|
ـ أنطلق من حواري معك من واقع المثقف العربي في ظل الأزمات الاقتصادية
والأحداث السياسية الراهنة التي يعيشها، كيف تنظر إلى واقع المثقف العربي من
جهة وردة فعله في التعامل مع هذه الأحداث؟
*
أعتقد أن الثقافة إنجاز حضاري يتجلى في الأبعاد الإنسانية
كافة، الاقتصادية منها والسياسية والأدبية والفنية والعلمية. وفي هذا المنظور
أعترف بأن العاملين في هذه النطاقات لا يتميزون، إلا نادراً بشخصية مثقفة.
هذا، لأن الإنسان المثقف هو الإنسان الذي يقدم مواهبه وملكاته إلى المجتمع،
ويسعى إلى رفع المستوى الحضاري لأمته وشعبه أولاً وللعالم ثانياً.
لذا، لا يكفي أن يكون الإنسان متعلماً، وأعني أنه يخص بعلم معين أو معرفة
معينة، والحق أنني وجدت الجهل يهيمن على العديد من المتعلمين الذين تخرجوا من
الجامعات وعلى هذا الأساس، أقول: إن الإنسان المثقف هو الإنسان المتعلم أو
الأديب أو السياسي أو الاقتصادي أو المفكر الخ الذي يهدف إلى تطبيق معرفته في
الحقل الاجتماعي والإنساني. ولا أبالغ وأنا أقول: قد يكون المتعلم، غير
المثقف، عاملاً رئيسياً في واقع الأزمات. فالطبيب، الذي يسعى إلى الكسب على
حساب القيمة الإنسانية لا يعتبر إنساناً مثقفاً. والمهندس الذي يرى في عمله
خدمة لمصلحته الخاصة، لا يعتبر مثقفاً. والأستاذ الجامعي أو المدرس الثانوي
أو الابتدائي الذي لا يعلم تلاميذه وطلابه فن التفكير، لا يعد مثقفاً.
والأديب الذي يحتجز أدبه في نطاق انفعالاته، لا يعد مثقفاً. الخ. هكذا،
يمكنني أن أقول: إن المثقف الحقيقي هو السياسي الذي يعرف كيف "يخدم" مجتمعه
بحكمة، وهو الاقتصادي الذي يسعى إلى تحقيق العدالة الاجتماعية وتقليص استغلال
الإنسان للإنسان. الخ.
والحق أنني لا أستطيع أن أجرد الذين يدعون بأنهم مثقفون، من دورهم في الأزمات
العديدة التي تهيمن على المجتمع. فليسوا هم إنسانيين يطبقون إنسانيتهم في
الواقع الاجتماعي. إنهم لم يتعلموا أن يكونوا مثقفين بقدر ما سعوا إلى أن
يكونوا متعلمين..
في هذا المنظور، أجد نفسي مساقاً إلى القول: يتوجب على المثقف الحقيقي ألاّ
يكون عنصراً مهدماً ومدمراً للقيمة الإنسانية، وذلك لكي لا يشارك في إحداث
الأزمات.
- إن العنف والتعصب والردود الفعل الانفعالية على الأحداث هي
السمة الأكثر ظهوراً في سلوكيات أبناء مجتمعنا العربي، السؤال هو هل هذه
السمات سمات أزلية تسيطر على مجتمعاتنا أم يمكن تعديلها، وما هي الأدوات؟
*أود أن أعالج موضوع العنف أولاً وموضوع التعصب ثانياً. ومن جانبي، أعتقد أن
العنف ليس نزعة أو صفة أصيلة في الإنسان. وإذا كنا نعزو نزعة العنف إلى
الحيوان، فإنما لنقول:
إن الإنسان قد تجاوز المملكة الحيوانية، وأصبح كائناً عاقلاً يسعى إلى توطيد
عقلانيته المتسامية إلى المزيد من الوعي والحكمة. ومع ذلك، نرى الإنسان ينزع
إلى العنف الذي لا يتوقف عند حد.
