|
د. فاروق مواسي
اجتزأت مقطوعة من مجموعة. والمجموعة هي "تجرعت سمك حتى
المناعة"، وتتألف من ثلاث عشرة مقطوعة ورؤيا، يروي لنا
الشاعر عبرها- في لقطات أو ومضات مشعة- حكاية الانتفاضة
الباسلة التي حفرت في تاريخ شعبنا تاريخًا وفعلاً. وسِلك
القصائد الذي يضمها هو موقف (الراوي الشاعر) الرافض والصابر،
فالطفل الفلسطيني تجرع سم العدو كثيرًا حتى امتلك مناعة،
وأصبح محصنًا لا يعمل فيه السم الناقع، وقد اكتسب حكمة
المتنبي، وأصبح فؤاده في غشاء من نبال.
واجتزائي للمقطوعة تأتـى بسبب تمثيل هذه المقطوعة للطاقة
الشعرية المذخورة في الديوان، كما أن لها إمكانية الاستقلال
في النص ، وتؤلف وحدة موضوعية معبرة، بيد أني سأعود إلى
الديوان بين الفينة والأخرى للاستعانة بما يجلي المعنى،
وبهذا أكون قد وفيت للنص وواكبته.
****
والقصيدة تعبير حي عن واقع المعاناة الفلسطينية. إنها تروي
حكاية الانتفاضة ، هذه الحكاية التي لم يحسن الكثيرون
التعبير عنها على المستوى الرمزي المتجاوز للآنية والمباشرة.
قيلت قصائد كثيرة لم يشفع لها إلا سياقها، لكنا هنا إزاء
قصيدة انتفاضة على وجه حق.؟
والانتفاضة التي بدأت في كانون الأول-في بدايات الشتاء- كانت
بعد أن نزعت الأرض ثوب الخريف.... أن تساقطت أوراق الشجر
(التين) ، وبعد هجرة الطيور الرحالة (العصفورة تنفض) ريشها
وتلحق سربها المهاجر) ، والوردة التي أصبحت شرنقة ستتحرك
وستنطلق منها فراشتها- فراشة تصهل كالحصان في الأصالة
والعنفوان. وتشتد الرغبة (أو الجوع) لعاصفة عاتية تزيح الظلم
والظلام، لذا فلا بد من أن تنطلق مواكب الأطفال الملثمين ،
ويتلثم شهر كانون معهم، فالزمن أخذ يقاوم مع المقاومة، وأخذت
عيونه تتجمر (مستعار من كانون النار هذه المرة)، إذًا هو
الجمر، وليس لمجرد الوقوف للدفء - إنه الوقود للحياة. وهذا
الزمن أضحى كالرجل الذي جعل حزامه من شعاع الشمس فضيًا،
والشمس كأن لها جذوعًا بيضاء يتحزم بها كانون الثائر.
فماذا يحدث بعد هذا الاستعداد للتجلي الجديد، وبعد هذا
الاستعار للعاصفة، وبعد هذا التلثم الكانوني-يهل من فاصلة
البرق (والبرق على مستويات: حقيقي في الشتاء، ومجازي في
اشتعال الثورة، وأسطوري موقف إله كنعان- إله البرق)، وماذا
يهل؟ -يهل: مدّ مَدَد
المد الأول هو الزحف –زحف الجموع التي تطالب بحريتها وتنشد
كرامتها.
ومدد تعني النجدة، وتحمل البعد الصوفي المستجير، وبدلاً من
"مدد يا رسول الله" و "يا أهل الله! فكأني به يقول: "مدد يا
وطن"!، "مدد يا شباب"! والحلم المعبر عنه بواقع الطفولة-
ولكنه حلم فولاذي صلب لا يكسر.
وتستبد الدعوتان (مد، مدد) في القصيدة، فننتقل هذه المرة إلى
معنى أبعد مستمد من التاريخ والأسطورة: مد مدد يا راعي
الغيم!
