قص
في ردهات الذاكرة

قبل الكلام:

الكتاب الذي انتشله الرجل من الرف .. كان لقيطا و..كانت تفوح منه رائحة كالتي اخترقت خياشيمه الصغيرة.. ذات طفولة غابرة..حين فتحت جدته صندوقها الأزرق .. لتمرر إليه بالمرموز كمشة لوز.. والحاصل في الكلام ، أن الرجل فتح قنينة نبيذ ..تمدد على سريره و..فتح الكتاب .

الكلام: (في رحم زنزانة ضيقة وكريهة كمرحاض منسي..يتكوم الرجل في إحدى الزوايا.. يحدق إلى السقف الحالك .. يخلل لحيته و.. قد يحك جلده فيدميه.. و..تتوقف أظافره لإيقاع أحذية ترتطم بالكولوار..فيرتعش جسده من رأسه حتى قدميه.. ثم مايلبث أن يسرح في ردهات ذاكرته المنهكة، والمنهكة جدا.. ليعيد إخراج تلك التفاصيل المرعبة.. تفاصيل العلب السوداء والقنينة والعري ..و.. تفاصيل الاستنطاقات الكفكاوية ..
(........)

-        
اسمك
-         (......)
واستغفله الضابط ليركله بحذائه اللامع
-         عمرك
-         (......)
واستغفله المفتش ليصفعه على قفاه .
-         مهنتك
-         (......)
-    واستغفلته الشرطة لتسحق أصابعه بكواعب أحذ يتها حتى قفز الدم منها.

و...أدخلوه في عشرات الدهاليز..أخرجوه منها محمولا على إبطيه ... و..كل ما يتذكره الآن وهو قابع في هذه الزنزانة البالغة القذارة... أنه كان يفتح عينيه بصعوبة ليتحسس لحمه ملتصقا ببيجامته .. وأن بقعا من الدم متناثرة على قفصه الصدري وفوق شاربيه الغليظين.)
بعد الكلام:
الرجل اقشعر جلده.. الرجل وقف شعر رأسه..  أفرغ بقية القنينة في جوفه .. و.. لم يشعر بمفعول النبيذ.. و.. الرجل أغلق الكتاب اللقيط.. ونزل الدرج الطويل .. ليبحث عن قنينة ثانية .. وربما الرابعة.

عبد الله المتقي