..كأن شيئا لم يحدث, ولم يكن!

بقلم: السيد نجم

تراه صامتا, قاطبا ما بين حاجبيه, يتأمل مقدمة حذائه إذا جلس وموضع قدميه إذا سار, وسقف الحجرة إذا استلقى على قفاه.

أما وقد جلس أمامك وحدكما, فلا حيلة أمام صمته إلا أن تدعوه للغداء أو العشاء في غير ميعاد تناولها, حتما سينهض معتذرا عما بدر منه من إزعاج!

المشكلة إذا نجحت في إسقاط حجاب الصمت. ثرثرته بغير حد, ممدودة في الزمان والمكان نحو سنوات بعيدة. كأن الزمن توقف بعد تلك الفترة, الطريف أنه حتما سيلحق كلماته بجملة لا يمل تكرارها: "عادى, كأن شيئا لم يحدث, ولم يكن"..ثم يتابع تكرار حكايته القديمة والوحيدة, يقول....

لم يهنأ لي بال طوال فترة تجنيدي, كنت مشغولا بالحرب وبحبيبتي.. على أرض الطابور, وفى الخنادق, وأثناء العمليات الحربية المحدودة. انشغل بها أكثر وأنا منزوي وحدي في قاع البئر.

لم يكن بئرا, حفرة برميلية زرعتها بيدي, ميزتها عن بقية حفر الوحدة, وشيدتها على مزاجي,

كي تسعني وأنا مقرفص داخلها, بحيث تلامس فخذاي جدران بطني, وترتاح كرة رأسي أعلى ركبتي. يخال لعيني أن الحفرة المقبرة بدلتها رحما, ثم أشرد.

الطلقات التي تصفر من فوقى, والدانات التي تدوي من حولي, لا أعرها اهتماما. اعلم أن الفأر يرفض الأسر وهو داخل المصيدة, بينما يبقى ساكنا أسيرا لو التقط أنفاس قطة أمامه في الضياع الواسعة والجبال الممتدة. اجىء بحبيبتي أسألها واسأل نفسي:"لماذا غدرت بي؟!"

كان يمكنها التصرف بكياسة وذكاء أفضل مما فعلت. لو أخبرتني أنها ما عادت تحبني لأنني ممل وسخيف, فما كنت أتحدث سوى عن المعارك والعمليات الحربية التي شاركت فيها, وقتلت أحدهم لا أعرفه.. وعن حياة "الملجأ" أو "قفص القرد" الذي يضمني وخمسة من رفقاء الوحدة, أعيد على مسامعها النكات القبيحة التي أضحكتنا ولا تضحكها, وعن "الجراية" و"الطبخة السوداء" أو الخبز والباذنجان التي تكرهها, وعن موت رفيق وقد تمزق جسده إربا.

لو أخبرتني في تلك الأيام بصراحة: أنت لا تتحدث عن الحب والعشق, أين أنت من تفاحتي؟ فلا تشهيني ولا أنا شهية, كما كل العشاق الكذابين. آه لو قالت.. كنت عاتبت غباء رأسي, وارتحت.

كنت أفضل لو قابلتني غاضبة لأتفه الأسباب, ثم تتهمني بسؤ معاملتها..أكيد كنت سأرد عليها, وأسبها :"يا مفترية!!", ثم أفرغ لنفسي , والعن فقرى وقلة حيلتي.. لأنني أكتفي بكيس الترمس والفول المسلوق المملح ونحن خلف سور كورنيش النيل, بينما على بعد خطوات سور كازينو فخم ومريح.

كلما طالت أيام المعارك, اشتد أزيز الطائرات فوق رأسي, ودوى الدانات من حولي, فلم أعد أستطيع الإجابة على سؤال تلبسني: من أي الجيشين سيأتي الموت؟ و زاد بقائي مع حبيبتي في البئر, اقصد الحفرة.

ذات مرة, غلبتني أحوال الحرب, فلم تجالسني حبيبتي في البئر, وعلى الرغم أنني أقسمت لها, وأخبرتها بكل التفاصيل.. أنها المرة الوحيدة التي نسيتك فيها, شغلتني روحي المعرضة للقبض أكثر, اتهمتني بأنني أناني, ولم تحضر في المرات التالية, حتى عندما ذهبت إلى مجلسنا خلف سور كورنيش النيل في الإجازة الميدانية !

لم تكتفي بما فعلت, عامدة متعمدة تهبط من السيارة الفارهة , أمامي والى جوار أحدهم, يتجهان إلى الكازينو الفخم المريح. أيا من يكون ..حبيبها, خطيبها, عشيقها الداعر, لا تهمني صفته!

وقفت منتبها في صمت, لم تبد اهتماما, تابعت حديثها الذي لم أسمعه, دخلا الكازينو إذن...

كنت في عجلة من أمري, غدا آخر أيامي في الجندية, وسوف أنهى علاقتي بها بتسليم "مخلتى" القماش بكل العهدة.

وقف وسط رفقاء الوحدة الملاعين أمام "الزفتاوى". لو كنت جربت الجندية, تقدر أنني أصفه لك بأنه أهم شخصية يمكن أن تقابلها في حياتك. كما أنه بالفعل هكذا..هاما. الجميع يصيحون باسمه.."يا زفتاوى جهزت كشوف الأسماء", "يا امباشى زفتاوى اجمع الناس , وابدأ حالا", " يا حضرة الصول زفتاوى أنا تحت أمرك"..الآن تستطيع أن تفهم أن رؤسائه من الضباط والصولات يعملون باسمه, والمسرحين من زملائي ينافقونه.

فلما جاء دوري, نهرني: "أين البطانية الصوفية يا عسكري؟؟"

بهدؤ مبتسم أخبرته أنني فقدتها بسبب المعارك, وطول فترة تجنيدي, وأن الحرب هي السبب. لم يبتسم, فتابعت بسرعة قبل أن يصدر حكمه, قلت: "يكفى أنك لو وضعتها أمام عينيك, حتما سترى ما خلفها" وضحكت, لكنه لم يضحك. أعطاني درسا بليغا في المسئولية العسكرية, ودلالة كلمة "عهدة" التي هي في مقام الروح والجسد..أحافظ عليها , ولا أهملها مهما كانت الأحداث.

زملائي الملاعين , شاركوه السب واللعنات, وافقوه على عسكريتي الخائبة, وإهمالي في العهدة أثناء زمن الحرب. احترت, كل هذا بسبب تلك البطانية الصغيرة الصوفية البالية. لم أتابع ما قيل وما حدث..لكنني متأكد الآن أن الشاويش أو حضرة الصول "زفتاوى" دخل إلى حجرة الضابط ولم يخرج.. كأن شيئا لم يحدث, كن شيئا لم يكن!!

أما وقد انتهى الصامت من ثرثرته فجأة, لا تجد حافزا لأن تسأله..إذا ما كان سلم مخلته أم لا؟ ولا حيلة أمامك لأن تجعله يعاود الحديث, وقد عاد إلى صمته, وتأمله لحذائه. لكن حتما ستسمعه يقول: عادى..كأن شيئا لم يحدث, ولم يكن؟!!