|
واقعية …
أظــافر لـن
تـخـربـش وجـهـي !!!
- 1 - |
ليس في أرضي سوى
بقايا من أرضي !!! …
قال لي :-
- ليس لك سوى
الرحيل ، فقلوب من تعاشرهم لا
تقبل المشاركة !!! …
كان كثيرا ما يتحدث إلي وكثيرا ما كنت أنصت
له …
- نظرت إليه بحزن قادم من مسافات بعيدة
ليغشاها عن نظري الزمن حينما كانت
لقمتي ملفوفة برائحة أبي - .
- كان بكلماته تلك قد سحب لقمتي من فمي
وعفرها بالتراب أمام نظرات جوعي
وقلت له لن أرحل … فالأرض هذه تتقبل كل الخطوات والهواء
الذي يلفنا يتقبل كل الصرخات …
- حلقت بعيدا عنه وقريبا من ابتسامة أبي
البيضاء التي لا يعرف من بعده
كيف يقلدها !!! …
أبتسم كردة فعل طبيعية لكلماتي وأشار
بيده بحركة باترة لا تعني شيء ولكني قرأتها جيدا وأدركت
منها يأسه في إكمال حديثه بين أقوالي وأفعالي
…
استقام واقفا وتأهب للخروج ، شملني بنظرة
مدرك وقال لي :-
= أخاف عليك من لباس أبيك … فإخوانه فقدوا
القدرة على ارتدائه وكرهوا من
يرتديه !!!
قال كلماته تلك وخرج ، أختفي جسده عن مساحة
نظري ، لتسقط أخر بقايا كلماته
على الأرض لتتجذر بها عزيمتي وإصراري على التمسك بأرض أبي …
في أرض
أبي تتناثر خطواتي ، ألتفت يمينا وشمالا وأجد ابتسامة أبي
في كل أنحاءها …
رجل أشيب لا أعرفه وقف أمامي بعد خروجي من
صلاة المغرب في مسجد حارتنا
وسألني :-
-أين
أباك ؟!!! …
نظرت إليه بدهشة وقلت له :-
- أبي مات
!!!
مسح بكفه على لحيته البيضاء الكثة ، ورفع
نظره بعيدا عني وكأنه ينظر إلى
بوابة المسجد وقال :-
- يكفي أبيك أنه
مات ودفن !!! فلا تميته مرة أخرى وتدفنه !!! …
لم أفهم ما يقصد ، نظرت إليه نظرة استفسار
ولكنه ترجل عن مكاني لتلثم
قدميه بلاط الرصيف المقابل لبوابة
المسجد !!! …
استوطنت كلماته في عقلي ،
ووجه رافقني في كل خطواتي ، مررت في طريقي على أرض أبي ،
مسحتها بنظري لأجد في داخلي تجذر عزيمتي وإصراري ،
حينها تبادر وجه ذلك الأشيب المرافق لي أمامي مبتسما !!! …
تمتمت لنفسي بكلمات – وكأني بي أقولها لذلك
الأشيب الذي أدركت معنى مقصده
:-
- لن
أترك رائحة أبي الباقية من ذكراه ، ولن أعيش على تنفس روائح غريبة
عني ، ليقول من يستطع القول ما
يريد ، وليغضب من لثمه الغضب على وجهي كيفما أراد …
فليس لهم بعد أبي سوى ترادف الأقوال وغضب
العاجز عن التدثر في ثياب أبي !!! …
وجوه كثيرة زارتني ذات مساء قبل أن أنام ،
رأيتها معلقة على سقف غرفتي ،
بعضها تحدث معي وبعضها حركات ملامح وجهه كانت كلماته ، حتى من حمل أسم جدي
خلف أسمه كان حاضرا
لم أستطع – بمجرد التخيل - أن أجد نفسي في
نفس عمي … لم أستطع أن أتنفس
هواءه الذي بتنفسه ، فكرت بأبناء أخي !!! … فوجدتهم ينادوني بلقب أبيهم
ووجدت نفسي أناديهم بلقب أبنائي !!!
…
قال لي صديقي منفعلا ذات يوم :-
- أريت
ماذا فعل أعداء الله في إخواننا في فلسطين ؟!!!
كنصل حاد رمي بإتقان على قلبي
كانت كلماته … أجبته :-
- سيأتي يوم ينتصر
فيه الحق على الباطل ليفضح الصخر عن
مكانهم …
رف بعينه عاليا داعيا الله ليرى ذلك اليوم
…
لف رأسه عني للموجودين
معنا وبدأ يبني لهم صورة لما رآه ليلة البارحة على شاشة
التلفاز ، حينها طرقت بعقلي كلمات أنسلت من داخلي
وهمست بها لذاتي :-
- ومن يردع من
يريد أن يستوطن في أرضي وهو لا
يستطيع أن يفرق بين قطرات دمه وقطرات دمي ؟ !!! …
[ …
إنها نار … أشعلها الظلم … ولن يطفئها
سوى العدل !!! … ] .
