|
الجبل بين شاعرين - 1 - للجبل أثر كبير في نفس الإنسان، ولا سيما إذا نظرنا إليه كما كان الإنسان ينظر إليه في العهود القديمة، قبل اكتشاف الكهرباء واختراع وسائل المواصلات، ولا سيما الطائرة التي حلق فيها فوق الجبال وعبر القارات والمحيطات.لقد كان الجبل بالنسبة إلى الإنسان مهيباً، يثير في النفس الإحساس بالروعة والخوف والذهول، فالجبل كتلة ضخمة، قوية، ثابتة، لايستطيع الإنسان التغلب عليه، لذلك عبد الأقدمون الصخور والحجارة والأصنام، لما رأوا فيها من قوة، وكذلك رأى الإغريق في جبل الأولمب مقرّا للآلهة وفق تصوراتهم. ومن هنا تظهر صورة الجبل في القرآن الكريم مختلفة كلياً عن تصور الإنسان للجبل، فالمولى عزّ وجلّ هو خالق الكون، بما فيه من جماد ونبات وحيوان وإنسان، وعندما يذكر المولى عزّ وجل الجبل يذكره على أنه آية من آيات خلقه، وقد سخره للأنبياء لتسبح معهم، كي يشعروا بالأمن والطمأنينة، " ولقد آتينا داود منا فضلاً ياجبال أوّبي معه والطير وألنّا له الحديد " (سبأ- 10) " إنا سخرنا الجبال معه يسبّحن بالعشيّ والإشراق" (ص18). وسخره للناس كي يستفيدوا منه، "تتخذون من سهولها قصوراً، وتنحتون الجبال بيوتاً، فاذكروا آلاء الله، ولا تعثوا في الأرض مفسدين" (الأعراف74) " وجعل لكم من الجبال أكناناً " (النحل81) كما يذكره تعالى للناس كي يتأملوا فيه ويتفكروا في الكون ويتدبروا ويهتدوا إلى الإيمان. "والجبال أرساها متاعاً لكم ولأنعامكم" (النازعات 32-33) " أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت، وإلى السماء كيف رفعت وإلى الجبال كيف نصبت" (الغاشية 170-19). وإذا كان الجبل يظهر للإنسان قوياً ثابتاً عظيماً فإن المولى تعالى يؤكد أن قوة الله أعظم لأنه خالقه ومبدعه وأنّ هذا الجبل يتصدع إذا تجلى الله له، وأنه سوف ينسف يوم القيامة نسفاً: "يوم تمور السماء وتسير الجبال سيراً " (الطور 9-10) " يوم تكون السماء كالمهل وتكون الجبال كالعهن" (المعارج 8-9) "وسيّرت الجبال فكانت سراباً " (النبأ 20). ولعل في هذا مايدل على أن القرآن الكريم هو كلام الله تعالى ووحيه إلى نبيه ورسالته إلى الناس كافة، وليس من تأليف بشر، ولو كان من كلام بشر، وأنى له أن يكون، لكانت صورة الجبل فيه مثل صورة الجبل في الأساطير والشعر، وما هي كذلك. - 2 - ولقد نظر أكثر الشعراء إلى الجبل فتصوروه في هيئة إنسان، ومن ذلك صورة الجبل ثبير لدى امرئ القيس، إذ تخيله والمطر يسح عليه سيولاً، مثل رجل كبير قعد وقد تدثر بثوب مخطط، يقول في معلقته :
|
|
ولقد مرّ ابن خفاجة الأندلسي بجبل، فتخيله رجلاً مُعَمَّراً قد شهد عهوداً وعصوراً وعرف الخبيث والطيب واللص والناسك وملّ من الحياة لطول ماخبر، والشاعر هنا يحاور الجبل ويبثه ضيقه ذرعاً بالحياة وبرمه بها، فيقول:
|
|
وغنّى أحمد شوقي على لسان مجنون ليلى لجبل التوباد، حيث كان يلتقي ليلى، ويرعيان الحب والهوى، ولذلك يجد في الجبل موطن الذكرى، ويحن إليه مثلما يحن إلى ليلى، فيقول:
|
|
تلك هي رؤية بعض الشعراء إلى الجبل، وهي رؤية متنوعة مختلفة اختلاف الشاعر والثقافة والعصر والبيئة، وفي النصين الآتيين اختلاف واتفاق، بين شاعرين، الأول عمر أبو ريشة والثاني تيوفيل غوتييه . - 3 - قال عمر أبو ريشة في قصيدة له عنوانها: "افرست" (1961):