(وراعي الغيم هذا مستقى من الأساطير الكنعانية، فهو إله
الخصب)......فمدد يا مواقع فلسطين في البحر وفي الجبل وفي
القدس وبواباتها- القدس الرمز، والدين، والمحتلة من شعوب
تـترى.
فماذا جرى بعد هذا الاستنجاد الاستجارة؟
يبدأ الأطفال بالخروج، بالانطلاق، تُشرع نافذة هنا... ونافذة
هناك.
- والنافذة رمز لهذا الخروج إلى واقع آخر، ويخرجون واحدًا
تلو الآخر، وأخذت الأبواب تتوارب- بسبب خروج الأطفال-، وتلوح
الحجارة مرمية عليهم سجيلاً يحصبهم، ويسميها الشاعر "مجاديف
القمر النارية". إنها أشبه بمجداف، يمخر به الإنسان في رحلته
البحرية، ولكن الرحلة هذه المرة ليست بحرية، وإنما هي للقمر-
رحلة الجمال أو الصفاء والبهاء، والقمر رمز لكل ما نحبه -
سواء كانت معشوقة.. أو طبيعة ..أو طفولة.
إذن ينبثق اللؤلؤ من المحار، وكأن المحارة شفاه تتفتح عن
كلمات ، أو درر كالفعل وفعل كالدرر، وقنبلة الشوق تتكّ، فقد
آن أوان انفجارها، وحانت ساعة الوصول.
ويسمع الراوي أصوات زمجرة، ومن العجيب أنها
تلثغ- إذًا فهي من أطفال، وما أرق لثغتهم!-
وما دام الراوي يسمع زمجرة، وقد كان صوته أبح، فها هو يطمئن
إلى أن الأمور تغيرت، لذا فلا غرو أن تحسس صوته، وها هو صوته
يغسل بحته، ويزيلها من رهقها. (البحة هذه ذكرتني شخصيًا بما
أصابني وأصاب الكثيرين من أبناء جيلي على إثر النكسة، وقد
كدت أفقد صوتي) وأين يغسل الصوت بحته؟
- في ساقية النار، في ساقية المقاومة، في ساقية الشرر التي
يصفها بأنها قزحية ملونة بألوان الطيف الشمسي. إنه مرة أخرى
يتحسس صوته وهو يشحذ ظله- يسنه على المشحذ-، فقد مضى الراوي
فوق براري الأرق والقلق والحزن والسهد، كان يحاول أن يسن
ظلاً لصوته المفقود من خلال عذابه ومعاناته. والنتيجة التي
آلت: صوته يتعملق، فاسمع ذلك يا حجل الجرمق!- مرة أخرى يعود
إلى المكان، الجرمق، لأنه أعلى جبال فلسطين، ربما لأنه علو
صوته يعلو على الجبل بعد هذا الموقف البطولي-
فماذا حدث كذلك؟- الزمن أبح في حكم الماضي المستمر، "كانون
تلثم"، وبعد أن كان يجمر عينيه ها هو يحتضن الجمر، ويدفع
الثمن، يستشهد، فتتفتح سنابل الجروح والدماء، وتلتقي الشفاه
في عناق مستميت.
يجرد شخصًا وكأنه يخاطب نفسه: "قرّب أذنيك من الأرض"! (وهذا
الفعل يذكرنا بما كنا نقوم به في صغرنا من إرهاق السمع حتى
نستشعر الآتي). إنه السكون المتلاشي، وسيؤول إلى عاصفة- تسمع
حشرجة الصمت- والصمت المسموع له حشرجة، له نهاية، ونهر
الدماء لا يصمت أبدًا، هو تواصل الأجيال، وهو البحث عن المصب
الذي حدثنّا عنه الشاعر في قصيدته "من هديل الحمامة
المطوّقة" (انظر ديوان الشاعر: قصائد من حديقة الصبر، ص159).
النهر هادر وذو طاقة وأحلام، وعناقيد الأحلام تعرش خلف
النوافذ، ورب العاصفة الموعود يتجلّى بالأحلى- عملاق بهاء-
وأين؟- في مرتفعات كنعان، بلادنا،- إن هذا الإله هو نفسه إله
الخصب الذي بعثته عنات (1) يهدر بالرعد وبالبرق يمنة ويسرة،
إنه يحمل البشرى والخلاص.
