بقلم: السيد نجم
لن تخطئه لو رأيته للمرة الثانية, يكفى
أن تراه
للمرة الأولى.. يسير الهرولة بخطواته القصيرة العرجاء, على
قصر قامته ونحافته, منتفخ الصدر, متسع العينين, دهشا, وإلا
لماذا تلك الانفراجة بين شفتيه؟!
لو
لم تتح لك فرصة رؤيته في الشارع بسبب الازدحام, حتما لن
تنساه لو قابلته عند أحد جيران الحي. يردد البسملة والدعاء
لك بالصحة والعافية وطول العمر. يبدو في حضرتك أهم منك ومن
مضيفك, ببساطة لأنه لم يحضر للمسامرة وتبادل أطراف الحديث
حول شئون الحرب وأفاعيل الساسة. موجود هنا كي يطبب مضيفك,
الذي حتما سيهملك حتى ينتهي الرجل من مهامه.
أما وقد صادفته ورأيته, لن يتردد لسانك أمامه, ستنطق
فورا:"أهلا عم خلف". الرجل غير منتبها تماما لاسمك ورسمك,
لكنه حتما سيرد التحية بأحسن منها. لن يتوقف عن عمله, فهو في
عجلة من أمره, مرضى البول السكري في انتظاره قبل تناول
الوجبات, وكل سيدات الحي الحوامل كذلك, أضف إلى كل هؤلاء
شباب ورجالات الحي يعرفونه جيدا, يدعمون رجولتهم بحقنة من
أدوية شد العصب.
يعمل العم "خلف" بأطراف مهنة التمريض, فهو ليس ممرضا, لم
يدرسها ولم يشتغل بها في أي مكان.لا..لا, انه فقط يجيد "ضرب"
الحقن, ولا شئ غير ذلك.
أهل الحي لهم رأيا آخر, جعلوه في مكانة أعلى من طبيبهم, فلا
دواء ولا حقن يكتبها الطبيب يتناولونها..إلا بعد موافقته.
وهو بتواضع جم لا يعترض أبدا, يعلم أنه لو أشار بإيماءة
امتعاض دهشة أو مترددة, حتما سيمتنع المرضى عن تناول الدواء!
كما يعلم أنه ليس مسئولا عن مكانته في قلوب الناس, على يقين
أن دعاء أمه طوال فترة مرضها هو السبب.وبسبب مرضها تعلم "ضرب
الحقن"ضمن محاولة رعايتها,وتوفيرا للنفقات.
سر
الأسرار فيما وصل إليه, بسبب دعاية أمه له لزائريها, ولأنه
استبدل عمله كصبى
صغير
بمحل البقالة بناصية الشارع إلى مهنة حقن الحقن. خلال تلك
الفترة , فترة السبعينيات من القرن الماضي كانت جماعات من
الشباب المسرحين من الجيش بعد الحرب, وكذا أصحاب المهن
والحرف الصغيرة, وأيضا صغار التجار يهاجرون إلى إحدى دول
الخليج تحت وطأة حلم يرجون تحقيقه.. حلم بحياة جديدة, وربما
ببعض الثراء, وقد تكون لرغبة البعض العيش بعيدا عن المعاناة
التي طالت منذ عام سبعة وستين.
لا
تدهش أن نال هذا الرجل القصير المكير, كل ما ناله بسبب
شكشكات الإبر!, لأنه ببساطة نجح في وخز ابر الحقن بلا ألم,
ونال لقب صاحب اليد الخفيفة.
لا
تتسرع وتحسبه لصا نال لقب اللصوص, فهو ليس "هجاما" يقفز أسطح
المنازل, ولا"ملقاطا" يلتقط حافظة النقود في عز الظهر, ولا
"هباشا"..ولا أي درجة من درجات اللصوص.