|
|
يستهل الشاعر قصيدته بخطاب الجبل متوجهاً إليه بالتمجيد مستخدماً أسلوب القَصْر مؤكداً أن لاقوة ترقى إلى هذا الجبل سوى الظن، وهو يستفتح هذا التمجيد بقوله: " إليك"، بما في هذا القول من إيحاءات ، وكأنه ابتهال يرتفع من الأدنى إلى الأعلى، ثم يستخدم أسلوب الاستثناء ليقصر الارتقاء على الظن وحده، فيقول: "غير الظن"، و"غير" هنا تنفي كل ماعدا الظن، والظن في هذا السياق ليس بمعنى الشك أو الحسبان، إنما هو قوة فاعلة قوامها كل ماهو غير حسي أو مادي أو محدود، والغاية منها مطلق القوة القادرة على التخيل، ويؤكد ذلك الفعل "يرتقي"، الذي يدل على أن الغاية ليست الشك والاتهام وإنما السمو والارتقاء، ويؤكد ذلك السمو ثانية تقديم الجار والمجرور "إليك"، مما يجعل خطاب الجبل أشبه بالابتهال، يقدم إلى ماهو سامق عال، والعلو صفة مكانية ولكنها تدل على قيمة دينية وأخلاقية واجتماعية عالية، وهكذا تتضافر منذ الافتتاح العوامل كلها من تقديم الجار والمجرور "إليك" ومن حصر القدرة بقوة متسامية هي " الظن " ثم استخدام الفعل " يرتقى " لتؤكد معنى الارتقاء والسمو. ثم يجيء نداء الجبل باستخدام صورة كونية تصل مابين الأرض والسماء، فإذا الجبل عملاق ضخم يتخذ من الغيم عصابة يلف بها رأسه، وهذه الصورة تتسق مع ماسبق من تأكيد السمو والرفعة، واعتماد الظن وحده وسيلة للارتقاء وإدراك عظمة هذا الكائن. وصورة الجبل وقد لف الغمام على رأسه مثل عصابة صورة قديمة، سبق إليها الشاعر الأندلسي ابن خفاجة. ولكن تصوير الجبل في هيئة رجل عند عمر أبو ريشة لم يكن غاية في ذاته، لذلك جاء موجزاً، ولم يسهب فيه، ولم يدقق في تفاصيله، ولم يسترسل وراءه. وصورة الجبل يلف الغمام على رأسه توحي ثانية بالارتفاع والسمو نحو الأعلى، تساعد على الإيحاء بها تلك المدّات الطوال، في نداء البعيد، حيث يقول: يــا " مد" عــا "مد" صب ، ويساعد على تأكيد معنى التمجيد والابتهال، التركيب نفسه، وضرورة قراءته، بوقفتين توحيان بالتعظيم، الأولى، بعد إليك، والثانية بعد الظن، وهاتان الوقفتان تساعدان على ربط إليك بـ لايرتقي، كما تساعدان على تأكيد القصر على غير الظن، ومما لاشك فيه أن نبرة قراءة (غير الظن) ستكون منخفضة نسبياً لتوحي بالابتهال، على حين ستكون نبرة قراءة (إليك) أعلى لتوحي بالجلال. ولتتساوق بعد ذلك مع قراءة (لايرتقي) بما فيها من علو النبرة فتوحي بالعلو والسمو، ثم تجيء قراءة الشطر الثاني: ياعاصب الغيم على المفرق، بشيء من التغني والتطريب، مع الإشادة والتمجيد في ياعاصب. وفي البيت الثاني يأتي بيان ذلك العلو ، فهو تعبير عن شوق الأرض إلى البعيد، وجاء هذا المعنى مؤكداً باللام: لأنت، وتلاه الضمير: أنت، ليوحي ثانية بالتمجيد والتعظيم، ثم جعل هذا العلو مجلى الأرض في شوقها إلى البعيد، ولفظ مجلى مشتق من الفعل جلا يجلو، بمعنى كشف يكشف، وفيه إيحاء بالنصاعة والوضوح والنقاء، مما يتسق مع معنى السمو ومع طبيعة هذا الشوق. وهو شوق خاص متميز، ليس شوقاً إلى جسد مسف، ولا تعبيراً عن رغبة منحطة، ولا تطلعاً إلى غرض دنيء محدود، إنما هو شوق إلى البعيد، وهذا البعيد، يوحي بالعظمة والقوة، كما يوحي باستحالة الوصول، فيؤكد النقاء والسمو، ومن هذا