الأديب يوسف المحيميد

yalmohimeed@hotmail.com

مواليد الرياض 1964م

صدرت له

ظهيرة لامشاة لها - قصص - 1989 م -  

 - رجفة أثوابهم البيض - قصص - دار شرقيات - القاهرة - 1993م

    لابد أن أحدا حرّك الكراسة - نصوص - دار الجديد -
بيروت - 1996م

- لغط موتى - قصص - إتحاد الكتاب العرب - دمشق - 2000 *
- صدرت مؤخراً رواية " فخاخ الرائحةعن دار رياض الريس للكتب والنشر في بيروت"
- صدر له رواية"القارورة"عام 2004

كما صدرت له في مجال الطفل

سلسلة ( مغامرات الأشجار ، وتشتمل على : النخلة والأثلة - الغصن والفلاح - والعصا والذئاب - الشجرة الملولة - الفأس المجنونة ) عام 1998م

 قلم أسود في غابة الألوان - قصة للأطفال - 2000م

 نفذت مسرحية ( حلوم والكنز ) للأطفال ، لصالح التلفزيون السعودي



لايوجد مكان لعاشق في هذه المدينة

 قصة قصيرة

     أعرف جيدا أن خدمات البريد تشبه حائط جدّي الطيني المهترىء ، لكنني لم أتوقع أن تكون بهذه الدرجة من التأخر ، كأن تصلني رسالة بعد سنة وأربعة أشهر . في أي درج تاهت هذه الرسالة كل هذا الزمن ؟ أي أصابع شيطانية خنقت هذا الحب والوله كل هذه الأيام ؟ لاأعرف .

     فتحت المظروف الوردي الصغير للمرة العشرين ، وتأملت الكلمات تشبه قلائد فضّة ، صغيرة ومنمنمة ، ومرتبكة بعض الشيء . قرأت آخر كلمة : لاتنسى أرجوك حبيبي !!

     منذ أن وطأت قدماي هذه المدينة للدراسة ، لم يكن لي عنوان واضح . كل غرفة استأجرها لأشهر لايزيّن صمتها ضجيج هاتف . وإن كنت محظوظا في غرفة ما بهذا الجهاز الذي يربطني بالعالم والأنفاس والحزن الطويل ، فلا ألبث أن يطردني المالك لأسباب كثيرة ، أشدّها تأخري عن سداد الأقساط الشهرية للإيجار ، وأبسطها دعوى الجار أنني عازب ومثير للشك ، ولاأصلي مع جماعة المسجد ، حتى لو كنت أول من يدلف وآخر من يتوقف لسانه عن اللهج بالدعاء والإستغفار .

     لذا كدت أصطدم بسيارة نقل ضخمة ، بعد أن دفعت ثلاثمائة ريال رسوم امتلاك صندوق بريد خاص ، كنت فرحا حتى كادت سيارتي الكورولا 88م أن تغفو تحت عجلات الناقلة الضخمة ، وأغفو أنا كحشرة طائرة تتشرنق بغباء في شبك الراديتر على مقدّمة الناقلة المسرعة .

     كنت أقول لأصدقائي في الجامعة : الآن أصبح لي عنوان ثابت في ضياع هذه المدينة الضالة . الآن يمكنني التواصل مع العالم عبر هذا الصندوق السحري : البريد ، ولا يملك أحد في الدنيا أن يسلبه منّي . فتحت الرسالة وتأملت أسطرها الثلاثة ، والتوقيع ، والقلوب المشروخة في الزوايا ، والتاريخ الهجري واليوم .

      قرأت الأسطر سريعا : أنتظرك الجمعة القادمة ، السادسة مساء ، عند سوق الزهرة ، على المقاعد الحجرية . إذا ماوصلتك الرسالة قبل الموعد ، يكون الجمعة بعد القادم . أمانة .. ضروري أشوفك .. مسألة مصير.

     ياإلهي .. كم جمعة مرّت ! حاولت أن أعدّها ، لكنني توقّفت ، هل كانت الجمع مثل أسراب الحمائم ، التي تمرّ سربا سربا فوق رأسي قبيل يقظة الشمس ، فلا أسمع سوى حفيف أجنحتها المتدافع . ثم لاتترك أثرا . كان اليوم أربعاء ، طالعت حائط الغرفة ، حيث ينظر تقويم أيام السنة نحوي بسخرية ، كأنما يقول لي : كم أهدرت من جمعة أيها العاشق التائه !! كنّا فقدنا الإتصال تماما . لم يعد رقمها يجيب لأيام ، ثم صار يردّد نغمة : فضلا تأكد من الرقم الصحيح !! بينما لاأملك في غرفتي المتواضعة هاتفا يربطني بصوت يشتّت الليل ، ويطرد برنينه الصراصير التي لاتكفّ عن الشقلبة داخل حذائي ، وهي تقاسمني الغرفة .

