حكاية ســـلام

يحكى أن عمدة قرية بعيدة قديمة, اشتهر بين الجميع من أهل قريته و القرى القريبة باعتباره أقوى الرجال لأقوى القرى.وبينما كان يراقب الأطفال يلعبون بمرح عند شاطئ النهر..تساءل: ترى ما مصيرهم عندما يكبرون  ويصبحون محاربين, مثلى ومثل صحابي الذين فقدتهم مبكرا في المعارك؟

هكذا كان يفكر ليل نهار, فتوصل إلى أن الأطفال لم يأتوا إلى العالم من أجل المعارك, وأن كل ما يحتاجون إليه عندما يكبرون أن يعملوا في سلام. وهو ما جعله يقرر الاجتماع بشيوخ القرية . تحدث إليهم طويلا, وفهموا أنه على صواب, قرروا ألا يعلموا أطفالهم ألعاب المعارك,إلا في حالة الشعور بالخطر أو عندما يهاجمهم الغير.

تولى أقوى شباب القرية, مهمة إبلاغ الرسالة, إلى القرية  المجاورة. اعترضت طريقه صعاب جمة, لم يشعر باليأس .

فلما عرف سكان القرية المجاورة بأسرار المهمة, خرجوا لتحيته و حمله على الأكتاف.قبل أن يصلوا به إلى خيمة العمدة ..كان عمدتهم في اجتماع طارئ و سريع مع محاربي القرية ..

ثم أمر الرسول بإبلاغ الرسالة التالية كاملة: " أنني سوف أخرج مع أهلي ورجالي وشبابي",وخرج مع أهله ورجاله وشبابه. تقابل في منتصف الطريق بين القريتين مع عمدة القرية الأخرى. هناك تحطمت كل الأسلحة.أعلنت الأفراح في القريتين, خرج الجميع من هنا و من هناك إلى الطريق الموصلة فيما بينهم. تصافح الحاكمان. اختفت كل الأسلحة. ظهرت الآلات الموسيقية و علت أصوات الغناء و رقصوا..كبيرهم وصغيرهم. سهرت الحيوانات البرية من حولهم , أطلت الأسماك من مياه النهر, الشمس لم تشأ الغروب, ولأول مرة قبلت وجود القمر إلى جوارها في نفس الوقت ..ففرح الجميع أكثر.

لولا حادثة بسيطة جدا حدثت, لاستمرت الأفراح لسنوات و قرون طويلة , وربما حتى الآن!..لولا أن تصادم شابان يرقصان مع فتاتين جميلتين, لولا أن سال الدم من رأسيهما مصادفة . بسبب عنف الصدمة فيما بينهما لم يستطع الشابين التعبير عن غضبهما. لكن ما حدث بالضبط أن تولى أهل القريتين , كل سكان القريتين تولوا تلك المهمة  .

ما حدث من بعد.. أدهش الجميع, فقد ظلوا يتقاتلوا معا حتى أهلكوا بعضهم بعضا دون تفرقة ..من يطول أحدهم رقبة جاره , يفتك به , دون أن يعرف من أية قرية يكون. ولما عرفوا السبب من بعد , أعلنوا عذرا مناسبا , يبرر لهم وللأجيال القادمة ما حدث من عار..ذلك لأن الشمس غضبت مما حدث فجأة, وعلى غير اتفاق, فذهبت بعيدا...

كما انزوى القمر خجلا...

فأظلمت السماء و الأرض, ولم يعرف أحدهم من يقاتل من ؟؟!

أحلام القردة

يحكى أن قردا حملوه من الغابة عنوة.

سألوه ان كان سعيدا في القفص الذهبي ؟

فصرخ فيهم : القفص الزنزانة أصغر من أحلامي !!

أخبروه بما يحملون له من فاكهة لم يذقها منذ زمن ...

فأخبرهم بما يحمل من أحلام:

أحلم بالشمس تغازلني وأنا أعبث مع البراغيث على جلدي..