البعيد يكتسب الشوق قيمة جديدة، فهو شوق متسام، وهو شوق خاص. وتأتي بعد ذلك صفتان اثنتان تميزان ذلك البعيد، وتضيفان إليه ماهو خاص، فإذا هما صفتان مميزتان وليستا فضلة. والصفة الأولى لذلك البعيد هي أنه مترف، أي إنه راق وسام وليس دانياً ولا وضيعاً، وفي المترف إيحاءات الشفافية والاكتمال، لأن الترف لايكون في الحاجات الأولية، إنما يكون فيما فيه اكتمال. وتأتي الصفة الثانية للبعيد فإذا هو شيق، أي إنه جذاب وليس ببارد ولا هادئ ولا ساكن، وبذلك يكتسب البعيد قيمة الحركة والحياة. وهكذا تتخلص الأرض من أرضيتها، من خلال الجبل، وتترفع فوق الدونية والحاجة والمادة، لتسمو بالجبل إلى ماهو بعيد، أي إلى ماهو راق وسام. ومن هنا كان من اللازم استخدام لفظ الظن، من أجل الارتقاء إلى ذلك الجبل، وكان من الضروري أن يكون الظن وحده القوة القادرة على الارتقاء، لأن ذلك الجبل ليس بجبل من حجارة ومادة وجسد. ولا بد من ملاحظة أن البعيد هو في حد ذاته صفة لموصوف محذوف، وليس البعيد تعييناً لشيء محدّد، وفي هذا مايؤكد أن هذا البعيد هو مقصود لذاته، وأنه بعيد في ذاته أيضاً، وليس محدداً في موضع أو مكان أو شيء مجسد أو غرض محدد، فإذا هو بعيد مطلق مجرّد، وفي هذا مايكسبه مرة أخرى صفة السمو والرقي والنقاء، إنما هو سمو وتطلع نحو بعيد مترف وشيّق. إن قراءة (لأنت) تحتاج من غير شك إلى تأكيد وتثبيت وتركيز وعلو نبرة مع وقفة صغيرة تمنحها القوة ليكون الانتقال القوي أيضاً إلى (مجلى الأرض)، مع تركيز وتثبيت في النبرة والصوت لتأكيد قوة الجبل. ثم يأتي بعد ذلك المد الطويل الهادئ في ثلاثة مواضع ليوحي بالبعد، والسمو، والعلو، ولا بد أن يكون الصوت ههنا ممدوداً مدّ الحلم والظن والخيال، في المواضع الثلاثة، وهي الياء والألف ثم الياء في قوله : في شوقها إلى البعيد . فلا بد من مدّ ياء (في) ومد ألف (شوقها) ثم مد ياء (البعيد)، وهي مدود توحي بامتداد الشوق مثلما توحي ببعد ذلك البعيد المترف الشيق. ويأتي البيت الثالث ليكشف بعضاً من سرّ ذلك الشوق، فثمة نجم غازل الأرض، وفي النجم هنا، وهو نكرة، إيحاءات البعد، والنور، والسمو، واستحالة الوصول، وفي التنكير، دلالة على مطلق النجم، ولا محدوديته، أي إنه ليس بالنجم المحدد، أو المعروف، أو الشخصي، وبذلك يكتسب ذلك الغزل قيمة مميزة، فإذا هو غزل بريء، نقي سام بعيد، وإذا هو محض غزل، غير شخصي ولا محدد، أي إنه مطلق الشوق. ثم تأتي صفة لذلك النجم فهو نجم " غوي السنا "، وهذه الصفة تقدم ماهو مدهش إذ تجعل ضياء ذلك النجم ذا غواية، ومما لاشك فيه أن هذه الغواية هي غواية النور، وما هي بغواية الجسد أو ضلالة المادة، فهي غواية البعيد المترف الشيق. ولا بد من أن يلاحظ أن هذا الغزل قادم من نجم بعيد، إلى الأرض، أي إنه قادم من كون رحب واسع بعيد، إلى مكان محدود ضيق، وهو بعد ذلك يهز الأرض من خدرها الضيق، أي يبعث فيها الحياة، ويفيض عليها من بهائه. وتتضح المفارقة بين الكون الواسع الرحب البعيد الذي يأتي منه ذلك السنا الغوي، وبين الأرض في محدوديتها ولبثها في مكانها الضيق، لذلك فإن مثل ذلك الغزل قد هزها من خدرها الضيق. إن صفة الضيق للخدر ليست صفة زائدة، وإنما هي صفة إيحاء يشير إلى مثل تلك المفارقة كما يمهد للبيت