الشاعر  مريد البرغوثي
http://www.albarghouti.com
 

ولد في دير غسانة قضاء رام الله في فلسطين في تموز عام 1944
حاز على ليسانس أدب انجليزي من جامعة القاهرة عام 1967
حاز على جائزة نجيب محفوظ في الأدب عام 1997على كتابه رأيت رام الله
رأيت رام الله
عمل أدبي يحكي رحلة عذاب الفلسطيني .حوله مريد البرغوتي إلى عمل إنساني فذ
.استحضر الوطن بعاطفة مشبوبة ودون مرارة
تُرجم الكتاب إلى اللغة الانجليزية ، كتب المقدمة الكاتب المبدع ادوار سعيد
من دواوينه: الطوفان وإعادة التكوين-فلسطيني في الشمس-عندما نلتقي
.....منطق الكائنات وغيرهم

 

 

منيـــف
 

مريد البرغوثي

 

ويموت منا من يموت، بموعدٍ

أو صدفةٍ هي موعدٌ

وكأننا نلهو ونلعبُ في كَمينْ

 

مِنّا شهيدُ كهولةٍ أو غربةٍ

أو قُبلةٍ في الظَّهرِ

أو.. برصاصةٍ في الصدرِ

أو.. بهمومنا المتعرجاتِ على الجبينْ

 

مِنَّا شهيدُ اليأسِ

حيث تشيخ وَلْدَنَةُ الصَّبا عند الصبيَّ

وتنتهي آمالُ من ثاروا

بثرثرة الحبيب مع العدوِّ

وفي معانقةِ الضحايا للخصوم "الطيبينْ"

 

منا شهيد كلامه وغرامِهِ

وحروبه وسلامِه

والخَيْرِ تحت قميصِهِ

والشرِّ في أيامِهِ

والمرءُ فلاَّحٌ يُثَلِّمُ حَقْلَهُ

والموتُ مبذورٌ على أثلامِهِ

وحصادُه قممُ الفكاهةُ والجنونْ

õõõ

وأخي شهيد جَماله وخصاله

أناْ لم أجد رجلاً يعيش بقلب أمٍّ مِثْلَهُ!

رجل رؤومْ

فَتَكَتْ به لا كفُّ غادره الغليظةُ وحدَها

بل رِقةٌ في النفس مُضْمَرةٌ وباديةٌ

كَضَوْءِ فَراشةٍ غاصت بمخملِ وردةٍٍِ

فيبينُ جزءُ الجزءِ من كلتيهما

ويظل ما يخفى خيالاً لا يبينْ

 

وأخي شهيد خُصومة الروحِ الحريرِ

مع الأنا

وكأن فِطْرتَهُ ترى

أن النعيم الآخرونْ

 

وأخي شهيد جماله وخصالهِ

وهو الحَنونُ بنُ الحَنونةِ والحَنونْ

وهو الذي يرعى أباه، هشاشةً وترفُّقاً

وكأن والِدَهُ جَنينْ

 

وهو الذي ظلت أُمومتُهُ تُظَلِّلُ أُمَّهُ

ليرى ابتسامتها،

ويفزع أن يكون بثوب كنزتِها ولو خَيْطٌ حزينْ

 

هو شاعرٌ

والشِّعر ليس تبرجَ القاموسِ

بل نفسٌ تعاف رثاثةً تغرِي بنا، هو شاعرٌ

والشعر يجري في يديه بلا كلامْ

 

الحبُّ فيه طبيعةٌ منذ الولادة

مثلما تقضي الطبيعةُ

أن رفرفةَ الجوانحِ في الحمامْ

 

تدنو أصابعه

طيوراً في فناء الدار

تنثر رزقها حُبَّاً وحَبَّاً

ثم تعلو في التكتم والغمامْ

 

بغيابه

حرقوا حديقة مكرمات كاملة

والله إن قلنا له يَنْخاكَ محتاجٌ

سأعجبُ كيف يمنعه الضريحُ من القيامْ!