وهكذا، يكون عنفه شديداً بقدر ما يخرج عقله عن نطاق عقلانيته ووعيه. لذا كان
العنف "انفعالاً" شديداً يطيح بملكة العقل والوعي. والحق أن العنف لا يتصل
بمفهوم القوة.
هذا، لأن القوة تعني التوازن أو التماسك أو التكامل الداخلي في الكيان
الإنساني. فالمحب قوي في محبته، والكريم قوي في كرمه، والمضحي قوي في تضحيته،
والعارف قوي في معرفته الخ.
أما العنف فإنه يشير إلى الضعف الذي يتحول إلى "انفعال" شديد في حال تلقيحه
بوسيلة قد تكون فكرة أو معتقداً أو مالاً أو مركزاً الخ.
وفي هذا السياق، أعالج موضوع التعصب الذي يشير، بدوره، إلى الانفعال. ويحتمل
أن تكون الأسباب الداعية إلى التعصب هي الأسباب ذاتها الداعية إلى العنف.
وبالفعل، يكون التعصب ملازماً للعنف وبخاصة إن كان نتيجة لاعتقاد الإنسان
بأنه يمتلك الحقيقة المطلقة. فالكاره عنيف في كرهه، والمعتقد بمطلق اعتقاد
عنيف في اعتقاده والمؤمن بتفوق عرقه أو عنصره عنيف في إيمانه، والمتكبر عنيف
في تسلطه وتعظيم تكبره الخ.
وعلى هذا الأساس، يتصف العنف والتعصب بردود الفعل الانفعالية على كل ما يمكن
أن يقلل من شأن العوامل أو العناصر التي تؤدي إلى بروز العنف والتعصب.
ذكرت أن العنف ليس صفة متأصلة في كيان الإنسان، وبالتالي أعتبر العنف والتعصب
صفتين ألحقتا بالمجتمع العربي. أقول هذا وأنا أدرك أن الإنسان العربي سعى
دائماً إلى تحقيق الحياة الهنيئة والمتواضعة والمرضية في ظل قواعد تمدُه
بالقدرة على تطبيق سلوكيات وتصرفات تتوافق مع قواعد أخلاقه.
وإذا كان الأمر كذلك، فإن موضوع العنف والتعصب يقتضي البحث وتقديم الحل أو
الحلول الممكنة والمحتملة.
أعتقد أن العنف أو التعصب الذي يزداد انتشاراً وشدة في الآونة الأخيرة، يرد
إلى سببين أولهما داخلي وثانيهما خارجي. ومن جانبي، اعتقد أن السبب الداخلي
أكثر فداحة من السبب الخارجي، أو يكاد السببان يتعادلان في النطاق الذي يلقي
بعواطف الناس إلى هوة الضياع والشعور أو الإحساس بالتفاهة وعدم القيمة.
والحق أن السبب الداخلي يشير إلى عدم وجود النخبة المثقفة والحضارية التي
توجه الأفراد والمواطنين إلى تحقيق إنسانيتهم في ظل نظام يقوم على الاعتراف
بأهمية الإنسان ودوره في بناء المجتمع.
لقد سُلب هذا الاعتراف من المواطن؛ وأصبح هذا المواطن يشعر بالإحباط الذي
يشير إلى انعدام القيمة والمعنى. وبالفعل، نشأ الإنسان العربي في ظل تربية
انفعالية تتأرجح في وسط إشراطات أو قيود أو قواعد سلبت منه شخصيته ومكانته
الإنسانية. وفي هذه الحالة، أصبح الإنسان العربي منفعلاً.
يشير السبب أو العامل الخارجي إلى تجريد الإنسان العربي من مقومات وجوده. وفي
هذا الوضع، يزداد قلق هذا الإنسان ويشتد انفعاله. ولما كان السبب الداخلي
والسبب الخارجي يلتقيان في إحداث "انفعال" لدى الإنسان العربي، فلا بد من أن
يؤدي هذا الانفعال إلى توطيد العنف والتعصب.