التالي : حيث ستنتفض الأرض. وتلاحظ الحركة الواضحة في فعلي غازلها وهزها، وهي حركة سريعة في الفعل الأول، تقوم على مدتين طويلتين بينهما ثلاث حركات متتابعة، غازلها، والمدتان الطويلتان توحيان ببعد ذلك الغزل، وطول المسافة بين الأرض والنجم، ثم يأتي الفعل الثاني وهزها، بحركتين اثنتين تعقبهما حركتان اثنتان تنتهيان بمد طويل، وتكرار الحركتين الاثنتين يوحي بالهزهزة، كما أن المد الطويل يوحي بالبعد ثانية. ويلاحظ في هذا البيت تكرار حرف الغين في (غازلها نجم غوي السنا) وهو حرف رخوي لين يوحي بالغزل والدغدغة، كما يلاحظ تكرار الهاء أربع مرات، اثنتان منهما متباعدتان في الأول والآخر واثنتان منهما متجاورتان في الوسط مما يعطي إيقاعاً موسيقياً منتظماً ومثل هذه الهاء المتكررة توحي بالحركة والاهتزاز، كما يلاحظ مافي الشطر الثاني من ليونة في القراءة واسترخاء وامتداد بما يشبه التأرجح والدغدغة: غازلها نجم غوي السنا وهزها من خدرها الضيّق ومن الطبيعي أن تنتج عن تلك المغازلة انتفاضة وثابة، فتتابع الحركات، حركة فثلاث حركات، ثم حركة فثلاث حركات، فانتفضت تهتف يا، وفي هذه الحركات المتعاقبة ثلاثاً ثلاثاً مايوحي بسرعة الحركة وقوتها مما يتلاءم مع الانتفاضة والهتاف، وينسجم أيضاً أن يكون هذا الانتقاض من ذلك الخدر الضيق كما ينسجم أيضاً أن يكون هذا الهتاف لذلك النجم البعيد. ويتحقق هذا الهتاف بالنداء بوساطة يا المخصصة للبعيد وبما فيها من مدّ طويل يناسب البعد، وهو هتاف يتكرر مرتين. فانتفضت تهتف : " ياخصره قرّبْ ويا وَجْدي بــه طـوِّق " وتلاحظ طبيعة هذا الهتاف من الأرض، فهو هتاف ذو بعدين، الأول موجه إلى النجم كي يقترب، والآخر موجه إلى الوجد كي يطوقه. فالبعدان متجاوبان، أحدهما إلى خصر النجم والآخر إلى وجد الأرض، كي يكون اللقاء بفعل من الطرفين معاً. ويلاحظ ورود كلمة وجد بدلاً من شوق السابقة، ومما لاشك فيه أن الوجد هنا أقوى وأكثر دلالة على الرغبة والتوتر والانفعال، وهو أكثر دلالة على هذه الحالة: حالة مغازلة النجم واستجابة الأرض. وهي حالة تجاوب بين الطرفين قوامها مغازلة من نجم بعيد سام وانتفاضة من أرض ضيقة ساكنة متلبدة، ومثل هذه الاستجابة من الأرض هي دليل انعتاق من القيد الأرضي وانبثاق مما هو ضيق ومحدود وتطلع نحو ماهو أرحب وأوسع وأبعد وأسمى وأعلى. إن هتاف الأرض هو صيحة الوجد والشوق التي يحسّ بها الصوفي عندما يستلب في حضرة المحب، فيصيح (يا)، إذ لايملك سوى صوته يهتف به، ويده يرفعها إلى الأعلى هاتفاً يا، لعله يتخلص من الأرض ويرتفع. إن هذه المغازلة وذاك الهتاف يمثلان لحظة تجاوب، بل لحظة إشراق، هي كلحظة تماس بين قطبين، تتولد منهما شرارة، ولكن ليس هنا ثمة تماس، إنما هنا إشارة ونداء، تنبثق عنهما لحظة وجد، تكون فيها مثل تلك الصيحة يا. وفعل "قرِّب" نفسه يدل على رغبة كامنة حدودها مجرّد القرب لا الوصول، لأن الوصول مستحيل، وكل مايرجوه النداء هو محض القرب، وهنا يأتي البيت الأخير ليكشف ذلك كله ويؤكده. فكنت منها اليد ممتــدة ولم تـزل ممتدة .. ياشقــي إن اللقاء لايتحقق، ويظل الشوق باقياً، مثلما تظل اليد ممتدة، وما هذه اليد إلا هذا الجبل العظيم الذي انبثق من الأرض ممتداً نحو ذلك النجم. وهكذا تظل اليد ممتدة