الملهاة الفلسطينية

فصل من رواية

زيتون الشوارع

إبراهيم نصرالله

فصل من رواية (زيتون الشوارع) للشاعر والروائي إبراهيم نصرالله والتي تشكل واحدة من روايات مشروعه الروائي الملحمي (الملهاة الفلسطينية).

يذكر أن نصر الله يعمل على إنجاز هذا المشروع منذ عام 1985 ويتكون من مجموعة روايات لكل منها شخوصها وأحداثها وأجواؤها المختلفة عن الرواية الأخرى، والمشروع سعي لرسم صورة داخلية للحقبة الإنسانية والتاريخية ما قبل عام 1948 وبعده. وقد صدر ضمن هذا المشروع ثلاث روايات هي: (طيور الحذر) وتدور حول حكاية الاقتلاع الفلسطيني، من خلال علاقة طفل فلسطيني بالطيور التي يصطادها ويعلمها الحذر حتى لا تقع في فخاخ الأولاد الآخرين، وتتناول روح الفترة ما بين عام 1948 وعام 1969، في حين يتتبع نصر الله في الثانية: (طفل الممحاة) في أجواء من السخرية السوداء تطورات الفترة الممتدة من بداية القرن العشرين وحتى عام 1948، عبر حياة الطفل العربي الذي سيجد نفسه واحدا من أفراد جيوش الإنقاذ فيما بعد.

أما الرواية الثالثة: (زيتون الشوارع) والتي تلعب المرأة فيها الأدوار الرئيسة الثلاثة؛ فتمتد أحداثها على المساحة الزمنية منذ ما قبل النكبة حتى أواسط التسعينات من القرن الماضي، حيث تتجسد فيها فكرة الإنتهاك المادي والمعنوي للبشر وأحلامهم.

أما الروايتان الجديدتان (أعراس آمنة) والثانية (تحت شمس الضحى) واللتان صدرتا في كتاب واحد فتذهبان للحظة الفلسطينية الساخنة الآن بكل تشابكاتها الإنسانية، حيث يحاور نصرالله الحالة الفلسطينية المتأرجحة على حافتي الموت والحياة.

في كلمة غلاف العملين الجديدين والتي جاءت على شكل رسالة كتبها الكاتب الفلسطيني محمود شقير المقيم مدينة القدس، يقول شقير: كأنك تعيش معنا، تضع يدك على وجعنا وهمومنا. أما الشيء الرائع أيضاً فهو أن تكتب عن مرحلة ما زلنا نعيشها.

لقد وقعتَ على اختيار صحيح حينما قررت أن تكتب (الملهاة الفلسطينية) من جوانب عديدة مختلفة. ستكون بعد وقت ليس ببعيد رائداً في هذا الميدان، وستكون رواياتك المتعاقبة بمثابة ملحمة معاصرة للشعب الفلسطيني في إطار فني متجدد باستمرار.

في روايتك (أعراس آمنة)  اخترت موضوعاً صعباً، هو الموت والشهادة، وهو موضوع يغري بالعويل والبكاء والندب والميلودراما، لكنك ابتعدت ببراعة عن كل ذلك، ورحتَ تستبطن الحالة الفلسطينية التي تقع بين حدَّي الفرح والحزن، العرس والجنازة. ورحت تحاور الموت بعمق وذكاء، لتضيء جانباً جديداً في تجربة الفلسطينيين. روايتك هذه تمضي قُدماً بسلاسة واقتدار، وإسناد البطولة والسرد للنساء أضفى على الرواية رونقا وبهاء. وكذلك الأمر في (تحت شمس الضحى)، فقد نجحت في تصوير أزمة هذه المرحلة المُلتَبِسة ورصد آفاتنا الراهنة. لقد أعطيت لشخوص روايتيك حياة مجسَّدة لا تنسى. إنك تتحدث عنا بأسلوب أخاذ، وترانا بطريقة جميلة وصائبة؛ وأنا أرى أنك تُكمل ما لم يستطع إكماله غسان كنفاني، متمنياً لك طول العمر لكي تنجز مشروعك الروائي الكبير).