     قرّرت أن أزور السوق ، وأتفحّصه قبل أول جمعة . زرت المكان مرارا ، شاهدته من كل الجهات ، وجلست على المصطبة الحجرية المسودّة . مساء الجمعة ، وقبل السادسة بساعة كاملة لبست ثوبي وشماغي ، ورششت عطرا رخيصا جعلني أسعل طوال الطريق .  كنت أعرف أنه مضى أكثر من ستة عشر شهرا ، أي مايقارب ستون أسبوعا أو جمعة : ياللجنون ، أتظن أنها تنتظرك كل جمعة ، طوال هذا الزمن ؟؟ همست لنفسي . هل أنا فعلا مجنون ؟؟ تلمّست ظهر عنقي الموسوم بكي نار قديم ، أيام الطفولة . كنت أجمع الأحجار آنذاك ، في السابعة بدأت أخفيها في بيت الدرج ، وبعد عام تكوّمت لديّ أحجار متنوعه ، قضيت معها ليال رائعة ، كنت أعشقها ، أهيم بها ، أحادثها ، أقسم أنني كنت أسمع أصواتها المخنوقة ، ووسوساتها . أقبّلها وأعتب على بعضها . أصفّها بنظام دقيق ، وأرتب مخدع كل منها !! كنت مبتهجا ومتفاعلا جدا مع الأحجار ، ألوانها أشكالها أرواحها . إلى الحدّ الذي عرفت كل منها بإسم وعمر وملامح . كانت أحجاري قبائل وعائلات . لاأعرف ، ربما كانت القبائل والعائلات مجرّد أحجار .

     بعد أن اكتشفت أمي مخبأي تحت الدرج ، لم تقل لي شيئا ، ولم تعتب عليّ . بل أنني لم أعرف أنها وقعت بالصدفة على عالم أحجاري المعشوقة ، إلا بعد أن عدت ذات ظهيرة من المدرسة ، وخلعت ثوبي بسرعة ، وانسللت إلى صحرائي ، فلم أجد غير الفراغ . بعد أن حملها أبي ورمى بها في مكان بعيد . صرتُ أصرخ بلا شعور . أضرب الجدران بجنون . خفّت أمي نحوي ، وبسملت كثيرا ، واحتضنتني . وهرع أبي على صراخي ، وماأن عرف سبب لغطي هذا ، حتى انهال عليّ ضربا وركلا . ظللت مريضا لأيام وليال . لم أعد استطع الرؤية ، كنت أستند على الجدران وأتحسّس الدرج والباب . وانقطعت عن الدراسة . حتى زارنا عمّي ، ليقنع أبي أنني ممسوس ، ولا بد لي من قراءة عند إمام المسجد . بعد أن عرف الإمام حكايتي أكد لأبي أن جنّيا مشركا يعبد الأصنام قد تملّكني ، وهو ماجعلني عاشقا ومهووسا بالأحجار . أشار بعد زيارات قراءة ونفث لم تنفع ، أن يذهب بي إلى طبيب شعبي يستخدم الكي بالنار علاجا . كان يسخّن انبوبا حديديا فوق النار ، ثم لسعني بخفّة على ظهر رقبتي ، حتى ضجّت غرفته بزعقة صغيرة مصحوبة برائحة شواء ودخان أبيض .