إلى الأعلى، ممثلة في الجبل، تشير إلى ماهو سام وبعيد وراق، مستحيل الوصول إليه، كما تشير إلى رغبة مستمرة دائمة في الاقتراب، ومن هنا تتولد المعاناة متمثلة في خطاب الشاعر للجبل: " ياشقي". إن البيت الأخير هو تعليق من الشاعر على تلك اللحظة الخاطفة التي تم فيها الانبثاق والتعبير عن الشوق، ولذلك يؤكد الشاعر أن هذه الأرض ممثلة في الجبل الذي هو يدها، ستظل تعاني من الشوق، وتكابد الوجد، وتستجيب إلى النجم الغوي السنا، وتهتف به، فهي أبداً شقية، والشقاء هنا لايعني سوى المكابدة واستمرار المعاناة. إن النداء الأخير في القصيدة ياشقي دليل على استمرار الوجد والشوق، ودليل على ديمومة تلك اللحظة، لحظة الوجد والكشف، واستمرار التوجه نحو الأعلى، متمثلاً في تلك القمة التي لايرقى إليها غير الظن. ومن هنا يكتسب الظن معناه الجديد، الذي يؤكد أن العقل والعيان والمادة معايير لايمكن بها فهم مثل تلك التجربة، وأنه لابد من الظن والحدس والخيال، للإحاطة بتلك الحالة. ويؤكد ذلك كله قوله: فكنت منها اليد ممتدة، ولم تزل ممتدة. إن فعل الكون هنا هو فعل صيرورة وتحول إلى وجود كالخلق الجديد، فالجبل لم يعد جبلاً، إنما صار يداً ممتدة، كيد الصوفي الممتدة إلى أعلى. واسم الفاعل ممتدة، يدل على الاستمرار، وكأنه الفعل المضارع، يمتد، وما سمي الفعل المضارع بهذا الاسم إلا لمشابهته اسم الفاعل، ويؤكد ذلك ثانية صيغة الاستمرار المباشرة: ولم تزل، وهذا التكرار نفسه يؤكد الاستمرارية. وهكذا يأتي البيت الأخير ليكشف حقيقة الجبل، وحقيقة التجربة، فما الجبل بجبل، إنما هو يد صوفي ترتفع إلى أعلى، يبغي القرب. ومن هنا يكتسب الظن في البيت الأول قيمة جديدة. إذ يؤكد أن العقل والعيان والمادة ليست بنافعة في الرقي إلى الجبل، ولا بد من الظن، ويلاحظ مافي البيت الأخير من تكثيف في الحروف والألفاظ، وإيجاز في المعنى، واختصار، وهو بيت لاغنى عنه لأنه يقول كل شيء، ويعطف ثانية، بصورة غير مباشرة على القصيدة كلها. إن البيت الأخير ليس لحن الختام، وليس انتهاء، إنه بداية جديدة، تضطر القارئ للعودة إلى القصيدة ليعيد قراءتها، ويفهمها فهماً آخر، على ضوء قوله : ياشقي. إن كلمة "شقي" مصباح يضيء القصيدة وهو يذكر بقول المتنبي: ذو العقل يشقى في النعيم بعقله وأخو الشقاوة في الجهالة ينعـم - 4 - ومن حق الشاعر ألا يضع للقصيدة عنواناً آخر غير عنوانها: إفرست، الذي هو دليل على القمة، وما القمة هنا إلا قمة التجربة، وذروة المعاناة، هي قمة الصوفي وهو يتطلع إلى الكلي المطلق وينتظر منه إشارة كي ينتتقض ويهتف يا، ويظل يمد اليد إليه طالباً القرب. وهكذا ترقى القصيدة من الجبل والأرض والحجر، إلى الوجد والشوق والشقاء المستمر، أي ترقى من كل ماهو مادي حسي، إلى ماهو روحي كلي مطلق. والقصيدة تمتاز بعد ذلك بالإيجاز الشديد، والتكثيف، فليس فيها ماهو زائد، لافي اللفظ ولا الحرف ولا البيت، بل هي ذات وحدة، متماسكة، وهي موجزة، قوامها الومضة، والإشراق، هي تمثيل لحالة الوجد التي يحسُّها الصوفي، لاتدوم إلا كلمحة الطرف، ولا يستطيع إدراك تفاصيلها أو جزيئاتها، وحسبه الكلمات. وإيقاع القصيدة سريع، وهي منظومة على البحر السريع، وحين يحصي المرء الكلمات المتعلقة في القصيدة بالسمو