زيتون الشوارع

إبراهيم نصر الله

: بقليل من الجرأة، يمكن القول إنها واحدة من أكثر الشخصيات حضوراً ممن رأيت في حياتي.. ولا أقول ذلك لأنني سلوى..

تلك هي الست زينب.

تأخذك بساطتها، قامتها، لهجتها المُطعَّمة بلهجة أهل فلسطين، يأخذك بريق عينيها، وثقتها في شرعية سؤالها الصعب، وهو يحمل عذاب الإجابة، لا الإجابة نفسها.

: أحياناً أتساءل، أكان يمكن أن أكون أقل غربة هناك بين أهلي؟ أحياناً أتساءل، ما الذي فقدته هناك في فلسطين لأواصل الحياة هنا لاجئةً، على بعد ساعات من وطني وأهلي؟ أحياناً أقول إن بإمكاني العودة إليهم، إلى ذكريات طفولتي، أسترجعها، وأعيش ما لم أعشه منها؛ لكن شيئاً ما أحس أنه انتُزع مني هناك في فلسطين، هل اسميه حياتي؟ هل أقول خيار روحي في أن أكون الإنسان الذي أريد، وكما تشتهي كلُّ خليَّة فيه؟

..أنا زينب، أنظر إلى نفسي الآن، ولا يخطر ببالي للحظة أنني أخطأت الاتجاه، حتى وأنا أنظر إلى هؤلاء  الذين حولي وهم يرسمون صورتي، كما لو انهم يرسمون النهايات..

.. كلما أصبحتَ جزءاً من فكرتكَ، قالوا إنكَ موشك على الجنون، أما حين تصبحها فإنكَ الجنون نفسه! أليس كذلك؟ كأن هناك مسافة أمان لا بد منها بينك وبين نفسك، إذا تجاوزتها ستخسر كلَّ شيء.

.. كنت أحشر أمتعتي في حقيبة صغيرة، أبكي وأضحك في الوقت نفسه، لكني، حتى الآن، لا أستطيع إدراك السبب الحقيقي لذلك البكاء، ولا لذلك الضحك.

وحين قلتُ لعلاء الدين: لا بد لي من أن آخذ الكتب.

قال: في هذه لا أستطيع أن أقول لا.

دخل خلْفي، وحين بدأتُ بإنـزالها من على الرفّ، ضحك، وقال لي : هذا الكتاب موجود لدينا في البلد، وهذا، وهذا.

لم أصدّق أن مكتبتين، واحدة هنا في (السبع بحرات) والثانية في (عكا) تعيشان حالة التوأمة هذه.

: أنتَ تمزح! قلت له.

: لا، لا أمزح والله.

كانت الحقيقة بسيطة، لكنها جميلة، وهي أن هذه الكتب صادرة ضمن سلاسل شائعة لا أكثر، لكنني اعتبرتُ تلك الحادثة فأل خير.

***

تحرك الجمرُ في قلبِ أهل البلد: لقد تأخر علاء الدين، هل يكون قد حدث له مكروه لا سمح الله، هل أمسكوه في الطريق؟ هل نرسل أحداً للبحث عنه؟

مصادر السلاح معروفة لهم، والحاج عبد الحميد، صديق قديم للثورة، حـارب معهم كثيراً وهم يرجونه: يا حاج استرح أنت، عمركَ لا يساعدك.

ويُحرجهم: اعترفوا.. أنتم زهقتم مني، أصبحتُ ثقيلاً عليكم!

: لا والله.. اذهب إلى وطنك وأحضر أسرتك وتعال، ثم ادخل البلد من الجهة التي تريد، واختر البيتَ الذي يعجبك.

: اسمعوا، لم يزل فيَّ بعض القوة، ومن العيب إهدارها في مكان آخر، أو مهمة أخرى أقل نُبلاً من هذه المهمة.