أحلم بالشجرة ترميني بثمرة لم أشتهيها, وأنا قابض على بطني.

حتى أنى أحلم بالنمرة تدفعني أمامها, ربما تفترسني, فأصرخ وأصرخ وأصرخ..فرحا !

السمان والسمكة

يحكى أن ثلاثة أو أربعة أو خمسة من طائر السمان انحدروا نحو الرمال. حاموا حول سمكة رمتها الأمواج. أصغت السمكة لقشعريرة الهواء, تقوست ومالت بعيدا.. حاولت.

انزلقت لعلها تختفي عن أعينهم.

لم ينجح السمان في اقتناص السمكة البائسة.  وحط بعيدا , يرقب المشهد في صمت مدهش.   

انه القط يحسم أمره, انقض بمخالبه الحادة وأنيابه الطازجة والتهم السمكة.

فنظرت كل سمانة إلى جارتها, ربما تقول لها: نحن أحوج إليها من القط..عبرنا البحر وهبطنا البر..جائعين.

انتهت السمكة , اختفت في أحشاء القط. لم يبق سوى معاودة السمان للطيران. لم يطل المدى.. نجحت شباك الصياد المنصوبة على الرمال في اقتناصه..!

 أسماك لا يعرفها أحد

 .. يحكى أن سمكا من نوع لا يعرفه أحد , حاول نسيان البحر ..فسبح وحده بعيدا, نحو الأعماق , هربا منه, عله يتركه وحده.

كلما غاص , لطمته أمواج غير تلك التي يعرف, مرة دافئة وأخرى باردة, وقد تكون جارفة أو حتى هادئة.

.. صخور هنا , وكائنات مفترسة هناك, ولم يفكر السمك المسكين في العودة.

كافح طويلا كي يبقى مفتوح العينين – التي هي بلا جفون !- تمنى لو كان صنفا من تلك التي تضئ في العتمة , أو  التي تعيش على مقربة من ضوء الشمس.

شغلته الأفكار المريبة .. كيف ينجو من الأخطار؟

.. رويدا , رويدا , يتهاوى. ظنت الكائنات التي تتابع ضعضعة زعانفه, أنه حالا سوف يتنازل عن رغبته في الغوص.

أحاطته في انتظار اللحظة الأخيرة ..

ما أن انقضوا عليه حتى انتعشت زعانف السمك الدائخ, نسى هوانه, بدت الأسماك وكأنها تصارعهم من جديد بما لا يعرفون !

.. لما نجحت الأسراب كلها , عادت إلى حيث كانت سالمة , فعلت سمكة صغيرة منها, وقالت :      " ولم ننس البحر في الأعماق ..أيضا"!!

 البهيمــة

لأنه كان لا يزال صغيرا , كانوا لا يعبأون كثيرا بوجوده, وربما يطردونه من جلستهم. ففي جلسات الرجال ليس له الحق في المشاركة ولا حتى بالتعليق عما يسمع.وفى جلسات النسوة ليس من حقه الاستماع إلى كل ما يتفوهن به..ربما لأنه أهم كثيرا من أحاديث الرجال..وإلا لماذا يعمدن إلى الهمس و الغمز واللمز ؟!

على الرغم من ذلك, سمع والديه يتصايحان ,دون أن يعبأ أحدهما بوجوده : نحن في حاجة إلى بهيمة بدلا من تلك التي ماتت حين غفلة.. يجب البحث عن وسيلة, ماذا نفعل؟!

ولأنهما لا يملكان ثمن بهيمة أخرى , كانا يبحثان في كل الوسائل, وعند كل الجيران, ولم يلتفتا إلى ولدهما القابع تحت أرجلهما , مشرئب الرأس, معلق الأذنين.

ظل معلقا بهما فوق عتبة الدار حتى فقد ظلهما, وضجيج صوتهما المعلق بهما. تركاه وحيدا,  كلماتهما في أذنه حتى  سمع من يأمره..أن يكف عن البكاء و أن يتأمل أصابع يديه!