والارتفاع من أفعال وأسماء يجدها الغالبة، فمن أسماء الارتفاع والسمو: الظن، الغيم، المفرق، الشوق، البعيد، المترف، الشيق، نجم، السنا، وجد، اليد، ممتدة، شقي، ومن أفعال السمو والارتفاع: يرتقي، هزها، انتفضت، تهتف، يا، وقليلة جديدة هي ألفاظ الدنو، ومنها: الأرض، غازلها، خدرها، الضيق، قرّب، وهي في طبيعتها ألفاظ دنو، ولكنها في القصيدة تتحول إلى السمو والارتفاع. ولئن دل ذلك كله على شيء فإنه يدل على أن القصيدة هي تجربة صوفية تحلّق في فضاء السمو، وليست قصيدة وصف لجبل. إن الشاعر لايصف جبلاً، ولا يصور مادة، إنما يعبر عن تجربة إنسانية، قوامها السمو، وهو يتعامل مع الجبل ليس بوصفه حجارة، وإنما بوصفه خبرة إنسانية. والشاعر في ذلك لايقلد ابن خفاجة، ولا غيره من الشعراء، وإنما يمتلك تجربته الخاصة. قصيدة موجزة مكثفة، لاتزيد عن خمسة أبيات، يعبر فيها الشاعر عن تجربة متميزة، تملأ الكون والفضاء، وتصل مابين الأرض والسماء، لايصف فيها جبلاً، ولا يقصد إلى الموعظة والاعتبار، إنما يقدم تجربة فنية متميزة، تلك هي قصيدة أفرست. ومن الظلم للقصيدة إدخالها في باب الوصف أو التصوير، فما هي من هذا ولا ذاك في شيء. وعنوانها افرست، لايوحي بصورة جبل جامد ساكن، إنما يوحي بحالة أخرى مختلفة هي الذروة أو القمة وما يكون فيها من معاناة، والجبل ليس كتلة، وإنما هو ارتفاع، وفي الارتفاع من معاني السمو والنقاء مايمكن أن تفهم على ضوئه القصيدة . إن المكان عند الشاعر لايبقى مجرد مكان، أو مادة للوصف والتصوير، وإنما يتحول إلى قيمة، وبما أنه مكان مرتفع، هو القمة، بل هو أعلى قمة في العالم، يغدو قيمة مطلقة تدل على الجمال الكلي والحب الكلي والشوق الكلي إلى لقاء ماهو كلي أي يصبح المكان العالي تعبيراً عن شوق إلى لقاء الكلي وهو لقاء مستحيل. ومن هذا الطموح إلى لقاء المستحيل يكون ذلك العلو الشاهق أو السمو العالي المتصاعد، أو بالأحرى يكون الانعتاق من الجسد الأرض نحو البعيد المترف الشيق. وثمة حركة في القصيدة، قوامها الشوق المتقد، ومغازلة النجم، وما بينهما من لقاء لن يتحقق، وبذلك تظل الحركة مستمرة، لاتنتهي، اليد تمتد دائماً، والنجم يغازل دائماً، ولا ينتهي الشوق والحرمان، وبذلك تترسخ ثانية قيم السمو والنقاء والبراءة من خلال حركة غير منتهية، وعدم الانتهاء هو بحد ذاته قيمة عليا. والبعد بين الجبل والنجم يزيد من اشتعال الرغبة، واشتعال الرغبة يزيد من حرمانها، وهكذا دواليك في حركة غير منتهية أيضاً، مما يؤكد دائماً معنى السمو والصفاء والنقاء. ولعل الصورة ترجع فنياً في أبعادها اللاشعورية غير المباشرة إلى تمثال الحرية الذي ينتصب على جزيرة مانهاتن مقابل مدينة نيويورك مرتفعاً في الفضاء نحواً من 46 متراً على قاعدة تماثله في الارتفاع، وهو يمثل فتاة ترفع بيمناها مشعلاً إلى أجواز الفضاء، متجهة نحو الأطلسي، وهو التمثال الذي صنعه المهندس الفرنسي فريدريك بارتهولدي وأهدته فرنسة إلى أمريكا عام 1884 في ذكرى استقلالها. وإذا كان تمثال الحرية في أمريكا يعلو فوق البحر نحواً من 80 متراً، فإن قمة ايفرست في جبال هيملايا على الحدود بين نيبال والتيبت تعلو فوق البحر 8888 متراً. وإذا كان عمر أبو ريشة قد رأى تمثال الحرية عندما عمل سفيراً لبلاده