أعتقد أن الحال المطلوب لتخفيف حدة العنف والتعصب أو تقليص، يعتمد على أمور
ثلاثة أساسية:
أ
ـ "تعديل" البنية الاجتماعية على نحو تعيد لهذا الإنسان المسلوب أو المحبط
كرامته الإنسانية
وقيمته الوجودية التي تؤكد على المعنى المضمون في هذا الوجود.
ب ـ التوجه العقلي إلى القضايا اللاهوتية لفهم ووعي ديناميكية
المعنى المضمون واستبعاد التفسير الحرفي.
ج ـ قدرة القائمين على إدارة المجتمعات العربية على توطيد علاقات متكافئة
وواعية مع المجتمعات البشرية الأخرى، الأمر الذي يشير إلى تقليص السبب
الخارجي، الذي يحرض على العنف، إلى مستواه الأدنى.
ـ هل هذه الحالة المثالية والتي تعتبر لدى البعض غير قابلة
للتطبيق؟
* في هذا الوضع المشحون بالعنف والتعصب، يُطرح السؤال
التالي: هل يمكن أن تكون المثالية الحل أو البديل المرجو والمؤدي إلى استتباب
الفعاليات الاجتماعية والإنسانية وتوطيد القيم الأخلاقية والاقتصادية وغيرها؟
وهل يمكن أن تكون خلاصاً من الضغوط الخارجية المتأزمة والقاسية؟ هلي يمكن أن
نلجأ إلى المثالية ونعتمدها مبدأً قابلاً للتطبيق في ظل هذه الظروف السائدة؟
تعتمد الإجابة على ما نعنيه بكلمة "المثالية" فالمثالية المرفوضة كحل أو
المستبعدة كأداة عمل أو كعنصر فعال في الواقع الاجتماعي، تتعرض لسوء الفهم
الذي، يؤسفني أن أقول أن فهمنا الحرفي أو المؤطر للكلمة يحول دون فهمنا لعمق
معناها. هذا، لأن المثالية ليست قضية "غيبية"، بمعنى أن الغيبية هي غياب
العقل عن نطاق المعرفة، أي عدم عقلانية المفاهيم والقيم في جوهرها. لذا، تعد
المثالية تعديلاً للواقع الاجتماعي والإنساني وتطويره إلى المستوى الذي يصبح
فيه الواقع كما يجب أن يكون. وهكذا، تشير المثالية إلى تطوير الوجود إلى
الوجوب.
في هذا المنظور، أرى أن هذه المثالية التي ترنوا إلى تطوير الواقع، غير مطبقة
أصلاً في مجتمعاتنا. فعلى صعيد الواقع الاجتماعي الأليم، نجد أن جميع الناس،
أو غالبيتهم، يطالبون القائمين على إدارة البلاد بتحسين الواقع الاقتصادي
والاجتماعي والإنساني والمعيشي والعلمي الخ.
فهل
ندعو الذين يطالبون بالتحسين والتعديل والتطوير "مثاليين" أم ندعوهم
"واقعيين"؟ وفي هذا السياق، يمكنني أن أقول، للذين يفهمون المثالية على نحو
خاطئ، ما يلي:
لو كان المواطن العربي ينشد "المثالية الواقعية"، أي رفع
الواقع إلى مستوى المثال، لاستطاع أن يحدث تعديلاً أو تغييراً جذرياً
و"مثالياً" في البنية الاجتماعية، وتخلص من إرهاصات الانفعال الغيبي، وانعتق
من الاشراطات الكثيرة التي قيدته لسنوات طويلة. لذا، يتوجب علينا أن نفهم
المثالية في إطارها الواقعي.
ـ تحضر الإنسان هو حضوره بعصره، والعولمة لدى البعض تعمل على نزع الحواجز
بين البشر، لذلك ما نحتاجه هو أن نتجاوز خصوصياتنا التراثية والثقافية لكي لا
تشكل عائقاً تحجز تلاقي الشعوب مع بعضها، أرجو أن تبدي رأيك بذلك؟
* في هذا السؤال، تبرز ثلاثة قضايا رئيسية:
أ ـ الحضارة كسبيل لتلاقي الشعوب مع بعضها.