لكنه اعترف أخيراً أنه كبر، حين لم يستطع الانسحاب من إحدى المعارك الصغيرة، مما أدّى إلى بقاء عدد من المقاتلين الشباب معه.

: انسحبوا أنتم، أنا سأبقى.

: لن يكون.

كانت الأسلحة الإنجليزية تتدفق إلى أيدي الصهاينة دون توقف، وبدا واضحاً أن الحالة كلها تسير في اتجاه غير ذلك الذي ظلّت تسير فيه إلى أمد طويل. المعارك أكثر شراسة، وحتى الصغيرة منها. نهاراً كاملاً حوصروا، رأوا الموت خلاله يذرع التلال، ويُحْكِمُ ظلامَه عليهم، وظلوا يقاتلون، وهم يرون أن كل رصاصة يطلقونها، جزء من روحهم، وخطوة للموت باتجاههم في زمن الرصاص القليل ذاك.

***

: ستكون مركز حصولنا على السلاح في الشّام، قالوا له.

***

: أحببته منذ رأيته، خرجتُ لأفتح الباب، وانفتحتْ أبواب قلبي كلها ذلك النهار.

: قولي للوالد: جاي، والنخلة جايّة معاه!!

: مين؟

: النخلة!

ولم يكن ثمة نخل معه، لا أمامه، ولا خلْفه، ولا على جانبيه.

:لم أفهم!

: كما قلتِ لكِ، قولي للحاج: جاي، والنخلة جايِّه معاه.

قلت: لعله النخلة نفسها، كان طويلاً ووسيماً، ببدلته السوداء وطربوشه الأحمر.

: مين يا زينب؟

جاءني صوت أبي عبر الحوش، وكنتُ أمام الباب حائرة.

: مين ؟ أعاد السؤال.

قلت مرتبكة: جاي، والنخلة جايّه معاه.

: ادخليها، ادخليه بسرعة. قال لي بلهفة.

فعرفت أي خطأ ارتكبته حين أبقيته هناك أمام الباب ينتظر.

حدّق فيه أبي ، وهتف مبتهجاً كطفل: علاء الدين؟! الله.. لقد أصبحت رجلاً.

***

: أين الست زينب؟

صرخت سلوى في وجه عبد الرحمن.

: أينها؟!

ودقّت على المخطوط

: لم أرَ غير شبحها هنا، كلّنا تحولْنا إلى أشباح حين كتبتَ عنا، وقد كنا بشراً، أتفهم ما معنى كلمة بشر؟ من لحم ودم وروح.

***

لقد كانت ليالينا طويلة، أنا والست زينب، بما يكفي لأن نستعيد حكاياتنا آلاف المرات. لم يكن لدينا في الحقيقة غير الليالي.

***

: قال لي أبي فيما بعد، إنه كان يحبُّ هذا الفتى حباً خاصاً، لأنه أذكى عفريت صغير شاهده في حياته، وقد استطاع بجرأة نادرة تهريب مسدّسين وقنبلة إلى السجناء الثوار في سجن (عكا) مكّنتهم من الهروب، بعد أن هددوا بها الحراس. هذا هو علاء الدين يا زينب.

: وأحببته. قالتْ لي. أحببته أكثر، ولم تكن فلسطين قد تحولتْ إلى قطعة لحم يلوكها كل من له أسنان، كما يحدث اليوم. كانت جزءاً أصيلاً من شرف الناس. تعرفين يا سلوى! لقد أُعطيتْ الإنسانية مدة كافية لتثبت أن لها ضميراً في المسألة الفلسطينية، لكنها للأسف أثبتت، حتى اليوم، أنها بلا ضمير. بالنسبة لي، بقيتُ أتساءل: هل أحببته فعلاً، أم أنني كنت ألبي دعوة غامضة من ذلك البلد الذي جاء منه؟ أيامها، لم يكن الإنسان يفكر مرتين، إذا ما سمع النداء: إخوانكم في الجبل (الفلاني) محاصرون، ويطلبون نجدة، كان الإنسان يُلقي ما في يده ويمضي دون أن يلتفت وراءه، كان نداء الحرية أكبر من نداء الخبز، وأجمل من الأولاد والزوجة والوظيفة ودفء البيت.