كانت تجربتي الأولى معه مدهشة, بل ورائعة . في ذلك اليوم
قررت أن أتلصص على جمجمة رأسه وأغزو أمفوخه. وددت لو أحطم
حاجز الألفة الغامض الذي شيده حول نفسه, عامدا أو عن غير
عمد. انه نمط غامض من الناس, لا تستطيع إلا أن تحبه, ولا
تستطيع أن تطرح السؤال:"لماذا لا نكره هذا الرجل؟ من الطبيعي
أن تكرهه, لأنه مرتبطا بالأمراض والعلل؟
فور أن دخل على, تفحص الأمبول, هزهزه, قال:"زيتي", فتح علبته
المعدنية الصغيرة السوداء الكالحة من غير صدأ, عبث وأخرج
"إبرة" برقم ما,وأمرني بغلي الحقنة الزجاجية والإبرة..
"ياه..هل ما زلت تستخدم تلك الحقن؟ أحضرت لك حقنة بلاستيكية
ترميها فور استخدامها؟", لم يبد اعتراضا ولا قبولا, فقط ظل
ممدود الذراع, وبين أطراف أصابعه الحقنة, مبتسما!!
في
ذلك اليوم شاركت الجميع, ياله من رجل ماهر. الجديد, وما
أسعدني حقا, أنني اكتشفت السر, لأنه يستخدم تلك الحقن
القديمة, ولكل نوع من سوائل الأمبولات مقاسا من الإبر مختلفا
عن غيره. فلما واجهته بما اكتشفت, ابتسم كعادته, لم يرفض ولم
يقبل.. كما أنه لم يصمت, قال: "كله من عند ربنا". فأضاف
معلومة جديدة إلى اكتشافي, أن رأس هذا الرجل خالية من أحلام
المستقبل, رحل كل أحلامه إلى الآخرة.
طالت فترة لقاءنا الأسبوعي , أتذكر أن الطبيب المعالج يوم أن
قرر علاجي أسبوعيا بتلك الحقن, لشد العصب, . نظر نحوى من تحت
نظارته الطبية الصغيرة, وقد علقها في منتصف أنفه, قال:"مضطر
أنت لحقنة كل أسبوع".لم أتململ, غير مكترث بشكشكات ابر
الحقن, عندي العم "خلف". يبدو أن الطبيب لم يفهم, ظل معلقا
بناظريه نحوى في صمت. بسرعة أدرت الحديث نحو الحلم الذي لا
يبرح رأسي كل ليلة, انشغل عنى, ولأنني أطلت الحديث, أمرني
بالذهاب إلى الطبيب النفسي.
لا
أدرى لماذا وضعت ثقتي كلها في العم "خلف", مثل كل سكان الحي
على كل حال, لم أعد أتخابث كي أصل إلى تلافيف مخه..؟؟..وكانت
تلك هي الخطوة الأولى.
أما الخطوة الثانية, سألته وبإلحاح أن يفسر لي الحلم الذي لا
يبرح رأسي, وأن يعطني شيئا من خبيئته في العلبة المعدنية
السوداء الكالحة من غير صدأ...
بدأ بالبحلقة في سماء الغرفة, تابعا بالعبث المنشود في
علبته. فجأة أمرني بالصمت, يدهشني تصرفه, ما عاد "خلف" الذي
أعرف..النحيف القصير المكير, دقيق الملامح إلا من أنفه
الكبير, لأول مرة أكتشف هذا الأنف, وقد خلصت إلى نتيجة ,
ربما تصدق في المستقبل.. ربما هذا الأنف سببا لأن نتذكره ولا
ننساه أبدا!!
ليست خطواته القصيرة العرجاء, ولا صمته المريب, ولا ثرثرته
التي تخصه وحده, ولا قربه الشديد إلى أنفسنا حتى أننا لا
نتمكن من رؤيته جيدا, أعنى معرفته جيدا.
عدت وتساءلت بيني وبين نفسي, ربما السر في الناس أنفسهم, لأن
الناس لا تحب الألم..أعجبتني الفكرة, وتفرغت أتأملها منتشيا
بأفكاري.
فلما صمت , ثرثر هو, لم أستطع أن أوقفه. دهشت, الرجل يتحدث
عن نفسه كما الناس كلها, بل وقادر على جذب انتباهي, على
الرغم أنه لم يحدثني عن حلمي. اكتفى بالكلام عن حلمه هو,
حلمه الذي يتكرر كل ليلة, ولا يبرح رأسه في الصباح, ثم سألني
أن أفسره له!!!