 بدا و كأن يدا خفيه قذفت به, رمته فوق شاطئ النهر, فتعلقت الأتربة بجلبابه . لم يعد يشعر بالوحدة, مع ذلك غلبته الدموع, صنعت طينا من حوله.

كان في مثل تلك الجلسات , يعبث في الطين , يصنع كرة أو حتى ثعبانا. لكنه في هذه الجلسة صنع  أربعة أرجل, وذيلا غير قصير, وفى المقدمة شكل ما يشبه رأس البهيمة. انشغل بصنيعه كثيرا حتى نسى أنه لم يأكل بعد.

فلما عاد إلى الدار , ورغب في النوم من شدة التعب,  سمع صوت الهاتف يأمره :" خذ البهيمة لترعى في الحقل القريب". ذهب ولم يعد إلا بعد غروب الشمس, هاله أن وجد بهيمته وقد كبرت, وكبر ضرعها حتى لامست الحلمات الأرض!. وهو ما أدهشه و والديه .

لم يسأله أحدهما من أين جاءت وكيف؟!!, سألاه فقط: "هل البهيمة لنا؟!", لم يرد وإن انطلقت بسمة سعيدة غامضة . أسرعت الأم إلى الضرع, شربت و شربوا جميعا حتى كسا اللبن الدافئ اللذيذ نحورهم جميعا. يحار من يراهم إن كان اللبن متسربلا من أعلى إلى أسفل أم العكس.وعلى الرغم من أنه سمع نفس الهاتف يأمره بأن يتأمل نفسه في مياه البئر القريبة, وقد تشكلت رأسه كرأس البهيمة و أصبح من ذوات الأربع و يملك ذيلا غير قصير..عمد الصغير إلى إحكام إغلاق جفونه أكثر كثيرا عما قبل.

الذبابة والنملة

يحكى أن ذبابة كبيرة ونملة صغيرة التقيا, فلعبا معا, ولما فرغا شعرا بالجوع. فقالت الذبابة انتظري يا صديقتى حتى أطير وسريعا أعود إليك بالطعام. لم تنتظر النملة وأخبرتها أنها تملك مخزنا كبيرا من الطعام في بيتها.

وبدأت معركة بينهما, تقول الذبابة أنها أكبر و أقوى منها,وعلى النملة الطاعة . وتقول النملة أنها أذكى من الذبابة وان كانت تبدو أصغر حجما منها, بدليل أنها لا تبحث عن طعامها مع كل وجبة.

بغرور رفضت الذبابة أفكار النملة, ثم طارت بعيدا.

المفاجأ أن التقيا ثانية في بيت النمل. فسألتها النملة عن سبب حضورها, هل لأنها الأقوى جاءت كي تأكل كل طعام مملكة النمل؟

بغرور ردت الذبابة , بقوتي أكلت كل ما أحببت دون فضل منك!, فلم تجد النملة ما تعقب به.

لم تمض سوى دقائق قليلة, حاولت فيها الذبابة أن تخرج من بيت النمل ولم تفلح.. الممرات كثيرة, والطرقات لا توصل إلى أشعة الشمس. عادت الذبابة إلى النملة ترجوها النصح. فابتسمت النملة وقالت:

"لو كان لك في الحكمة التي احملها لفكرتي في الخروج قبل الدخول"!
 

الأرنب والأسد

يحكى أن أسدا رفض يوما أن يخرج للصيد, وقال :سوف يأتيني طعامي لأنني الأسد .

ساعة بعد ساعة, ويوما بعد يوم , بدأ يشعر بالجوع حتى آلمته معدته, ونال منه الوهن.

قرر أن يعاقب كل الحيوانات التي تجاهلته, سوف ينال منها جميعا عندما تأتيه فور سماع صوت زئيره.

توالت الحيوانات, اقتربت كثيرا منه, والتفوا حوله على غير المعتاد..كلما حاول أن يزأر كان صوتهم أقوى منه. فاقترب من أصغر الحيوانات : الست خائفا منى؟!.