ب ـ الحفاظ على خصوصية الشعوب.
ج ـ العولمة.
في إجابة سابقة، أكدت على أهمية الثقافة في تكوين الحضارة؛
وعلى دور الحضارة في تعميق الوعي وتوسيعه لدى الشعب أو الشعوب. ولما كنت أؤمن
بتنوع الحضارات والثقافات، فإنني أؤمن أيضاً بخصوصية الثقافات والحضارات.
وفي كتابي "تنوع الثقافات والحضارات ووحدة العقل الإنساني" أكدت على التنوع
في الوحدة، أو الكثرة في الوحدة، والوحدة من خلال الكثرة أو التنوع.
وعلى الرغم من تباين وجهات النظر الحضارية والثقافية، لكن العقل الإنساني،
حتى ولو تنوع ضمن خصوصيته، يظل أساساً للتفاهم واللقاء. وفي سبيل توضيح
التنوع والخصوصية ومن جهة، وتلاقي الشعوب، عبر حضاراتها وثقافاتها، في وحدة
الوجود الإنساني والعقلي، قدمت المثاليين التاليين:
آ ـ الحديقة التي تضم ضمن نطاقها الورود المتنوعة والمتعددة أكثر جمالاً من
الحديقة التي تزهو بجمال نوع واحد من الورود. وهكذا، يتألق الجمال في تنوعه.
ب ـ نهر الحضارة أو الثقافة الإنسانية. في هذا النهر الحضاري والثقافي الواحد
تصب الروافد الحضارية والثقافية العديدة والمتنوعة. لذا، تتشكل مياه نهر
الحضارة والثقافة الإنسانية من مجموع مياه الروافد الحضارية والثقافية
المتنوعة.. يوجد نهر واحد وروافد متعددة ومتنوعة.
في سبيل توضيح مصطلح العولمة، أود أن تكون إجابتي على النحو التالي:
لا تشير كلمة عولمة، من قريب أو بعيد، إلى مفهوم العالمية المتنوعة في
كياناتها والملتقية في إنسانيتها. لذا، كان مصطلح العولمة خروجاً عن القانون
الطبيعي الذي يعترف بوجود التنوع، والقانون الإنساني الذي يُقر بوجود التنوع،
والقانون الكوني الذي أبدع التنوع.
وهكذا، لا نستطيع أن نلمس في العولمة أي أثر لتحقيق الإنسان العالمي أو
الثقافة الإنسانية أو الحضارة الإنسانية عبر خصوصيتها وشمولها.
وهكذا، تتمثل الإنسانية في شجرة الحياة: جذع واحد، جذور عميقة في الأرض،
وأغصان عديدة. وفي هذه الشجرة، تنضوي الأغصان المتمايزة في صغرها أو كبرها،
تحت مقولة الشجرة الواحدة.
ـ من خلال كتاباتك في معالجة المشكلات والقضايا الإنسانية
العميقة، تركز اهتمامك دائماً على علم النفس التكاملي أو علم نفس الأعمال
وربطها مع الحكمة الشرقية القديمة، وأيضاً عند ذكرك للنظريات العلمية الحديثة
تجدر رابطاً معها في التراث العرفاني المشرقي، في الوقت الذي يسود فيه لدى
شريحة من المثقفين أن هذا التراث كان السبب في تخلفنا وغياب مجتمعاتنا
العربية عن الركب الحضاري، ما هو رأيك بذلك؟
*
حقيقة الأمر أن الإنسان في فرديته واجتماعيته وعالميته وكونيته، يشكل المحور
الرئيسي لكتاباتي أو للغاية التي أهدف إلى تحقيقها. والحق، أنني لم أجد في
دراستي لعلم النفس العام، وعلم نفس السلوك الحقيقة التي أسعى إلى وجودها في
الكيان الإنساني. ولما كنت قد اطلعت على الفلسفات الشرقية، أو ما دعوته
الحكمة الشرقية المضمونة في عرفان فلاسفة العرب أو في الفلسفة المشرقية بشكل
عام، ووجدت أن هذه الفلسفات ترى الإنسان كياناً موحداً. ولما كانت هذه
الفلسفات أو الحكمة تدرك أن الإنسان قد انقسم على ذاته وتجزأت وظائفه النفسية
وأدت إلى صراع داخلي، فقد دعت إلى عودة الإنسان إلى كيانه الموحد الذي يدعو
إلى تأليف الوظائف النفسية وتكاملها في كيان تتفاعل فيه هذه الوظائف وتتكامل
على نحو علم نفس تكاملي أو توحيدي. والحق، أنني في دراساتي الأخيرة، علمت أن
علماء نفس غربيين قد بدأو يتحدثون عن علم نفس تكاملي وتوحيدي.
