|
البراغي |
|
مجموعة من الرؤوس والقامات المبعثرة هنا
وهناك ، كانت آخر صورة استعرضتها مخيلتي مثّلت مشهداً لحشد متداخل من أجساد
النخيل والجنود ، وفي لحظة وقوفي أمام الطاولة الفولاذية التي احتوت مئات
الكتل الحديدية الصدئة أحسست بهاجس يذكرني بتكوينات وملامح وجه أكاد أجزم
بعدم نسيانه طيلة أيام عمري المتبقية ، في وقت أسمع أصواتاً تعلوا تارة
وتنخفض تارة أخرى ، هو دائماً يدور في مكانه فيحرث الأرض أسفل قدميه ،
وحينما يتسلل ذلك الوجه بهدوئه المعروف يشتدّ في أعماقي ذلك الهاجس فيثير
فيّ قلقاً مثل استفزاز أو ربما مثل مسامير صدئة تحاول أن تمارس سطوة بائسة في
خدوش ذاكرة متعبة ، ومن فوق رؤوس أخرى تحاول ان تشدّ قامات تبسترت قواها إلى
كسل موضعي تكوم فوق كراسٍ هي الأخرى خارت قواها فما عادت قوائمها تميزهاماتها
، حاولت أن ألتفت إلى الحفرة المجاورة لأرى كم بقي من الجنود على قيد الحياة
، فلمحت جذع نخلة ضخمة سقط فوق مجنزرة عسكرية ابتلع نصفها الوحل ، بغتة شعرت
أنّ ثمة عينان حادتان تمارسان سطوة خفيةّ في الإكتشاف ، سطوة مدفوعة برغبة
عميقة في تعرية الأشياء ، كل الأشياء التي زُجّت في هذا المكان ، تساءلت عن
هذه الرغبة التي تمتزج مع توق شديد للمشاكسة ، حاولت أن أتناسى نظرات ذلك
المتحذلق الذي ظل طوال الوقت يسخر من معاناتي في إكتشاف مساوئه ، قلت في نفسي
: ربما يتحدّاني ، عدت ورفضت فرضيتي بعدما توصّلت لتعليل أكثر منطقية من وجهة
نظري ووجهة نظر أحد الأشياء القريبة مني والذي شاركني معاناتي تلك ، تعليلاً
مفاده أن هذا الكامن في زاوية من عمر هذا المكان ربما تجاوز إشكالية التحدي
التي ظلّت تؤرقني لسنين خلت ، سنين وأنا أتحدى شيئاً ما حولي ، قريباً مني ،
في داخلي ، وكلما أقنعت نفسي أنني خارج مدارات هذه الإشكالية أجدني أدور في
فلك أخرى أكثر تجذراً وتنوعاً في مسالك التحدي والمشاكسة ، فأبتسم وانا أتامل
قامة المسمار الطويلة التي نالت إعجاب صبية لم تخف شغفها يوماً في إمتلاك
رغبة بطول تلك القامة . هنا ، لا ، هناك ، تمتد أصابعي مثل مجسات أخطبوط يتوقع جسد فريسته ، تمتد زاحفة ببطء تتحسس النتوءات والحفر وربما كل الخرائب التي لم تزل تؤثث ذاكرتي لإفاجأ برأس دائري يتوقع حركة أصابعي ، يبدو هكذا ، رأس مدوّر مثل طبق معدني قديم كانت جدتي تستعمله في تنشيف معجون الطماطة ، وربما مثل لغم تستّر بالتراب ينتظر زلّة قدم مجهولة ، في اليوم التالي بدا مستديراً واكثر قبحاً إثر تشتت خويطات الضوء فوق مساحته ، حاولت أن أخمن كم مرّة حدث ورأيته في محطة القطار يلتصق بإحدى الدعامات يتلصص بعينين رماديتين في أقفية المسافرين ، كل تساؤلاتي تبخّرت حينما تأكدت أن هذا الرأس يلتصق كل الوقت بحافة الطاولة التي أتكيء عليها ، فيما بعد لمحته يتناسل فوق الطاولات المحيطة بي ، قررت عدم مجارات تلك اللعبة الخبيثة والإنشغال بالقطع المعدنية التي شكّلت تلاً قبالة وجهي ، وبدت نظراتي تطارد هاجساً قيل لي إنه في جسد أحد البراغي المعدنية ، وكلما حاولت رفع رأسي أسمع صوته يوبخني إنه ليس من حقي خيانة عامل الزمن الذي صرت ضمن دواليبه ، وكان دائماً يطردني من الخيمة تحت موجات الغضب البشري لأمضي ليلتي متوسداً صورة جنازتي ورشقات المدفع الرشاش وراء الساتر الترابي غير البعيد ، فتموت المحاولة وسط ضجيج يغمر الطاولة ، اكتشفت إنه ضجيج الأفكار المذبوحة التي جاءت بها الرافعة معبأة بحاوية فولاذية لتطرحها ضمن أكوام البراغي هنا وهناك ، ومع كل لحظة تخنق نفسها وتهرب كانت هناك محاولة لفكرة مكبّلة بالإنفلات ، فالرؤوس حول الطاولات تطحن صخور أفكارها لتطلقها فتات أشبه بالهذيانات وربما صرخات مشلولة لا تتجاوز قناة أوستاكي في الأذن الوسطى ، ورأيت المشهد كله حينما زحفت الدبّابة فوق خمسين جثة قبل أن تعد المقبرة الجماعية ، وشعرت أن القسرية تأكل طبيعة الأشياء ، فما عادت النظرات تشكل ترويحاً عن ضغط اللحظات التي تغمر المكان بصمتها وهسيسها ، وحركة الرؤوس بدت مرصودة بأعين خفية تسجل الإيماءات كمخالفات غير مشروعة يدينها عرف المفاهيم ، وربما اعتبرت تجاوزات تبتعد عن دروب المنطق والعقلانية ، حاولت رفع رأسي ، هذا الغارق حد التشتت في تأويل ما يحدث ، حاولت رفع نظري لأرى ماهية الأشياء بعدما إعتقدت أن هذه الوساوس والأصوات المتداخلة ربما هي من نسج مخيلتي الشرقية التي وصفتها بكل معاني التعسف والعدوانية ، هل تغيّر شيء .. ؟ ، سألت نفسي دون أن توقع إجابة جاهزة فصوت أحدهم لامس طبلة أذني " أخفض بصرك فالوقت من ذهب " ، وقبلها قلت لنفسي .. في هذا المكان يجب أن يكون السكوت من ذهب . من يدري من يتكلّم ، البراغي المتعددة الرؤوس والأعين والتي لاتستلم للحظات المهادنة أم الرؤوس الآدمية التي استحالت إلى براغي برؤوس مدببة ، وربما بعيون أكثر شراهة من وقاحة الآلة في تجسيم السلوك الإنساني إلى أجزاء أشبة بقطع الحديد التي تنتجها الألة الضخمة ثم تحيل هذه الاجزاء الإنسانية إلى مجرد أجزاء آلية تتحرك فقط لأجل أن تكسب سلوك الآلة ، بدت الأفكار تضرب في رأسي مثل دواليب تلك الماكنة الضخمة في زاوية المكان وحركة أصابعي تستحيل ارتجافات ومن حولي آلاف المسامير والبراغي تسخر من هذياناتي وملامح الضجر المتكاثفة فوق محيّاي ، تدوير آخر لصورة المشهد ، رجل يقف وسط أكوام الهياكل يفكر بلحظة بدء البكاء ، وقبل أن أقرر رفع رأسي لكسر كابوس الصمت المهيمن على روحي ينتابني إحساس بوجود شخص قريب مني ، رائحة جسده تشبثت بسحب الأثير من حولي ، لم أكن متأكداً من وجوده حتى همس بصوت خفيض استطعت أن ألتقط بعض مويجاته ، كان الصوت أشبه بالنصيحة الودية " لا ترفع رأسك .".، قلت في نفسي : لابد أن القناص اتّخذ قراره بقتلي هذه المرّة ، " لا ترفع رأسك " ، لأن لحظة واحة تكلفنا الكثير من الدولارات ، سمعتها تأتي بنبرة حنونة وربما مستجدية الصمت من الرأس المنصوب على جسد آلي بجانبي والذي لم يعلق بصوت مسموع ، بل أحسست به يهتز ففهمت إنه أحد طقوس الولاء والطاعة لرب العمل ورب الأجر ، لكنني عدت وسمعتها في وقت آخر ، كان يصرخ في وجهي حنما أبلغوه بأنه سيموت غداً ، خيِّل ليّ أنني أسمع صوتاً يشبه ذلك الصوت ، صوت متغطرس يؤنب تارة ويتوعد تارة أخرى ، كل من يرفع رأسه فالباب المؤدية إلى دروب الضياع تنتظره .. كل من يطلق كلمة عرجاء واحدة ليتوقع أن يترك كرسيه لبائس آخر أمضى ساعات طويلة يضع ثقل جسده المترهل فوق ساقين موشومتين بمئات الدبابيس التي خلفتها دروب حقول الألغام والعوسج إبان الحروب الخليجية التي لاتنتهي ، من يدري صوت من هذا الذي نسمعه في هذه اللحظة .