***

: هل بقي شيء يا علاء الدين تريد أن تأخذه معك؟

سأله أبي .

: ارتبك. وكان طوال الوقت يتباطأ.

: يمكن أن نحضر السلاح غداً، بعدَ غدٍ، أريد أن أرى مدينتكم أيضاً.

ولم يكن يغادر بيتنا

: ترى مدينتنا وأنتَ بين أربعة حيطان! لقد تأخرتَ أكثر مما يجب، عليك أن تُجهّز نفسكَ للعودة غداً.

:غداً!! ولكن، عمّي، لم أرها بعد.

: اطمئن.. ستراها كثيراً هناك!

ولم يبق له كلام يقوله.

: يا زينب.

: نعم أبي.

: جهزي نفسك ستذهبين مع علاء الدين غداً، أما الليلة فسنكتبُ كتابكما.

: أبي!!

وطرتُ فرحاً.

: أنا بمقام والدكَ، وأستطيع أن أزوّجكَ أيضاً، وعلى كيفي!! قال لعلاء الدين

: عمّي!!

: العبْ غيرَها، هذه الحركات نعرفها حتى قبل أن تولدوا، أنسيتَ أنني كنتُ شاباً أيضاً.

***

: بكيتُ حين ودَّعتُ أُمي، أبي ، وأُختيَّ؛ ولم أكن أعرف سبب البكاء، هل لأنني فرِحَة بذهابي معه، أم فرِحة لأنني سأرى فلسطين أخيراً، فلسطين التي لم أرها بعيدة في أيّ يوم من الأيام، لأقول بأنها ستبعدني عن أهلي.

: أمي أسمتني علاء الدين، لأنها أحبّت حكاياته في ألف ليلة وليلة. قال لي في الطريق.

***

: تناسوا قلقَهم كلَّه، تناسوا أنهم أرسلوه لإحضار السلاح، حين رأوني معه، والتَفَّتْ البلدُ حولي

:علاء الدين، ما الحكاية؟!

سألوه.

: زوجتي، أشار إليّ.

وعمَّ الوجوم.

: زينب، ابنة الحاج عبد الحميد. أضاف.

:ابنة الحاج عبد الحميد!

.. لم أكن أُدرك مكانة أبي عندهم قبل ذلك، مئات الشفاه اندفعتْ تُقبِّلني دون توقف، غير مُصدِّقة؛ شفاه تهذي: ابنة الحاج عبد الحميد، يا هلا.

لم أكن محبوبةً في حياتي كما كنتُ محبوبةً تلك اللحظة. حتى حب علاء الدين لم يكن يماثل ذلك الحب. كنتُ أعتقد أن لقائي به، أجمل لحظة في حياتي، لا.. كانت تلك أجمل لحظة في حياتي، إلى أن أطلَّ أيمن على الدنيا؛ حينها، التفتُّ خلفي، ورأيت زماني كلّه هناك، وهمستُ في أُذنه: الأمل فيك! أيمن الذي كدتُ أن أضيِّعَه في ليلة الموت تلك، حين عبرتُ البر بحثاً عن علاء الدين.

***

وحيداً أطلَّ حصانه، وحزيناً، في ذلك الغروب. تردد كثيراً عند الباب، قبل أن يصهل، ويمزِّق ذلك المساء بحوافره، ويبكي.

وعرفت: كان الكائن الوحيد الذي تجرأ على إيصال الخبر إليّ، وظلَّ يصهل، ويبكي، إلى أن وجدتني فوق ظهره.

: إلى أين يا زينب؟!