وفي الآونة الأخيرة، ظهر عالم نفس رائع، هو كنْ ويلير، بلغ المستوى الأعلى
لهذا العلم ودعاه "علم نفس الأعماق أو المتكامل في وحدته". وفي هذا العلم،
وجدت المقاربة الفكرية بين علم نفس الأعماق أو التكاملي ووجهة النظر الشرقية
التي لم تكن تحليلية بقدر ما كانت تأليفية.
يؤسفني أن أقول: إن الغالبية العظمى من المثقفين، أن شريحة من المثقفين، ما
زالوا متأثرين في الدراسات الأكاديمية السائدة، وغير عابئين بالاطلاع على
النتائج العلمية عامة وفي الفيزياء خاصة التي تمت بصلة إلى الحكمة الشرقية،
الأوسطية والأقصى.
إن تقاعسهم عن دراسة عقدهم بفهم أوسع، تجعلهم يتهمون أنصار علم النفس
التأليفي، أو علم نفس الأعماق بالتخلف. ويؤسفني أن أقول: إن تلك الشريحة تأخذ
بعلم نفس فرويد؛ ومع ذلك، لم تفهم فرويد كما ينبغي، لم تعرف أخطاءه، ولم تطلع
على الفرويدية المحدثة التي عدلت وجهة نظر فرويد لتقترب، ولو قليلاً، من علم
النفس التكاملي. وعلاوة على ذلك، يعتقد أتباع تلك الشريحة أن خروجهم عن
الحكمة الشرقية مدعاة للفخر والاعتزاز.
ـ كيف يتمثل الإنسان الحكمة ويعمل على تطبيقها عملياً؟
*
نحن جميعاً نتحدث عن الأخلاق أو الفضيلة المعاشة والحكمة المطبقة في الواقع
الاجتماعي، والحق، أن الحكمة تتمثل في مبادئ لتكون حياة فاعلة وقوة، هي توازن
وتكامل، تسعى إلى التطبيق.
وكما للرياضيات مبادئ، وللفيزياء قوانين، وللبيولوجيا صياغات الخ كذلك للحكمة
مبادئها التي تنبث في هذه العلوم وتتخللها. وكما نعلم، يعمد الأطباء
والصيادلة إلى الأخذ برمز يشير إلى الحكمة. وعلى هذا الأساس، دعي الأطباء، في
القديم، حكماء. ولما كان هذا الرمز يمثل مراكز الطاقة السبعة القائمة
والكامنة في العمودي الفقري انطلاقاً من قاعدته السفلى ووصولاً إلى الغدة
الصنوبرية، فقد أصبح هذا الرمز مثالاً للحكمة وتعبيراً عنها. وقد تحدث
الأقدمون عن الإنسان الحكيم الذي يحقق الطاقة الكامنة في تلك المراكز.
في هذا المنظور، أسمح لنفسي أن أقول: الحكيم هو كل إنسان يبلغ بعمله أو علمه
أو اختصاصه المستوى الرفيع والسامي والمعبر عن الغاية النبيلة التي يتوخاها
في علمه أو معرفته.