 

أيها الصيادُ الكهلُ، ذو النظارةِ السميكةِ

أيها ألأشعثُ الذي يرتجلُ شأنَهُ

أيها الذي لا يعرفُ العدلَ، أيها الموت!

سأقودك من شحمة أُذُنِكْ

وآمركَ أن تفتح عينيكَ جيداً

لترى فداحة فِعلتكَ الأخيرة!

õõõ

هذا السائر ليلاً، في انتظار قطاره

هذا الفلاح المليح

الذي تحيط به هالاتٌ وأكاليلْ

من المريمية والبابونج

والزعتر البري وعصا الراعي والخزامى

والمُرار وهندباء الجبال

مَن جرؤَ على إحناء قامته السرو؟

مَن جرؤَ على بعث كل هذه القشعريرة

في الهواء المحيط بكتفيه؟

من جرؤ على خنق الاستغاثة الأخيرة للجَمال؟

 õõõ

هو يمشي بمعطفه الكحليّ

الكرامة كلها…تحمل معطفها الكحليّ

البهاء كله ينقل خطاه على الرصيف، بحذائه الشتوي،

المودة كلها تشير كقروي طيب

يود لو يعانق المارة جميعاً

العفو كله يسرع وربطة عنقه

مائلة قليلاً بإهمال محبب…

وهنا بالضبط، هنا تحديداً

وليس حيث الأوغاد والسفلة

تقرر الظهور أيها الغدر الذي يسمونك الموت

لا لشيء

إلا لكي يصبح الكرامُ أقلَّ عَدداً

وكي ينقصوا إلى هذا الحدّ!

 õõõ

أيها الصياد الذي لا يعود بجعبة فارغة

أيها الموت

أيها البليد الملحُّ

أيها السيد الذي يستهين بالخصوم

أيها الصدفة التي تضرب مواعيدها

بالدِّقَّةِ التي تُريد

أيها المذراة التي تذرو رمالَ الناس

من جهةٍ إلى جهةٍ كلَّ يَوْمْ

أيها الواضح، أيها المتعدد

أيها المُقْنِعُ أيها الموت

أريد صاحبي أيها الموت

أيها الذي جعلته يمعن بُعداً

عن المحبوب وبلد المحبوب

وتركت في عينيَّ سخط خليقة كاملة

õõõ

سأبوح يابن أبي ويا جدي الصغيرَ

بأنَّ حزني فيكَ كان أقل من غضبي

فمنذ فجيعة الإغريق

لم يصعد إلى الأولمب مفجوعٌ كما بلدي

كأنّ الكونَ مسرحُنا

ستارته الشتات ولم أجد

أحداً ليسدلها علينا أو على الأعداءِ

مذ جاء الذين رأتهمو أمي وزرقاءُ اليمامة والكُتُبْ

وستهبط المأساة للملهاة ثانيةً

ضحايا يضحكون على  الضحايا

والدموع على ابتسامات العَرَبْ

إعتب على من شئت يا بن أبي

وبالغ في العَتَبْ

أنت الذي ما غبت غيماً صامتاً

بل هكذا

كدوي غابات البتولا في نثار الرعدِ

يوم سقطْتَ أخضرَ واقفاً

وسواك يسقط كالحَطَبْ

إعتب على من شئت با ابن أبي

وبالغ في العَتَبْ

هي قصة لفتى غريب الدارِ

وهي القصة الكبرى لكل الدارِ

هذي الأرض لاجئة كمن لجأوا

يطاردها غِلاظُ الخَطو والخُطباءُ،

والخطباءُ إن قتلوا سعاداً أنشدوا بانت سعادْ.