قال لي ذلك الرجل الرزين :-
- لا تنظر إلي
الأن … ولكن أنظر إلى أحرفي التي
سأقولها لك … لعلى فيها شيء من العبرة لك
لقد تسلق
أبي ذات صباح نخله عالية في مزرعته ليلقحها ، فزلت قدمه
وسقط على الأرض ميتا أمام نظرات أخوته ، كنت أنا
وقتها في الدار ألعب بمسبحة أبي التي نساها بعدما تناول
قهوته ، طرقوا أعمامي الباب ، فتحت الباب وقالوا لي بنبرة
حزن " أين أمك " ناديت أمي لهم وأكملت لعبي بمسبحة
أبي ، لتتهادى إلي صرخات ونحيب أمي ، قفزت كالملدوغ إلى
باب الدار لأجد أمي قد سقطت أرضا وأعمامي فوق رأسها ، لم
أستوعب الموقف ولم أدرك لحظتها ما يجري ، سمعت عمي
بقول لأمي " لا تبكي … فقد ماتت عائشة قبله !!! … "
تراجعت للوراء خوفا من نظرات عمي لأمي ورهبة
من بكاء أمي ، صرخت باسم أبي أن
يأتي ليبعد أعمامي من سقوط أمي ، أغلقوا الباب خلف جسد أمي لأرمي بجسدي
على جسدها وأجاري دموعها بدموعي …
بعد أيام لم يطرق بها أبي دار الدار ولم
يضمني بأنشودته المميزة حينما
أصحو من النوم سألت أمي
- من هي
عائشة التي يقول عمي إنها ماتت
؟!!! …
نظرت إلي بعينين متخمتين بالدموع وأردفت على
وجهها الشاحب ابتسامة صغيرة
وقالت بعدما مسدت بكفها شعر رأسي :-
- إنها جدتك
…
وببراءة الأطفال سألتها :-
- وأين
هي الأن ؟!!!
ازدادت مساحة بسمتها وقالت :-
- عند
رب العالمين …
لم أستطع حينها أن أواصل أسئلتي لها فقد
غمرتها الدموع لينساق صوتها في أذني
نحيبا !!! …
ومرت الأيام تتبعها الشهور والسنين ، شب جسدي
وأصبحت يافعا ، وأفقت في شبابي
على وجوه أعمامي الذين أخذوا مزرعة أبي بعدما نسوا أسم أبي وملامحه
، عبرت السنين معهم أجاهد في أيامهم ليبقى أسمي في ألسنتهم
حتى سمعتهم ذات مساء في وليمة عشاء يتحدثون إلى
وجوه الغرباء عن نظري ويقول أحدهم :-
- لم يكن أخي
– رحمه الله – سوى متصرفا لما نراه ، ولم تكن
المزرعة له لوحده ، كان يحب أن يلقح
النخل ولم نمنعه من ما يحبه – ألتفت لمن كان يجلس بجانبه
وضحك ضحكة هادئة تحمل معاني كثيرة جدا وأكمل – ففي
أقل الأحوال كان يوفر لنا أجرة العامل !!! …
بروح الانفعال والمراهقة توسطت مجلسهم وقلت
له أمام انكماش وجهه لرؤيتي :-
- أتقول عن
أبي هكذا !!! … أعتقد أن مرور السنين على جسدك أفقدك عقلك … قم
واقفا وأنظر إلى نفسك … ستجد حياكة أبي فيما ترتديه
…
أحدهم قام ليهدئ من
روعي وانفعالي ، لأخرج من مجلسهم موسوما بنظرات عمي
الغاضبة
وفي صباح الغد وجدت
أسمي رطبا في أفواه الجميع مقرونا بالجنون
!!! …
لأول مرة أجد مال أبي الذي
تملكه عمي قد دثر نفوسا كثيرة بوهم الحقيقة
…
رفضني الكل وبرفضها هذا استطاعت أن
تقضم رغيف عشائها !!!
أخذت أمي وأشياء دارنا لأترك القرية ومزرعة
أبي بعدما وقف الكل ضدي
!!!
وها أنا أمامك … بعيدا عن أوجه أعمامي أعيش
مثلهم ولكن … في مسائي أنام
مرتاح البال !!!
ليس ضعفا يحتويني برحيلي عن القرية … ولكن
بعدا عن ظلم تمادى ليستقر في
صدري ، ولا تعتقد برحيلي ذلك أن خلافي معهم انتهى … وأن عرق جبين
أبي قد جف ، فلن أتنازل عن قطرة واحدة تفصدت من جسد أبي
وحقي لن يضيع !!!