في أمريكا، فإنه عاش قريباً من إفرست عندما عمل سفيراً لبلاده في الهند، ولذلك ليس غريباً أن تثير قمة افرست خياله، وليس غريباً أن يكون تمثال الحرية في عمق ذلك الخيال. ومما لاشك فيه أن قمة ايفرست هي الأقرب إلى نفسه، لأنها تقع في الشرق، حيث موطنه، ولأنها الأقرب إلى الهند، حيث أقام علاقات ودية أكثر مما أقام مع أمريكا، ولأن قمة ايفرست قبل ذلك كله هي من خلق الله. - 5 - وقال الشاعر الفرنسي تيوفيل غوتييه (1811- 1872)، في قصيدة له عنوانها: "السيرا": أحبّ الجبال الشامخة والعاتية حبّاً لا حدّ له فالأغراس لاتجرؤ أن تضع فيها أقدامها الواجفة المخذولة وعن الوشاح الفضيّ الذي يغشّى ذراها ينبو المحراث ويتثلّم على مرتفعاتها المعوجة فلا الكرمة ذات السواعد اللصيقة ولا القمح المذهب، ولا الزؤان لاشيء مما يذكّر بالإنسان وعمله اللعين. وفي هوائها الحرّ والصافي تطير أفواج النسور وصدى الصخور يردّد أغاني الخارجين عن القانون إنها لاتنتج شيئاً ولا تفيد ليس لها سوى جمالها، وهو زهيد وأنا أدرك ذلك. لكنني أوثرها على الحقول الخصبة والثرية التي هي نائية عن السماء حتى إننا لانشاهد من خلالها الله. يعلن الشاعر منذ البدء صراحة عن حبه الجبال العالية، حبّاً لاحدّ له، وهو يحبّها لعدة أمور، يعدّدها بالتتابع، وهذه الأمور تنقسم بوضوح إلى قسمين، في القسم الأول يحبها لأن الغراس الضعيفة لايمكن أن تنمو فيها، والمحراث لايستطيع الوصول إلى قمتها المتوجة بالثلج، وهي لاتنبت القمح ولا الكرمة، فهي بعيدة عن المنفعة المباشرة، وهي بعيدة عن الإنسان وأعماله اللعينة، وهو بذلك يحبها لما تمتاز به من عزلة وبعد عن المنفعة وما تتسم به من منعة وقوة وعلو. وفي القسم الثاني يعلن عن حبه الجبال العالية لأنها تتمتع بالحرية والمنعة ولبساطتها وجمالها العفوي ، ففي هوائها النقي تعيش النسور، وفي منعة صخورها يحتمي الخارجون عن القانون، وجمالها عفوي وبسيط، وهي بعيدة عن الحقول الواطئة، حيث يشغل الناس بالحياة اليومية، ويبتعدون عن الله، في حين يكون الشاعر قريباً منه في الجبال (وهو قرب شعري مجازي وليس قرباً حقيقياً، لأن الله تعالى ليس متحيزاً في مكان). وواضح أن الشاعر يعلن عن موقفه صراحة ومباشرة منذ بدء القصيدة، وهو لايتردد عن تكرار ذلك في تضاعيفها، وهو يعي هذا الحب، ويدرك أسبابه السالبة والموجبة، بل يعددها تعداداً منطقياً واضحاً، في ترتيب متسلسل، مما يجعل القصيدة خاضعة للوعي والعقل، ومعبرة عن إدراك واضح، وعقل يبرر الأمور ويفسّرها ويعدّدها تعداداً. ومما لاشك فيه أن هذا كله لايقلل من قيمة القصيدة بل يزيدها قوة وجمالاً، ويجعل الوضوح سمة من سماتها الجمالية المميزة. وهذا البناء المنطقي المتسلسل يعطيها وحدة وتماسكاً ويزيد من قوة تأثيرها. ويلاحظ تدرجها من السلب إلى الإيجاب، فهي لاتؤوي الغراس الضعيفة، ولكنها تؤوي النسور القوية، والمحراث يعجز عن بلوغ قمتها، في حين يبلغها الخارجون عن القانون، وهي لاتقدم المنفعة ولكنها تقدم الجمال الطبيعي العفوي البريء، وهي لاتتعلق بما هو يومي وعابر وزائل، من طعام وشراب، كما يحدث في السهول الواطئة، ولكنها تتعلق بما هو أسمى وأرقى وأبقى، إذ إنها تذكِّر بالله. وهذا التناظر بين السلب والإيجاب يمنح القصيدة