ولكن، ويا للأسف ارتبط مفهوم الحكمة باتجاه واحد أو بمقولة واحدة. وهكذا نرى
أن الحكمة تنسحب على جميع العلوم وتطبق في كل المستويات. ولهذا، نسأل، ونحن
نتحدث في موضوع، فنقول: ما الحكمة من هذا الشيء أو من هذا القول أو من هذا
العمل أو من هذا التصرف؟ وجدير بالقول، إن الحكمة المتوخّاة تشير إلى الوعي
الذي يجعلنا الحكمة في حقيقة الأشياء وفي واقعها.
وفي هذا المنظور، يتحقق تطبيق الحكمة عملياً، تماماً كما تكون المثالية
واقعية، وكما تكون المعرفة سبيلاً إلى الوعي. هكذا، تتضمن الحكمة في الوعي.
ـ هذا يعني أن المثقف العربي يحتاج إلى العودة إلى فهم تراثه
استخدامه في تحديد مصير المجتمع العربي ومستقبله، كيف تنظر إلى مفهوم المصير
؟
*لا يمكنني أن أتحدث عن مفهوم "المصير"، إلاّ في علاقته بمفهوم "القدر".
وفي هذا السياق، أسعى إلى البحث في مفهوم "القدر" في علاقته بمفهوم "الحرية".
وتتوضح العلاقة بين مفهوم "القدر" و" الحرية" على صعيدين:
آ ـ صعيد الفرد .
ب ـ صعيد المجتمع.
يشير القدر المطروح على صعيد الفرد إلى المعالم والمقومات التي لازمت الفرد
عن طريق الوراثة أو التربية، ليتخلص منها أو لينعتق منها إن كانت تشكل قيوداً
وإشراطات، أو يسمو بها بفعل "حرية" ملازمة لجوهر كيانه.
وفي هذا السياق، تصبح الحرية قوة فاعلة في الكيان الإنساني، ترفعه إلى مستوى
أعلى للوعي وتنقذه من إشراطاته وقيوده التربوية أو الوراثية: وفي وفاق مع هذا
المنظور، يعد "القدر" كل ما يترتب على الإنسان من "حتمية" ألقى بها على نفسه
أو أغرق نفسه في إشراطاتها، وتجسّدت في الأفعال التي تجسدت في ماضي حياته.
وتعد "الحرية" وعياً ضمنياً وكامناً يساعد الإنسان على الانعتاق من "قدره".
لقد زرع الإنسان أفعاله السابقة، وصارت تلك الأفعال "قدراً" له يدفعه إلى
تحقيق خلاص منه بفعل "الحرية" خلال سيرورته الذاتية المتسامية إلى الوعي.
هكذا أستطيع أن أعلن أن "القدر"، بمفهومه السلبي، خروج عن نطاق الوعي، يحتّم،
في خروجه هذا، نتائج مأساوية تُلزم الإنسان، بمفهومها الإيجابي، على القيام
بفعل واع يتمثل بـ "الحرية".
إذاً، فالقدر، بمفهومه الإيجابي، إلزام على الخلاص، ودافع يحث الإنسان على
الفعل المبدع الذي يتألف في حرية العقل ووعي الحقيقة والواقع، وإذا كان القدر
"تحتيماً" وإلزاماً للإنسان، ودعوة للخلاص من إشراطات وقيود زرعها في حياته،
فإنه يحمل مفهوم الحرية، وينشد الانعتاق، ويأبى أن يكون خضوعاً واستسلاماً.
فليس القدر "حتمية" تُلقى على الإنسان من وجود قائم خارج وجوده أو من كائن
متعالٍ ومفارق له، بل هو "حتمية" ألقاها الإنسان على نفسه، وأمر صادر من
كيانه إلى ذاته لكي يتحرر من خلال وعي يسعى إلى التحقيق.