خيطانِ من الدمع فوق وجه الحصان، وآخران على وجه زينب.

راح يعدو، ويعدو.. ولا شيء غير العتمة أمامه، لا شيء غير العتمة خلفه..

وفجأة توقف.

: مَنْ هناك؟!

: سمعتُ الرجال يصرخون. ترجَّلْتُ عنه.

: أنا زينب.

: ما الذي أتى بكِ إلى هنا؟

.. كانوا غاضبين.

: أين علاء الدين؟

.. صمتوا.

.. منذ ثلاثة أيام، كانت البلد تتابع معركة الجسر، مرة يستعيده رجال البلد، ومرة تحتله عصابات شتيرن. ولم يكن أحد الطرفين يريد تدميره، لأن لكل منهما مصلحته في أن يظل قائماً.

ثلاثة أيام، ثم أصبح الجسر في المنتصف، لا بيد هؤلاء، ولا بيد أولئك، بعد أن اضطر رجال البلد للانسحاب، مُخَلّفين علاء الدين تحته.

: سأحضره.

: ماذا تقولين؟ إن أية حركة يمكن أن تصدر عنا في هذا الليل يسمعونها بسهولة في الطرف المقابل، لذا، فإن عيونهم عليه. انتظري حتى الصبح وسترين بعينيك؛ لو كان بإمكاننا أن نصل إليه لما تركناه هناك.

.. لم ينسوا مرّة أنني ابنة الحاج عبد الحميد، ولذا حين كانوا يتحدثون معي، أحس بأنهم يتحدثون معه، لأن جزءاً منه فيّ.

.. وغافلنا الحصان، انطلق إلى هناك، يعدو.

وفجأة، فُتحتْ أبوابُ جهنَّم، وأضاء الرصاص التلال، انفجرت القذائف، وسطع وميضها الأسود الناري، وتراقص في العتمة ظلّ حصان.

ورأيناه يعود.

هل وصل؟

لم نعرف

وكان أكثر هياجاً وهو يتجاوزنا ليختفي بعيداً خلفنا في الليل، ويعود ثانية قبل شروق الشمس مُنهكاً.

***

تحت شمس حزينة، بين تلَّين من صخور محترقة، عارياً تحتَ فوهات البنادق، كان الجسر.

تراجعتْ زينب بعيداً وراء التلّة، وهناك، صامتةً بقيتْ مع الحصان إلى أن جاء الليل ثانية.

غافلَتْه، أحكمتْ رباطه في شجيرة عُلّيق، وتسللتْ وحيدة.

تحسستِ الأرض طويلاً، باحثةً عن جسده في المكان، باحثةً عن وجهه، عن عينيه اللتين رآها بهما، عن يديه.

وفجأة وجدتْهُ بين يديها، جثة لا أكثر.

: كنتُ أريدُ أن أصرخ. لكنني لم أستطع، سيقتلونه ثانية، وكنت مذهولة، كأننا لم نعش زمن الشهادة من قبل. ورحتُ أجرُّهُ مبتعدة، حين فُتِحَتْ أبوابُ جهنَّم فوق رأسي.

قلت: كان عليَّ أن أصرخ. وبدأتُ أصرخ، لا خوفاً، بل لأنني أريد أن أصرخ. وهدأ الرصاص فهدأتُ. وفوجئت بجسدي فوق جسده. أحميه من الرصاص، الرصاص الذي ظلَّ يدوّي في أُذني عمراً كاملاً.

... ورحتُ أَجرُّه ثانية، إلى أن أوصلتُه، وضعناه فوق حصانه، وعدتُ به. كانت الشمس تشرق بعيداً ورائي، إلى درجة أنني خلتها لن تصلني أبداً، لن تتوسط السماء. وحين هبّوا لإنـزاله، لم أكن هناك. لكن شيئاً بي تنبه، وعاد من غيبوبته، فصرختُ، بكيتُ، كما لو أنه قُتِلَ ثانية.