ويجدر بالذكر في نهاية عرض القصيدة ما لاحظناه من تكرار هذه
الصورة في ديوان الشاعر (تجرعت سمك....، ص85) والأهم أنه
هناك يفصح عن النتيجة المرتجاه:
يختال على قمة عيبال
على نخل أريحا
يطرد خيل الرجس
..............
لن يقلعني مني طاغ
لن يقلعني ذعر أو وعد قناع شقيق.
******
ومن أبرز ما يميّز هذه القصيدة حركة الأفعال، وهي كذلك فعل
متحرك- جمل فعلية: تنـزع الأرض، تشرع تينة، تنفض عصفورة،
تصهل شرنقة... يستعر الجوع، يتلثم...، ويبلغ مجموعها في
القصيدة زهاء عشرين جملة، وهي من أحفل القصائد التي قرأتها
بمثل هذه الفعالية الفعلية، وتقع عادة أفعالاً مضارعة تدل
على استمرارية نبعت من واقع أو من ماضٍ ممضّ، فانطلقت لتصحح
المسار، فعل وفاعل حتى ولو كان مجهولاً: تشرع نافذة، يتوارب
باب، تلوح مجاديف. من شرعها؟ ومن واربها؟ من لوحها؟ النتيجة
ستكون أفعالا كذلك: تتفتح شفاه محارة، تلثغ زمجرة...
أما الراوي الشاعر فيقول هو كذلك: أتحسس (في تكرار بداية
Anaphore موسيقى ومؤكد- هذه الموسيقية التي لاحظناها كذلك في
تكرار تاء المضارعة وفي انسجام إيقاعي متواصل) ومع هذا، فقد
ألفينا الجملة الاسمية- وتأخر الفعل أربع مرات:
أ- قنبلة الشوق تتك، ولعل السبب في تأخير الفعل هو الناحية
الصوتية، ويمكننا ملاحظة ذلك إذا سّبقْنا الفعل.
ب- صوتي يتعملق، والسبب في تقديري يكمن في ضرورة الإخبار عن
حال الصوت أولاً، خاصة ونحن نخشى فقدانه، إذن فلنبدأ به
أولاً.
ت- كانون تلثم، بدأ الاسم لأنه الزمن، ولأنه الرمز، ولأنه
الاستعارة، بينما عند بداية القصيدة على المستوى الإخباري
التقريري كانت الجملة فعلية.
ث- دالية الحلم تُعرش، أولا لأنها مثيرة للغرابة والدهشة-
دالية الحلم!! ما لها؟ وبعد ذلك تأتي أهمية "تعرش".
وقدرة الشاعر تتجلى كذلك في بناء الاستعارة وهذه المزاوجات،
الجناسية والطباقية ذات الطاقة الإبداعية المتوالدة على
نحو:"دالية الحلم"، تلثغ زمجرة، مدد، في ساقيه الشرر، كما
تتجلى في خلق الكلمات التي قد تكون معجمية وقد لا تكون"،
إنها تتواصل في كتابته، ويحسن كيمياءها على نحو: يتعملق،
تتك، يتوارب (في هذه القصيدة) و "نَوْفَر" يتلّفع، يلغم (في
المجموعة التي أخذنا منها القصيدة ص92،97،98،) وقد تكون
أصداء القصائد القديمة تتعارض وتتوازى في تضاعيف كلمات
الشاعر، فقرّب أذنيك تسمع حشرجة الصمت، وهذا يتصادى وقول
جبران في نهاية المواكب:
وسكون الليل بحر موجه في مسمعك
والحديث عن دالية الحلم فيها إشعاع من عالم جبران في قصيدته
نفسها:
والعناقيد تدلت كثريات الذهب
قلت آنفًا إنني سأعود إلى المجموعة، التي اجتزأنا منها
القصيدة، حتى أبحث عن هذا التواصل المنشود في العبارة
الواحدة. فالورد الذي يذكره الشاعر في القصيدة كان رمزًا
للروح. يقول في المجموعة (ص26):
عند المنبع أبدًا يبتدئ البدء
تتألق جوهرة الوردة
في دورتها الدمويـه (27)
من هنا نفهم صورة البراءة والطهارة في قوله "شرنقة الورد" -
إنها حتما ستتفتق عن فراشة تنشد حريتها.
