أغصاني، وأكل من
ثماري، واستظل بأوراقي، واختبأ بقلبي من المطر والبرد ..
الحسن : هل لديك من القهوة ما يكفي، هل أحمَّص لك كمية إضافية ؟
أبو الأمين : أمونة حمّصت كل القهوة يوم أمس، كأنها كانت تعلم ..
الحسن : تعلم ماذا ..
ترك ملقط النار يسقط في المنقل، ليحدث قليلا من غبار الرماد، نظر في وجه
الحسن بعينين محملقتين، شب واقفا، ذكر اسم زوجته بخوف، مشى بسرعة خارج
الغرفة، ليستدير ويصرخ : لا أحد .. حتى أمونة …
أخذته الحسن من ظهره، رافقته إلى مكانه، صبّت له قهوة ، فشهق شهقة جعلت الحسن
تجفل ، ثم تستعيد سكون حزنها:أبي هوّن عليك .. .. حضنت رأسه وبكى كالأطفال ..
|