سرقوا سماءَ الناس يا ابن أبي

ونبحش بالأظافرِ

في تراب الكون كي نجد السماءْ

وسيرقص الأعداء في التوراةِ

لا طرباً ولكن خدعةً

ويظل يرقص ذلك الحبشي لا طرباً

"حلاوةُ روحِهِ رقصت بِهِ"

سيزينون شجيرة الأعياد قرب البحرِ

ثم يجربون فؤوسهم في غابة الإغريقِ

حيث أَزِقَّةُ العربيِّ يرجف بردُها

وتموءُ في غدها القِطَطْ

وسيهمس الشهداء للشهداءِ:

هل متنا غَلَطْ؟

وسيسهر الأعداء قربَ البحرِ

ثم يرتِّبون الشرَّ مثل شراشفِ الأولادِ

يرمون الضحيةَ للضحيةِ والسوادَ على السوادْ

وهناك فوق غيومك الأولى، هناكْ

ستنام في قلق علينا، مثلَنا

حتى نغادرَ كلُّنا

هذا الحدادْ.

 

 

رسالة مفتوحة إلى السيد حسن نصر الله

مريد البرغوثي/المصدر- جريدة السفير 
 ...سيدي
أكتب لأشكرك، لا لأمدحك. أنت لا تحب المديح ولا تنتظره من أحد. وهذه وحدها تستحق أن يفتتح بها الشكر. لكن معها من خصالك ما يفيض عن رسالة قصيرة كهذه. اريد أن اشكرك على ارتياح يغمرني حين أراك، ولا يجدر بي ذكر ما يصيبني عند رؤية كثيرين سواك أو تسميتهم كي لا أجرح مقام مخاطبتك. أشكرك على المتعة العقلية التي توفرها لي دِقتُك حين تقف بين يدي هذه اللغة، وهدوؤك عندما تتصرف داخل هذا التاريخ. لا أقول إنك تتصرف معصوماً عن الخطأ الإنساني فذاك مما لا يرضاه سمعك ولا يرضاه نطقي، وإنك يا سيدي قائد سياسي يصيب ويخطئ، لكن موقفك من مسألة الخطأ والصواب عندك، هو موقفٌ صائبٌ دائماً لأنه صادق دائماً، وما أندر نموذجك هذا بين نماذج من عرفنا من قادة فينا وحولنا، ولهذا أشكرك بعينين مفتوحتين، وظَهرٍ مستقيم، ومن دون لعثمة. أشكرك لأنك علَّمت جيلاً يعاصرك أنه إن كان التذلل للعدو والشعور بالهوان أمامه جزءاً من موازين القوى، فإن الشعورَ بالكرامة جزءٌ من موازين القوى أيضاً. أشكرك على هدية قدمتَها لي وانتظرتُها منذ سنوات طويلة عندما سمعتك تقول ما تفسيره عندي أن اللهَ قضايا الناس على هذه الأرض، مَن حارَبَ في سبيلها حارَبَ في سبيله. إنك في ظني أول من صاغها هكذا أو أوضح من فعل. فربطك بين تراب العروبة وسمائها لم يتجسد هكذا إلا على يديك ولم يكن مقنعاً إلا على لسانك. إن كان لتاريخٍ جديدٍ أن يبدأ في عالمنا العسير هذا فمن هنا سيبدأ، أغلب الظن أنه من هنا سيبدأ. أقصد عندما يتعلم القوميّ والإسلاميّ أنهما مفردٌ لا مثنّى. أما داخل الخريطة اللبنانية فقد حققت يا سيدي انعطافاً عفياً في الجدل الداخلي، إذ نراه الآن يتحول من اصطفاف طائفي إلى اصطفاف سياسي، أي انه انتقل إلى جوهره حول الموقف من العدو على ارض السياسة لا الموقف من الأديان والمذاهب على أساس اللاهوت، وهذه نقلة عظمى ستتجلى آثارها في قادم الأيام. أشكرك على حداثتك أيها الشيخ الجميل، اتقنتها تماماً في العلوم العسكرية والدبلوماسية وأمور التنظيم والإعلام والهندسة ونبرة الصوت وانتقاء المفردات عند