كانت إحدى يديه من الرسغ مبتورة.. وليستْ هناك.

***

سندفنه.

: صرختُ لا.. لن ندفنه قبل أن أحضر يده، لن أدفنه.

: اعقلي يا زينب.

: لن أدفنه.

وأغميَ عليَّ قربَهُ، وحين صحوتُ، وجدتُ يديَّ قابضتين على ذراعه.

قالوا فيما بعد: إنهم كانوا يريدون دفنه، لكنهم لم يستطيعوا أن يُخلِّصوا ذراعه من بين أصابعي، دون أن تتكسر هذه الأصابع.

موزَّعاً بين مكانين..

وزينبُ بينهما، ومعها حصانه.

عادتْ مساءً للتلّة، حيث كان الرجال لا يزالون هناك، وخلفها، بعيداً، كانت تتبعها أمّه.

قالوا: نحن سنأتي بيده من هناك.

: إذا كان لا بدَّ لأحد من أن يموت من أجل يده، فهو أنا.

في ذلك الوعر، وجدتْ زينبُ نفسَها تحبو ثانية، تزحف، بأصابع دامية وقدمين ممزقتين وقلب مكسور، إلى أن وصلتْ. تتحسس الأرض وتبكي.

: ماذا لو أخذوها معهم ليثبتوا أنهم قتلوه؟ هذه ليست المرة الأولى التي يفعلونها.

وصرختْ في داخلها: يجب أن تكون هنا.

واندفعتْ تبحثْ محمومةً.

: وأخيراً، عثرتْ أصابعي بها، أصابعي العمياء، ارتجفتُ، بكيتُ، وكان بودّي أن أصرخ، أن أموت هناك، وحاولتُ أن استعيدَ دفء يده، بعيداً عن هذه اليد الباردة، يده التي تعرفني، تعرف يدي، تعرف كتفيّ، شعري، يده الملوِّحة لي، الضاحكة، المنسابة، يده التي أعرفها. كان بودّي أن أصرخ: أينها، لكنني خفتُ أن يدفنوه دون هذه اليد التي لا تتذكرني. اليد التي تذكَّرتني، اليد المرتبكة التي راحتْ تلتجئ إليَّ وتختفي في صدري. كان يجب أن أجدها.. وإلا لكنتُ أمضيتُ العمرَ باحثةً عنها.

: جبتيها؟!

: عمتي!!

وبكيتُ، ويدي تمتد إلى صدري لتخرجَها.

وعدنا.

امرأتان وحصان

وثلاثة قلوب مكسورة

: اتركونا معه.

قالت أُمّه وهي تحتضن رأسه بين ركبتيها.

وكان حصانه هائجاً في الحوش.

صرختْ زينب: ادخلوه.

أطلّوا من الباب: مَنْ؟

: حصانه.

: حصانه!!

وصرختْ أُمه: سمعتم.. أليس كذلك؟

ودخل حصانه، حصانه الذي تمدّدَ إلى جواره، مُلصقاً عنقه ووجهه بالأرض، هادئاً.. ويبكي.

***

بيدين مرتجفتين، وعينين زائغتين بالدمع، راحتْ زينب تخيطُ يده.

: اعطيني الإبرة يا ابنتي.

وأزاحتْ أُمه رأسَه، وضعتْه على ركبة زينب، وراحت يداها تعملان، يداها اللتان أحستْ بأنها تراهما لأول مرة، ذابلتين، كما لو أنهما لن تزرعا شجرة أبــــداً.

يمتلئ وجهها بالدمع، تتوقف، تسمحه بطرف كمّها، وتواصل.

ليلة كاملة..

وأطل الفجر..

طرقوا عليهم الباب، ودخلوا وجِلين..

: الآن يمكن أن تدفنوه. قالتْ زينب.

: هيا.. احملوه. قالت أمه.

وساروا.. وسار حصانه خلف الجناز

 

  لوحة الجدار - للفنان اسماعيل شموط