رأيته يقف برأسه الأسطواني بمحاذاة الحافة
الأمامية للخندق ، يبتسم إبتسامته العاهرة حين يأمرني بفتح النار صوب جهتة
يفترض أن العدو يكمن فيها ، كان يكره سكوتي ، ويحارب كل الوقت من أجل فتح فمي
وفم بندقيتي ، كل يوم أراه في جهة يعلس بأسنانه المكربنة سيجارة متعفنة ، ثم
يؤشر بيده صوب جهة العدو ويأمرني بفتح النار ، لا تسكت لئلا تموت ، وها هو
يدور برأسه ليباغتني بنظراته الحادة ، لا تتكلم ، أحس بعينيه تتوزع في كل
الزوايا ، بين الكراسي والطاولات ، خلف المكائن والصناديق الكارتونية ، أراه
هذه المرٌة بوجوه متعددة ، رؤوس متعددة ، وفوق كل طاولة يستلقي بجسده المقولب
بطريقة ماكرة يستدرج الروؤس بخدعة مثيرة لتمضي كل الوقت تفتش عن خلل مفترض
عند طوق جمجمته ، وربما أسفل حجابه الحاجز ، وحين يمضي الوقت ينفث دخان
سيجارته ممزوجاً بإبتسامة خبيثة تثير في أعماقي يأساً قسرياً في جديًة العثور
على خلله المزعوم ، يحاول أن يكرر سلوكه مع تلك الرؤوس المكبًلة بالتفكير
بأمنية تمرق مثل ومض عند حافات الأفق ، يكرر حركاته ببهلوانية تدلل على أنه
يعرف أشياء كثيرة عن كيفية ترويض الإنفعال ، هاهو يبدأ هادئاُ ، ممتداً مثل
ساقية لاتعرف إلا الجريان ، يذهب بخطواته الواثقة إلى آخر الطاولة وربما إلى
آخر البناية ثم يزج بقامته ضمن حشد القامات التي تطرقها الرؤوس طيلة ساعات
العمل ، ينظر تارة ويتكلم تارة أخرى ، يوميء بيد متصالبة فتقترب منه ثمة رؤوس
أخرى ، يلتفت صوب الغروب الدامي ، فتلتهب الجبهة بالنار والرصاص وحبات العرق
التي تسيل فوق دبق الأشهر المنصرمة ، لا تتكلم ، يحني رأسه ليوصل رسالته إليً
( عيناك عند حافة حزامك ..) كلهم ينتظرون رؤوس أصابعك ، إذا تجاهلت واحداً
منهم ربما تحدث الكارثة ، الأرض الحرام باتت مرتعاً للضباع ، كما ترى يا
صديقي ... وابتسم لي بخبث وقال : كل هذه الحاويات .. ثم رفع بيده الناعمة أحد
البراغي وأعاد كلامه الهاديء .. لو أغفلت واحداً .. كل هذ الحاويات سترفض ،
وستجد قامتك تلازم ظلًها عند أقرب وكالة لتشغيل العاطلين ، تذكًرت كلامه لي
قبل إختفائه من خارطة الخنادق المنفية في حقول الشوك والعاقول .. عليك أن تكن
دقيقاً .. لتذهب رصاصات بندقيتك إلى مركز الإحداثيات .. وكرر .. مركز
الإحداثيات ، ولحظة رفع يده ليربت فوق كتفي .. إختفى ولم أعد أراه ، وها أنا
منذ سنين أحاول أن أستعيد ملامح وجهه التي استحالت اخاديد معدنية ، أحاول أن
أرسم صوراً ذهنية لحركاته وهو يقف عند حافة الماكنة الكبيرة التي بدت عجوزاً
منهكة ، أستقصي أبعد نقطة في ذاكرتي فألمحه يراقبني من بعيد ، يرصد حركات
أصابعي ، إنفعال وجهي ، ثم يبتسم لحظة انزعاجي من سلوكه ، وكأني أسمع كلماته
تصفق رأسي ووجودي : أينما تذهب تجد نفسك مرغماً على سماع أوامري ، فبين
السكوت والصراخ ثمة رصاصة عبرت يوماُ اديم ذاكرتك وكتلة حديدية أسمها (
البرغي) مازالت تتوزع في حقول نهاراتك وليلك ، التفت .. تأكدت من نبرة صوته ،
حاولت أن أشتمه من بعيد ، ولما استدرت بجسدي رأيت مدير الورشة يقف قبالة وجهي
يستفهم بهدوء عن سبب رفع رأسي وترك أصابعي تعمل دون توجيه . |