لمّ الشمل مطلب وطني


سوسن البرغوتي

بعد مضي ستين عاماً على نكبة فلسطين الأولى، وتفرق الشعب الفلسطيني بين غياهب المنافي، وبين البقاء تحت نير الاحتلال الصهيوني، ثم انقسامهم ثانية بفعل الاحتلال الإحلالي إلى فلسطينيين يقيمون في  القطاع وفلسطينيين يقيمون في الضفة، ومخيمات في كلا المنطقتين تضم المبعدين قسراً عن مدنهم وقراهم، بدأت التحركات الفلسطينية والعربية المؤمنة بعدالة القضية الفلسطينية لإيجاد ساحات التقاء وتواصل بين الفلسطينيين في الداخل وفي الضفة والقطاع مع أهلهم في الشتات، وكان التوجّه لتحقيق ذلك من خلال ملتقيات ومؤتمرات ثقافية.
إن هذا التوجه، وتلك
الأنشطة المحمودة تمثل خطوة أولى صحيحة لمد الجسور وتفعيل التكاتف والتعاضد شعبياً بصرف النظر عن الانتماءات الحزبية والتلاوين الفكرية.

وفي وقفة تأمل حول ملتقى دمشق للمثقفين والوطنيين الفلسطينيين والعرب، تدعونا إلى تفعيل وتطوير مثل تلك الأنشطة، وتكريس الهدف منها على الصعيد الإجتماعي والسياسي والثقافي لإيجاد نقاط تلاقي، والتأكيد على وعي الذاكرة والاستمرار بملامسة وجدان وهواجس الفلسطينيين ومحيطهم العربي، وذلك بالتمسّك بالثوابت وبالحقوق الكاملة للشعب الفلسطيني، والسير قدماً لتثبيتها. ولا بأس أن نشير بأن الصهاينة يسعون دائماً إلى مدّ الجسور بينهم رغم أنها قائمة على إدعاءات وأضاليل ما يسمى بالشعارات اللاهوتية كـ (أرض الميعاد) أو (المحرقة)، ورغم أنها أكاذيب تاريخية، إلا أنهم استطاعوا كقوميات متعددة، أن يضللوا الرأي العام العالمي، ويحتلوا بالقوة أرضاً عربية، إضافة إلى تغلغلهم من خلال التأثير الإعلامي والاقتصادي العالمي.

ومن هذا المنطلق فإن الشعب الفلسطيني المنتمي إلى أمّة يستحيل شطب وجودها، أو إعادة رسم الخريطة السياسية والجغرافية لها على مسار "الشرق الأوسط الجديد"، بحاجة إلى تنظيم وعقد ملتقيات ثقافية، وإلى تحركات جادّة للعمل للمّ الشمل الفلسطيني، بالدعم من الجماهير العربية والإسلامية قاطبة، تحت معايير محددة أهمها أن تكون منابر تجمع ولا تفرّق، وتضع لبنة أساس لصرح من التفاهم الشامل الساعي إلى الهدف الاستراتيجي الذي نرجوه جميعاً.

ملتقى دمشق للمثقفين الفلسطينيين والعرب 4ـ 6/11/2007 كان ملتقى إيجابياً بكل المعايير على طريق تحقيق التجمّع والتواصل، وكانا الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الفلسطينيين ومؤسسة فلسطين للثقافة المبادرين للدعوة إلى الملتقى، وتلك الخطوة ولو أنها بداية، يفرض علينا واقع الحال أن نعمل على تطويرها، وتبنيها من جهات فلسطينية وعربية، وتشكيل شبكة خطوط للتواصل الجماعي الوطني.

إن الطرح المبدئي لهذا التفاعل بين مؤسستين ثقافيتين يدعو إلى أهمية التمسّك بالثوابت الوطنية، وبالبيت الفلسطيني الذي يمثل كل أطياف الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج، ويفرض علينا جميعاً أن نعمل بكل ما نستطيع وبوتيرة تصاعدية لإعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية على الأساس الأصل، وليس المنحرف والمخرب.

وهنا لا بد من توفر مناخ صحي بعيداً عن الاختلافات والتفاصيل الهامشية التي تغرقنا جميعاً بحوارات لا تقدم، بل تؤخر وتؤثر سلباً على القصد من تلك الملتقيات، وبذلك لا نجني غير التراجع وتبديد الطاقات، ومن الأجدى أن نسعى للإفادة من الخبرات الوطنية، التي تزخر بها ساحتنا الثقافية لصالح مشروعنا المتكامل لغاية مشرّفة.

جمع الملتقى خيرة مثقفينا، وجميعهم نعتزّ ونفخر بنتاجاتهم وحنكتهم نتيجة تجاربهم السابقة بالتعاطي مع أعقد قضية عرفتها البشرية، ألا وهي قضية احتلال وإحلال، وإلغاء ورفض كامل لأبسط حقوق الشعب الفلسطيني.

جيل الهزيمة لم يُهزم، وبقي صامداً محافظاً ومؤمناً بالمفهوم الحقيقي للتحرير، تحرير كل التراب الفلسطيني، وتلك الملتقيات تمثل الجسور بين الجيل السابق وخبرته في مسار النضال، وبين الجيل المعاصر لبناء أواصر علاقات معرفية متينة. غير ذلك لا بد سيشكل فجوات مرعبة بين الأجيال، ستقود -لا قدّر الله- إلى فراغ مظلم يقضي على أحلامنا وطموحاتنا.

تحية على قدر المسؤولية الملقاة على عاتق المجتمعين ، لتأسيس لبنة نتمنى أن يعمل الجميع على إنجاح منبر ثقافي مسموع، يتماشى ويواكب بل ويتطابق مع نضال وطموح الشعب الفلسطيني.
 

12/11/2007

 

صلونا

مداخلات   |

بوح وجداني  |

مقالات    |

روح وظـل  |

أهلاً وسهلاً  |