الكاتبة نجوى نجاتي النابلسي

arafeh@scs-net.org


مكان الولادة: دمشق 1953
العمل: مديرة المبيعات في شركة سيغما يونيفيرسال
الشهادة: إجازة في الآداب قسم اللغة الانكليزية
عضوة في جمعية القصة القصيرة العائدة لاتحاد الكتاب الفلسطينيين
الاصدارات: مجموعتين قصصيتين: ولادة غير شرعية 199 و نار ودم 2000
نشرت في مجلة المعرفة السورية التابعة لوزارة الثقافة وكذلك في عدد من المجلات والصحف مثل تشرين والثورة ومجلة المرأة العربية
حصلت على موافقة وزارة الاعلام لنشر قصة طويلة باسم: حدائق العمر- دروب إليها -لم تنشر بعد-
كذلك ترجمت مسرحية سكاكين في الدجاج -لم تنشر-
تحب ترجمة الأعمال الأدبية ، من هواياتها المراسلة والقراءة وخاصة الان قراءة الكتب وإجراء المقارنات بين الكتب الدينية للمذاهب المختلفة

 

 

المرآة

كان الدرب ملتوياً وبارداً، تحسست جسدي فلم أجده لكن المرآة كانت في كفي رفعتها ونظرت إلى وجهي الذي انعكس مشطوراً، سمعت خلفي صوت عويل، أسرعت الخطى، ارتطم شيء كأنه باب يغلق، لاح على البعد منعطف منير فحثثت الخطى إليه كنت أسرع سيراً مما اعتدت بهرني الضوء ، أغلقت عينيّ وتشبثت بمرآتي، صور ترددت قريبة مني عزفت عنها رافضة قسوتها، أرجوحة تدفعها يدان قويتان أصرخ بهما أريد الارتفاع أكثر تعود الأرجوحة إلى الخلف تلامس صدره أتنشق عطراً أحبسه في صدري أنفثه حين ارتفاع الأرجوحة في الفضاء فيتلاشى وتتلاشى يداه ، تتباطأ الأرجوحة وتلمس قدماي الأرض، أرفع المرآة تتراءى عينان واسعتان لطفلة تعرف ألم الافتقاد ورغبة التحليق .

أحث السير أتجاوز المنعطف تبدو المدينة دافئة ومضاءة ، أعتلي منصة خشبية ، تمسك بي يد قوية تقودني إلى الأمام ، صوت تصفيق قوي، تنطق اليد أسمعها تقول أنت البطلة، عليك تأدية دورك بنجاح. لم أدر ما كان دوري ولكني فهمت أن ذاك صوت المخرج.

ألبست ثياباً غريبة، بدوت غريبة، لكنها جميلة، ملونة ورقيقة، خشيت رفع المرآة أمام وجهي خشيت أن أعرف أني أنا، تلك من تحمل وجهاً مشطوراّ يسكن المرآة.

امتطيت أرجوحة ، أكان دوري أن أعتليها؟ يدان قويتان تدفعانها إلى الأعلى، خفت، تشبثت بحبالها وحين عادت لامست صدرّا، شممت عطراّ عرفته ، عطراّ أحبه، عرفت أنها يداه هو وأن العطر عطره ذاته، غرقت في العطر ففقدت نفسي، كنت تلك الأخرى في ثيابها ترقص وتغني، طبول السعادة تقرع والخشبة تردد الصدى، تنبت الأعشاب حول كفي ملونة ندية ويداه تحيطان بي، وعطره يسكرني ، أنسى مرآتي وأراقص كل من حولي، الدروب مشعة بالفرح والأرض تقفز سعيدة، أدعوه لقربي وعلى الأرجوحة نمضي معاّ، تنساب نحو البحر تلقينا على الصخور، الأزرق المشتاق ينادي شمسه الخجلة يمد موجه يدين مرفوعتين إليها ، تعلوان تناديها تدفعان أرجوحتها، ترفع شعرها الذهبي حول رأسها، تتمطى وأصرخ ها نحن هناك ظلين في مركزها، أنت وأنا ، تقترب الشمس بوهج حبها تنام على يديه وتغرق في صدره، يهدأ البحر ضاماّ إليه حبيبته. يغفو فتغرق الدنيا في الظلام ، أخشى أن أغفو معه، أخشى إن نمت أن أستيقظ فأعرف أن البحر والشمس كانا حلماّ، أخشى أن أعود إلى المرآة وأسكن الوجه المشطور، أسمع يداه تضحكان ساخرتين من خوفي، أسأله أرجوك قل لي من أنا، طفلة الأرجوحة؟ امرأة المرآة المشطورة؟ الشمس الغارقة في البحر؟ يجيبني صوته انظري في المرآة تعرفين، أتردد ، أخاف إن نظرت العودة إليها تلك التي تخيفني عيناها، ويسألني من جديد ألا تريدين الحقيقة ؟ أهز رأسي وأتشبث بيديه تدفعان أرجوحتي وأسمع صوتي: أكثر إلى الأعلى، أضحك سعيدة، يقترب الجبل مني تقترب أشجار الغابة أغني مع السحاب ويلمع البرق في قلبي يشحنني بقوة غريبة كأنما خلقت من جديد كأنما أحيا من جديد.

 فجأة يصرخ المخرج: انتهى الدور عودي إلى الوراء. أرفض التصديق ، وأتابع، أعدو نحو أرجوحتي أبحث عن يديه أتمسك بهما وأغب من صدره عطري.

يصرخ المخرج: قفي. ستحاكمين لكسرك قواعد الأداء، ما كان يجب أن تغرقي في الدور عليك أداءه بنجاح فقط.

أشير لليدين أستصرخهما لم تتخليان عني مرتين لم تكسران أرجوحتي مرتين، أسمع صوت يديه تقولان عودي إلى المرآة تعرفين، أخشى العودة إلى المرآة أخاف التجمد فيها، أخاف انشطاري في عالمين صرخت  لم ما دمت من عالم المرآة لم أدخلتني مسرحه، لم علي العودة الآن.

رفعت المرآة رأيت نفسي فيها مشعة بصدق همجي ، أوقفت الأرجوحة قطعت حبالها كسرت المرآة وصرخت:

ـ أنت مخرج فاشل.