يشير القدر المطروح على المستوى الاجتماعي إلى الاشراطات العديدة التي تقيد
المجتمع أو الجماعة، والأعمال السابقة التي أصبحت "دَيْناً" عليه و "قضاء"
له.
وفي هذا السياق، لا أقصد كلمة "قضاء" عقوبة مفروضة على المجتمع من قبل محرك
خارجي أو قوة خارقة ومفارقة لوجوده. القضاء، في هذا المنظور، هو ما يترتب على
المجتمع من "واجب" إزاء الأخطاء التي ارتكبها ليفك أسار الحدود التي أحاط
ذاته بها، والمسؤوليات التي تهرب من القيام بها، ويتركز هذا "الواجب" في
تنشيط "الطاقة الفاعلة" بإرادة حرة. هذا، لأن المجتمعات، كالأفراد، تزرع
وتحصد. وإن ما زرعه مجتمع، في الماضي البعيد أو القريب، "لا وعياً" متمثلاً
بالأخطاء، التي يمكننا إحصاءها، لا بدّ وأن يتحول إلى "قدر" يحتم عليه، بفعل
الواجب القائم في تنشيط الطاقة الفاعلة، الفعل الحر الذي يساعده على الخلاص
من مآسي الماضي والانطلاق إلى رحاب المستقبل ويعمد إلى "تكوين" عقله من جديد
بحيث ينفتح إلى الحضارة الإنسانية والثقافة العالمية، وينشط فعاليته الخامدة.
وعلى هذا الأساس يتمثل "القدر" في قوة دافعة إلى الأمام ولا تسمح للمجتمع أن
يعيش في الماضي الذي "حتّم" عليه المعاناة، وألقى على أكتافه مسؤولية الخلاص
من إشراطات ذلك الماضي.
ويمكنني أن أشبه "القدر" بمهماز يحث المجتمع للانطلاق إلى الأمام. وعلى غير
ذلك، يظل "القدر" قيداً أو عبودية، للمجتمع الذي يقبع في زوايا الماضي الحافل
بالأخطاء المتراكمة في اللاوعي.
تشير كلمة "مصير" إلى استمرارية الفعل الإنساني الديناميكي والفعال، وعلى غير
ذلك، لا تشير هذه الكلمة إلى "نتيجة" أو "نهاية" تتصل بالتشاؤم أو اليأس أو
التفاؤل الحذر، فمثل هذه النتيجة أو النهاية الحافلة بالاستسلام والخضوع
ترتبط بالمفهوم السلبي للقدرية والحتمية التي لا تحمل الحرية في أحشائها.
والحق، أن المصير لا يعني بلوغ حد اللارجوع، أو الفناء، أو التلاشي في نهاية
مأساوية، أو شبه مأساوية، أو استسلامية، أو ناجحة على نحو مؤقت ما لم يكن
متصلاً بالمفهوم السلبي للقدر والحتمية.
وعلى هذا الأساس، لا يمكنني أن أقول: إن "مصيري" هو الموت إن كنت أعلم أن
الحياة هي القوة الفاعلة، المتحولة إلى مالا نهاية. وهكذا، لا يشير الموت إلى
"مصير" يشير، بدوره إلى نهاية بقدر ما يشير إلى "تحول". لذا، يتمثل "المصير"
في تلك "النقطة" التي يتم عبرها التحول.
إذا كان "المصير" يتمثل في تلك النقطة، التي يحصد فيها الأفراد، على المستوى
الاجتماعي، نتاج ما زرعوه في الماضي، فإن المستقبل يرتبط بما زرع في الماضي.
وهكذا،"يحتم" المجتمع أو الفرد على نفسه "قدراً" سوف "يصير" إلى تحوّل في
المستقبل.
عندما يدرك المجتمع مفهوم "المصير" المعبّر عنه في صورته الإيجابية الحقة،
يسعى جاهداً للعمل على مستويين:
آ ـ مستوى الماضي، وهو المستوى الذي يتخلص من البذور السيئة التي زرعها.