     تحسست مؤخرة رقبتي وأنا أدلف سوق الزهرة التجاري . كان عقربا الساعة يشيران إلى السادسة إلا عشر دقائق . حركة المتجوّلين داخل السوق كانت قليلة . ثمّة نساء يحملن أكياسا ويجررن أطفالهن ، وأطفال آخرون يمسكون بعباءات امهاتهم ويبكون . جامعو التبرعات يصوّتون : تبرعوا لإخوانكم في الشيشان .. مانقص مال من صدقة . بعض الباعة يقفون على أبواب متاجرهم منتظرين المشترين . بعضهم ينسلون خائفين داخل متاجرهم حين يلمحون رجال هيئة الأمر بالمعروف بمشالحهم الوبرية ولحاهم يتبعهم جنديان . أيضا أنا بدوري ارتبكت حين رأيتهم ، وقررت أن احتمي مثل فأر بمحل ملابس رجالية ، لأخرج بكيس بلاستيكي أحمله كي يشفع لي بالتجول . لحظتُ بطرف عيني المصاطب الحجرية . كانت امرأة تجلس وبحضنها رضيع . نظرت الساعة ، وكانت السادسة تماما . ارتبكت وتسارعت خفقات قلبي ، حتى كاد يقفز من أضلعى ويرتمى على بلاط الرصيف . اقتربت منها ، ومررت بجوارها ببطء . عيناها الظاهرتان خلف حجابها تحدّقان . تجاوزتها ثم التفتُ خطفة ، فضبطتها وهي تلاحقني بنظراتها . ياإلهي هل كانت هي ؟؟ بعد ستين جمعة ، وقد أدمنت الإنتظار كل سادسة ؟؟ قرّرت أن أعود مرّة ثانية ، ولكن هل أمرّ بجوارها ؟؟ أم أكون شجاعا أو وقحا فأجلس بجوارها ، أليس المقعد الحجري يتسع لثلاثة أشخاص ؟؟ وليس هناك سواها تجلس على طرفه؟؟ هذا صحيح ، ولكن لايوجد مكان لعاشق في هذه المدينة !!

     بعد أن اقتربت منها تبادر إلى ذهني مظروفها الوردي الصغير . سأخرجه وأمسك به في يدي اليسرى التي ستكون بموازاتها . ربما تتذكّر مظروفها ، فليست ستين جمعة كثيرة لدرجة نسيان رسالة تحدّد مصير . لكن من هذا الرضيع في حضنها ؟؟ هل تزوّجت وأنجبت خلال سنة وأربعة أشهر؟؟ هل كان الموعد مصيريا لها ؟؟ لحظة مررتُ أمامها بخطابي الوردي في يدي ، لمحتُ عينيها تضجّان بالإرتباك ، وهي تفزّ فجأة كأنما ستتبعني . أسرعتُ مشيتي ، وأحسستُ بوقع حذاءها يلاحقني . التفتُّ بغتة ، فوجدتها تتبعني !! انعطفت نحو مواقف السيارات ، فانعطفت معي ، لكنها توقفت ، فالتفت خلفي حيث كانت تركب سيارة فارهة وجديدة . تسمّرت قرب سيارتي . وماأن مرّت السيارة ، حتى لمحتُ عينيها تطالعان نحوي ، لدرجة انها أدرات رأسها إلى الخلف بعد أن تجاوزتني السيارة . رفعتُ يدي ولوّحت لها ، ثم لمحت فجأة رجال الهيئة والجنديين يركبون سيارة جي إم سي ، ويغادرون السوق .

     عدت إلى المقعد الحجري ، لربما تركت شيئا هناك . جلست مكانها بالضبط . تفحصت المقعد والبلاط تحته . لمحت رباط شعر وردي أيضا . رفعته وشممته . نظرت يمينا نحو جذع شجرة بنسيان ضخمة تكاتف المقعد . تذكّرت حكاية عجيبة تقصّها جدّتي لي قبل النوم ، عن رجل يسير في الصحراء ، فيسمع أنينا خافتا وحزينا ، وبعد أن يبحث عن الصوت ، يدرك إنما كانت شجرة عوسج كبيرة وهائشة ، فيقترب منها ، ويسمعها تردّد : خلّصني .. خلّصني !! يسألها : كيف ؟؟ لكنها كانت تردّد كلمتها : خلّصني .. خلّصني !! يخرج سكيّنه ويرسم على جذعها ، فتتحول فجأة إلى امرأة طاغية الجمال ، لتقول له أنا الآن ملكك !! ثم تضيف : لقد مسختني جنّية حقود إلى شجرة .. وقالت لن يخلّصك إلا فنّان أو شاعر!!

     أخرجتُ مفاتيحي من جيبي ، ورحت أرسم قلباً وعينين ، وماأن مشيت حتى سمعتُ حفيف امرأة طاغية الجمال تتبعني وتهمس في أذني : سأعيش معك ، حتى لو في بيت درج !! كنت أسمعها وأحاورها ، لكن كثيرون لايرونها معي . شبكت أصابعها في يدي ومشينا معا .