أما قول الشاعر: "فولاذ الحلم" فهو معنى يرد في مكان آخر في
ديوانه " يضفر بالنار الحلم" (39)، فالحلم إذن مرتبط بالقوة-
قوة الأطفال فرسان اليقظة خلف اللثام.
وفي قول الشاعر: يا بحر زنود البرعم يوحي لنا أن البراعم رمز
للأطفال، وقد ذكر ذلك في ديوانه وهو يخاطب شادي:
للبرعم أن تفتح جفنيه أكفُّ الطل
لا أن يحترق بماء النار
ويغرق في حمأ القتل
يا شادي
حقك أن تتفيأ ظل طفولتك الغضـه. (ص62)
وها هو مرة أخرى يعود إلى جوهرة الورد في علاقته بالبرعم-
الطفل-:
يا حارق أحداق البرعم
تطلع جوهرة الوردة سيفًا مشتعلاً
تحترق طفولته في لهب بطولته (ص66)
أما معنى " أتحسس صوتي يشحذ ظله فوق براري السهد" فقد وقعت
عليه في معنى مشابه وبصورة أخرى في المجموعة:
"لم تدرك أن بذور الجمر تبرعم في عتمات السهد". (ص90)
ومن هنا فإنني أرى الحاجة الملحة لنقد النص لشاعر ما من خلال
تصاديه لأشعاره وتواصله معها، وفي ذلك خدمة للنص أولا.
*****
ومن شهادات محمود درويش التي استمعت إليها في برنامج
تلفزيوني أن الشاعر حنا أبو حنا علّمه "ترابية القصيدة"،
فهذه شهادة اعتز بها كل منهما، والترابية تعني الالتصاق
بالأرض والجذر، وقصيدتنا التي توقفنا فيها وعندها تمثل هذا
الالتصاق الحميم: تنزع الأرض (معطفها الأصفر-اليبوسة)- كناية
عن بداية الشتاء، واستخدام التينة والعصفورة لاستمرار الرمز
نفسه و "رَوْحَنَة" الورد الحر ، والاستعانة بالحجل والسنبلة
والدالية وحتى "قرب أذنيك من الأرض"، وفي ذلك كذلك أقدم
شهادة د. عبد الرحمن ياغي في تقديمه لديوان "نداء الجراح"
منشورات مكتبة عمان-1969):
"...كما نحس حرصه على رفع رايات الهداية للأطفال، واطلاعهم
على أصدق الأنباء فيما يتصل بحكاية أرضهم والنضال في سبيل
إنقاذها وتحمل الأعباء كلها في سبيل أن تكون دروبهم وردًا
ورياحين".
------------
(1) البعل وعنات ملحمة كنعانية، والبعل هو إله المطر
والعاصفة والخصب، وعندما انتصر البعل على خصمه، راح يخلق
البرق والرعد وينظم نزول المطر، وكان لا بد من مقاومة إله
الموت، وكاد أن يقع في فخه، لكن عنات أخذت تفتش عن أخيها
البعل، واستعانت بالشمس على استرداد، ثم راحت تبشر بعودته
وتقول، ستمطر السماء زيـتًا وستسيل الأودية عسلاً.
(2) أما "السائق" و ""الطارد" فهما نبوتان كان يقاوم البعل
بهما ويسوق ويطرد أعداءه.
(3) (راجع: أنيس فريحة: ملاحم وأساطير من أوغريت- بيروت،
1966 النص6، العمود3).
فصل من الجزء الثاني من سيرة الكاتب "مهر البومة"، التي
بدأها بـ "ظل الخيمة" واختتمها في "خميرة الرماد"*
|