هيســـــــــــــــــــتريا

قصتــان

تدافعت أجسامهم .. تداخل ركضهم ، حتى اعتلت سيقانهم ـ سابقة و لاحقة ـ طوار المحطة .. تدفع أيديهم ، و تدافع عن وجه يتخفى خلف قناع ..

كلل صخبهم العاتى ، جبين صمت الليل البارد ، المحلّق بصفير هوائه حول عربة الترام  ، المدركة لتوها محطتها التى كانت خاوية ؛ لتتكالب ـ بغتة ـ كشلال صاعد أجسامهم .. تنحشر بباب العربة التى ارتجت على فراغها إلا من متناثرين على مقاعد جلدية كالحة .. يلتحفون بصمت مكدود ، و معاطف و شنط ، و أشياء أخرى ، و أيد مكتوفة على صقيع أبدانها .

تدافعوا فى جوف العربة ، محتشدين بصياحهم و عويلهم المتنامى ، مختلطآ بضحكات ماجنة .. شاخصين بـ  (جاكيتات)  مرفوعة الياقات ، و أعناق تلتف حول بعضها التلافيح ، و رؤوس تغطيها طواق صوفية تختفى فيها الآذان ، و أخرى عارية مهوش شعرها ، و قصير ، و يستطيل بعضه حتى يبلغ الأكتاف .

توغلوا بزخم خانق لروائح تدخين سجائر ، مختزنة ، تسكن الأبدان .. تنطلق مع الأنفاس الملتهبة.

تجلت وجوههم ، النابت فيها زغب حائر و الأخرى المنذرة بلحى بكر ، بانفعال .. برود .. احمرار .. اصفرار ، و عيون يتطاير منها شرر عابث ، و أخرى خابية تترقب .

تقافزوا حول قناعهم ، الذى بدا وحشياً غارقاً في سواده ، ثم أفسحوا له طريقاً ؛ كي يفغر فاهاً عميق الظلمة ، و تبرق من خلال عينيه المعتمتين نقطتا ضوء .. تتلاشيان مع ضوء العربة الخافت .

تمايل برأس ضخم متهدل ، و انطلق يبادلهم صراخاً عاتياً ، خلف أجسامهم المهرولة ، نحو المقاعد الخالية .. تفترسهم قهقهات ماجنة تنتفخ لها عروق رقابهم و جباههم .

تنططوا على المقاعد صارخين .. يستطلعون الهلع البادى على وجوه ساكنى العربة ، الملتزمين أماكنهم ملجومين .

باغتت يد أحدهم ، متسللاً من مؤخرة العربة ؛ لتنزع بخفة ، القناع عن وجه بدا مع اشتعاله بالاحمرار و العرق الغزير ، أليفاً مستأنساً ، أصابته دهشة ـ مختلطة بوجل ـ فكشَّر عن أنياب صغيرة ، و مضى متلهفاً على وجهه المستعار ، الذى صاروا يتقاذفونه بين أيديهم ساخرين ، ثم انتفضوا ـ على حين غرة ـ بقهقهاتهم الصارخة و ولولاتهم ، و هاجوا و ماجوا ، و انطلق صياحهم كالرعد ، و التفوا حول بعضهم متلاحمين .. يخبطون بأكفهم جدران العربة بقوة صارخين فى سائق العربة ، المتسارع بها و بنظراته المرتعدة المتلفتة ، آمرين بوقوف قسرى مفاجىء ، قبل وصول العربة محطتها التالية ...

توحّـــــــــــــــــــــــد

 

توافقت حركة ارتقاء قدمها اليسرى ـ بمشقة ـ مع تشبث يدها اليمنى ، بارزة العروق ، بالكرسى الملاصق لباب العربة . كاد الباب يرتد مطبقآ على جسمها المنحشر ...

من داخل العربة ، امتدت يد فتية .. تلتقط يسراها . انفرج ساعدها ـ الذى كان مضموماً على (صرة)  قماش . امتدت يد أخرى من الكرسى الخلفى ؛ لتدرك (الصرة)  قبل وقوعها .

بوهن القفزة المشحونة بالألم ، لم تبال لاشتباك طرف جلبابها الأسود بعتبة ارتقاء العربة ، ثم بأسفل كعب قدمها ، و لا لسقوط طرفى الشال على صدرها ؛ ليحتويها فراغ الكرسى المكتنز .

قبل أن تهمد لتلتقط أنفاسها ، التفتت لتسترد صرتها ، ثم تربت على الكتف المجاور لكتفها ، و يلهج لسانها ، و صدرها اللاهث بدعاء خافت ، مع نظرة زائغة من خلف زجاج نظارتها المقعر .

و قبل أن تتحرك العربة ، همس صوت غريب من خارجها :

ـ الأجرة خالص يا حاجّة ...

هبطت دهشة عابرة ، امتزجت بسرور خفى ، على ملامح جبهتها المكرمشة . ابتلعت كلمات امتنانها المخلوط بالخجل ، مع التقاء حركة الهواء المقابلة لاتجاه انطلاق العربة ، مع غطاء رأسها .

استقرت نظرات عينيها . هدأ صعود و هبوط صدرها ؛ فراحت تشد طرف الجلباب من أسفل كعب قدمها .. ترفع شالها الساقط .. تلفه بوهن حول رقبتها ، ثم أمّنت على كيس نقودها المنكمش ، مستسلماً لقبضة يدها المرتعشة .

استدارت بنظرة باسمة إلى يسارها و خلفها ؛ لتكشف عن فمها الفارغ إلا من بعض أسنان متناثرة . اصطدمت بوجوه مصوبة نحوها .. يتنازعها الوجوم ، النظر السارح ، و ربما انفلتت من أحدها بسمة خفيفة مرتابة . ابتلعت كلمات توددها ، التى همت تتلفظ بها ، و ضمت ذراعيها أكثر على صرتها، و انطبق فمها على مسحة حفت تغضنات أسفل جفون عينيها، بأسى.

محمد عطية محمود