مخاطبة المواطن والحليف والعدو. أشكرك على ما يصلني من رقتك حين تأتي على ذكر الألم الإنساني. أنا أصدِّق حديثك <المتألم> ولا أصدق حديث زعماء كثيرين <عن الألم>. أصدق <معاناتك> معي ومع أهلي ولا أصدق حرصهم اللفظي على رفعها، فكم بحجة <رفع المعاناة عن الشعب> خسرت الشعوب تقريباً كل شيء، أو تنازل حاكمها تماماً عن كل شيء. كنت أسمع <رفع المعاناة> هذه فأنتظر كارثة أكيدة، وكانت دائماً تقع. أشكرك لأنك (وحدك بينهم) تعترف بصنيع مجموع الأفراد مهما صغر، وما أنا إلا فردٌ في أمة قد لا يكون له صنيعٌ غير كتابة الشِّعر واحترام ما يقتضيه ذلك من كرامة الكلام واختيار كاتبه لموضع قلمه وموضع خطاه، لكن خطاباً لك أشعرني بأنني صاحب مساهمةٍ ولو ضئيلة في حدثٍ غيرِ ضئيل. أريد أن أشكرك لأنني فلسطينيّ يعي أن ظل فلسطين مضمر في خلفية كل مشهد مر بنا إيجاباً وسلباً، ولأنك قائد لبنانيّ بدأت العز بالعَرَقِ ولم ترثه بالميلاد. فحاربت إسرائيل جولة بعد جولة بينما أدمن الوارثون محاربة بعضهم مرة بعد مرة. أشكر لمعة عينيك إحساساً بالفقد الإنساني في كل جولة مع العدو، وفي هذه الجولة، وأكذِّبُ الذين سكتوا عن كل موتنا السابق للثاني عشر من تموز، كأن الآلاف ممن فقدنا جراء مذابح الغزاة الماضية لم يكونوا أهلنا، وكأن بيوت طفولاتنا في الجنوب وغزة والضفة سقطت بفعل النسيم. أريد أن أشكرك على عدالة روحك حتى بِشأن خصومك في لبنان وخارجه، يكاد البعض منهم يطالبك بالاعتذار عن أنك تفديه وتحامي عنه، الاعتذار عن شجاعة قلبك وخطاك. كم أنت جميل القلب واللسان حتى إزاء الذين يطالبونك بالاعتذار عن جَمالك. أريد ان اشكرك لأنك تجعلني أشعر وأنا أخاطبك الآن، بأنني اخاطب في الواقع كل مقاتل من رجالك، وكل امرأة ساهمت معهم برفع أثقال الأفق والصبر والفولاذ، فقد تَكَوَّنوا كما شئت لهم أن يكونوا، ولهم أختم بالقول يا أهل حزب الله، ظاهرين أو .مستترين، أحياءَ أو شهداء: تعرفون أنكم دائنون لا مَدينون، فلا تعتذروا عن جَمالكم لأحد

 

 
 

 

بوابة الأبواب

لا مفتاح في يدنا . ولكنا دخلنا

لاجئين إلى ولادتنا من الموت الغريب

ولاجئين إلى منازلنا التي كانت منازلنا وجئنا

في مباهجنا خدوش

لا يراها الدمع إلا وهو يوشك أن يهيلا

 

السروات الثلاث

شفيفاً

، واهناً،كنعاس الحطابين 

،آمناً ، منذراً بوطأة تليه

رذاذ الضحى

.لا يحجب هذه السروات الثلاث على المنحدر

،تشابهها تكذبه التفاصيل 

ويؤكده البهاء

قلت لن أجرؤ على إطالة النظر 

.ثمة حسن يودي بالجرأة 

ثمة وقتٌتتلاشى فيه الشجاعات 

الغيوم السارية في الأعالي ، تغير شكل السروات

،الطيور الراحلة إلى بدائلها 

تغير صوت السروات

،خط القرميد الثابت وراءها 

يثبت خضرة السروات

.ثمة أشجار ثمارها الوحيدة خضرتها 

أمسِ

،في سروري المباغت

رأيت خلودها العالي 

،اليوم

،في حزني المباغت 

رأيت الفأس