خرجت
من مكتبه ولساني عبق بذكرى الله ……
حملت صباحي في أفاقتي على طرقات متتالية على
الباب ، فتحت الباب مستغربا من
هذا الزائر الصباحي لأتفجأ بوجه أبن عمي !!! …
نظرت إليه بدهشة ، مد
يده لمصافحتي ومددت يدي ليده ، نظراتي لم تسقط عن وجهه لم
أجد فيه شبها لوجه أبيه ، أدخله في مجلسي مصحوبا
بترحيب كنت أود أن يكون لوجه أبيه – زفر زفرة عميقة وأكمل –
تناولنا القهوة ، كان يحمل في داخله ترددا
وخوفا كبيرا ، ابتسمت له لأخفف من
ارتباكه وأشجعه على الحديث ، استقرت في نفسه الطمأنينة
وقال لي :-
- أنا
لست راضيا أن يكون أبي كما كان
!!! … لقد حاولت كثيرا أن أكلمه بذلك ، ولكنه رفض مني كل
شيء ، وكان مدعوما برفضه بلسان أخي الذي يصغرني ، لقد قلت
لهما ما أريد أن يكونا عليه ، ذكرتهما بقدرة الله
فلم يلقيا بالا لي … بكيت أمامها خوفا عليهما من عذاب
الله فقال لي أبي :-
- هذا
ما تريده أنت … - ضحك بصوت عال ثم حوى جسد أخي
الصغير بإشارة من أصبعه- وقال :- ونحن لا نريد ما تريد
!!!
سحبت نفسي التي لم
أشعر أين استقرت من كلمات أبي وخرجت من عندهم وقبل أن أصل
إلى الباب ألتفت وقلت
لهم :-
- أنه وقت الزرع
… ولو مد الله في أعماركم ستجنون ما زرعتم وأن أخذ الله
أمانته سيجني من هم بعدكم ثمار ما زرعتم
!!! …
نظرات أخي تدفعني للخروج وأنفاس
أبي تدفع نظرات أخي لمبتغاه …
لم أزحزح جسدي من فرجة الباب ففي داخلي كلمات
كثيرة كنت أود أن تخرج من صدري ولكني لم أستطع
!!! …
حويت ما بداخلي رجاءً بأبي
وأخي الأفاقة وقلت :-
- لا
أعتقد أن زرعكم طيبا !!!
زحزحت جسدي من فرجة
الباب وترك خلفي فورة مشاعرهم تقذفني بكلمات ليست غريبة عن
مسمعي فقد أرادها أبي يوم من الأيام ليشبع شبعه
!!! …
كنت منصتا لكلماته وفي داخلي ومع كل كلمة
استمعت إليها كنت أصرخ
:-
- وشهد
شاهدُ من أهلها ….
ولأول مرة منذ دخوله إلى
مجلسي نظر إلي وجهي وقال :-
- أنا … لا أريد
أبي !!! …
ضممت يده بيدي بقوة
وقلت له :-
- لا عليك … أنا
من أقف الأن أمام عاصفة صرخات والدك ، أنت تعلم
جيدا إنني أريد أن نقترب من بعض ولكن أباك قد أمسك بالعصا
وبدأ يضرب أقرب الناس
إليه ، وأخاف
عليه من يوم لا
يجد من يضربه أو في قسوة ضربه للأخرين ويضرب أبنائه
ونفسه …
وجدت في صفحة وجهه قبولا لكلماتي وتمتم بهمس
:-
- هذا ما جناه أبي
وأخي !!!
أدمعت عينه حينما رسم تصوري وخوفي حقيقة
أمامه وقال :-
- ذلك ما
أخافه بالفعل … - مسح دمعته بكم ثوبه وسألني
:-
- وماذا سنفعل الأن
…
ارتياح
كبير في نفسي حينما سألني سؤاله ذلك بصيغة الجمع ، أدركت
منها أن هناك صوتا خرج من صوت عمي الغاضب دوما يقر
بواقع لا يعرفه عمي بتاتا !!! …
- أه يا أبن عمي …
أباك لم يعطني فرصة أن أقبل رأسه ، وأن أتقبل
صفعته وأغسل وجهي بدمعي حتى لا يرى
الأخرون أثار صفعته وينعتونه بالظالم ، أباك أراد أن يشبع
جوع سابق من بقايا طعام كان لي !!! …
- جوع سابق … ماذا تقصد ؟!!! …
أخذته بيدي وخرجنا من الدار ،
سحبنا خطوات كثيرة خلفنا ، لم يطاردنا بذلك الصباح الجميل
سوى نفحات صدر أبيه وأبنه !!! ….
|