حركة ذهنية فاعلة، ثم يقود في الختام إلى بلوغ الكمال المتمثل في الكلي المطلق وهو الله. إن السطر الأخير من القصيدة، يضيء القصيدة كلها، وما هو بختام لها، إنما هو افتتاح جديد، ولا بد للمرء من أن يعيد قراءتها في ضوء الكلمة الأخيرة منها وهي "الله ". إن الله تعالى هو المثل الأعلى الذي يكسب القصيدة كلها قيمة مطلقة، ويجعلها قصيدة عشق صوفي، تمجد الجمال والجلال، وتنأى عن الضعيف العابر والزائل والمؤقت. إن الجبل يتحول في القصيدة من بعد مكاني إلى قيمة أخلاقية وجمالية، وبما أنه مكان مرتفع وعال، فهو مرتبط بكل ماهو نقي وبريء وسام، بل بما هو مطلق وخالد وباق أبداً. في حين تبرز الحقول المخصبة الواطئة معبرة عن كل ماهو زائل وعابر مما يهتم به البشر القانون وينأون به عن السماء ولا يرون الله. والقصيدة تعبّر عن نزوع برناسي قوامه تمجيد الطبيعة، لجمالها البريء النقي من الأغراض، وتغليب الجميل على المفيد، والتعامل مع الكون على أساس المتعة لا المنفعة، وغاية الفن في المذهب البرناسي هي الجمال الخالص، والرقي بالإنسان نحو المثال المطلق وجمال القصيدة في المذهب البرناسي يتمثل في شكلها لافي مضمونها وعليه لابد من العناية بالألفاظ وانتقائها وعمل الشاعر كعمل النحات الذي ينحت في الرخام، وعلى الشعر بعد ذلك أن ينأى بنفسه عن الأغراض الدنيوية والاجتماعية والسياسية، وأن يظل وفياً لقيم الجمال وعالم المثل. وتتفق القصيدتان في اتخاذهما من الجبل موضوعاً لهما، وفي تحويلهما المكان المرتفع من بعد مكاني مرتفع إلى قيمة جمالية وأخلاقية عالية تسموان بها حتى تصلا إلى الكلي المطلق. كما تتفق القصيدتان في الإيجاز الشديد والتكثيف وفي حدة النص ومتانة بنائه وتحقيقه الوحدة العضوية وقوة البناء، وفي الوصول إلى نهاية تضيء النص كله وتعد مفتاحاً لفهمه، بل تعد بداية جديدة وليست ختاماً. وتختلف بعد ذلك قصيدة غوتييه عن قصيدة أبو ريشة بوضوحها ومباشرتها وبنائها العقلي المنطقي وفي تسلسل أفكارها وفي رؤيتها العقلية. في حين تمتاز قصيدة أبو ريشة برؤيتها الوجدانية وتعبيرها الحدسي غير المباشر واعتمادها على الحركة والتوتر والانفعال وفي إيمائها إلى غرضها إيماء من غير مباشرة. وتتشابهان بعد ذلك في العنوان، فهو عند أبو ريشة قمة سامية محددة معروفة هي "إفرست" وقد ناسبت التجربة التي وصل بها إلى ذروة الوجد، والعنوان عند غوتييه "السيرا"، وهو الجبل، على إطلاقه دون تخصيص، وهو مايتفق أيضاً مع مضمون القصيدة التي تمجد مطلق الجبل، وليس جبلاً بعينه. - 6 - وقصيدة أبو ريشة هي نتاج ثقافة عربية إسلامية، من مظاهرها التصوف،الذي هو رغبة في الانعتاق من قيد المادة،والتطلع إلى كل ماهو روحاني خالد،وتتمثل في الحب الإلهي. وقصيدة غوتييه هي نتاج ثقافة غربية أوربية، ضاقت ذرعاً بمجتمع المدينة، والحياة المادية، وإذا هي تتطلع إلى كل ماهو طبيعي وروحاني. وواضح أن القصيدتين تنتسبان إلى طراز من الشعر رفيع، وإنه لمن الصعب القول بتأثر عمر أبو ريشة بتيوفيل غوتييه، ومرجع هذا التشابه إلى وحدة الشعور، وسمو التجربة، ورقي الفن. المصادر أبو ريشة، ديوان عمر أبو ريشة، دار العودة، بيروت، 1988، ص 131- 132. 2- حاوي إيليا، البرناسية، دار الثقافة، بيروت، 1980، ص 42- 43. |