ب ـ مستوى الحاضر، وهو المستوى الذي "يطور" فيه المجتمع بذور ماضيه الحسنة،
ويزرع بذوراً جديدة، نافعة وصالحة. وهكذا، يزرع المجتمع "مصيره" بذاته.
لما كان التحول النقطة الأساسية في إحداث "قدر جديد" هو "مصير جديد"، فإن
المجتمع يشكل وجوداً جديداً قادراً على تجديد ذاته من خلال تحول أو تعديل
يصلح الماضي، في حياة جديدة تقوم على العقلانية المستنيرة.
ـ هل تكفي امتلاك المعرفة وحدها لصنع الحضارة أم تحتاج معها
إلى قوة؟ وكيف تميز بين القوة والعنف؟
*
عندما نتحدث عن المعرفة، نقصد المعرفة بحقائق الأمور والأشياء. وهكذا، تتنوع
المعرفة إلى معارف. وكلما زادت المعرفة، تقدم العقل الإنساني في مضمار
الحضارة.. وعلى الرغم من أن الحضارات القديمة نشأت في المناطق التي توافر
فيها الماء والتربة الصالحة للزراعة والطقس المعتدل، لكن هذه الحضارة لم تكن
حريّة بالتقدم والازدهار لولا العنصر الإنساني الذي ركز عقله على معرفة حقائق
الأشياء. ولهذا السبب، نشأت الحضارات الأخرى في بيئات مختلفة كان العنصر
الإنساني يعوّض بمعرفته الفائقة، عن العوامل الطبيعية.
وهكذا اعتقد أن الإنسان العارف إنسان حضاري يسعى إلى الاستزادة من المعرفة
ليبلغ مستوى أرفع من كل الأبعاد التي تتطلبها الحضارة.
جدير بي، في هذا السياق، أن أميز بين الحضارة والمدنية:
الحضارة تقدم عقلي ونفسي ومعرفي وأخلاقي، والمدنية تقدم تقني. وفي هذا العنصر
التقني، يحتمل أن أكون متمدناً أكثر من ابن سينا أو الفارابي أو سقراط أو
فيثاغور، إنما لا يمكنني أن اعتبر نفسي أكثر حضارة منهم. هذا، لأن أولئك
العارفين لم يتنقلوا بواسطة الطائرة أو بواسطة القطار. أما إذا توافقت
الحضارة مع المدنية دلّ هذا التوافق على تقدم العقل الإنساني في مضمار
التقنية الهادفة إلى تحقيق حضارة. وعندئذ، تخضع التقنية لمفاهيم الحضارة
وقيمها. أما إذا تقدمت التقنية على الحضارة، فإن نتيجة هذا التقدم تشير إلى
العنف، وبالتالي، تخضع الحضارة للتقنية العدوانية التي تؤدي إلى تقهقر القيم
الإنسانية السامية.
أعتقد أن صنع الحضارة يحتاج للمعرفة والقوة سواء بسواء. والحق بأن مفهومي
للقوة يتجلى في التوازن والتكامل والإرادة الحرة الفاعلة، أو التصميم على
الازدهار والتقدم.
وفي هذا المنظور، تختلف القوة عن العنف. هذا، لأن القوة مفهوم نفسي وعقلي
وعلمي. وهكذا، بدرس العلماء مفهوم القوة في بحوثهم، ولا يدرسون مفهوم العنف.
وبالإضافة، يتحدث الفلاسفة عن العلم الموجود بالقوة، ويدركون قوة الأشياء في
صميمها بحيث أنها طاقة كامنة فاعلة.
ذكرت في إجابة سابقة كيف يكون العنف انفعالاً يطيح بحكمة العقل أو محاكمته
السلمية أو وعيه، وكيف تكون القوة تعبيراً عن التوازن والتكامل في صميم
الكائن الحي. وهكذا، يكون الإنسان العاقل والحكيم والواعي قوياً بمبادئه
الإنسانية، ويكون الإنسان العنيف ضعيفاً تعوزه الأداة أو الوسيلة لتنفيذ
انفعاله.
|