 لم يرد الأرنب, بينما يحاول الأسد أن يزأر, إلا أن سيقانه لم تستطع حمله , فسقط الأسد على الأرض.. ليس فقط بسبب ما أصابه من وهن وضعف..بسبب أن اعتلاه الأرنب, وقد اشرأب برأسه يزأر و يزأر كما الأسد!!
 

بئر عين الحــياة

كانت الفتاة القبيحة أفقر بنات القرية, ولا تعرف كيف تتخلص من القبح والفقر؟

تعيش مع والديها داخل كوخ من الصفيح  ,الحار صيفا و البارد شتاء.

ذهبت إلى بئر "عين الحياة",بعد أن عرفت من عجوز حكاية البئر. فقد تشققت الأرض وانبثقت مياهها في القرية منذ سنوات بعيدة على غير توقع..زلزلت الأرض زلزالها, هاجمهم الرعد و البرق, ثم هبت عاصفة شديدة . ذهبت العاصفة وتركت القرية محطمة تماما, مع ذلك قال الجميع:أن العاصفة فعلت ذلك من أجل أن تترك لنا تلك البئر , ولكي تشيد قرية جديدة حولها.فأطلقوا عليها اسما "بئر عين الحياة".

قالت الفتاة الحزينة للبئر:كنت سببا في سعادة كل أهل القرية, إلا سكان الكوخ الصفيح..أخبريني كيف أصبح من جميلات أثرياء القرية ؟

فقالت البئر:إذن لك ما أردت حالا, و تصبحين من الجميلات الأثرياء, بشرط أن تنسجي  بيدك شالا بدلا من الشال القديم, وستبقين كذلك مادمت تغسلينه كل يوم في مياهي الطيبة.

على الطريق استقبلها أهل القرية بالدهشة , يسألونها عن سر جمالها..لم ترد. فور وصولها للكوخ بدأت في تجهيز الشال .  قبل أن تهم بصنع النول الخشبي, أخبرتها الشجرة القريبة: خذي يا جميلة هذا الفرع؟

دهشت الفتاة أن سمعت ما سمعته , قبل أن تخبر الناس أو الشجرة بشيء؟ وقبل أن تنسج شالا؟!

صنعت النول, بدأت تنسج الشال الجديد, فقال الخيط الصوفي: اترك الأمر لي. بسرعة اندفعت كرة الخيط و تعلقت بالنول , صنعت شالا..!

امتلأت الفتاة بالدهشة !! 

أول ما فكرت فيه أن تخرج إلى شوارع القرية بالشال الجديد الجميل. هنأها الرجال و النساء قبل الأطفال و الشباب, لكنها لم ترد التحية ولا تبدى أي قدر من الامتنان. فانفض الجميع من حولها. ذهبوا إلى بئر عين الحياة يعاتبونها, فقالت لهم: أنا أعطى لكل من يطلب منى , مثلكم تماما.

فيما بعد شعرت الفتاة بغصة لم تشعر بها من قبل , كلما سارت في شارع , لا يلتفت إليها أحدهم, يتركون الشارع , القرية كلها.. فوجدت نفسها وحيدة فوق الطرقات !

دهشت , تظن أنها لم تفعل ما تستحق عليه هذا السلوك ..!!

إلا أنها سمعت صوت ضحكة كما الرعد, ورأت أشباحا كما البرق..ما فتأت تصدمها عاصفة شديدة تقتلعها من مكانها و تلقى بها أمام الكوخ الصفيح الحار صيفا و البارد شتاء. بينما لم يصب أحد من سكان القرية , كانوا جميعا خارج القرية هربا من الفتاة التي تظن أنها مازالت جميلة!!

بسمة البقرة 

يحكى أن الغراب تابع صقرا ينقض على الأرنب الصغير , فيقتنصه في اندفاعه  واحده. قال :أنا أيضا أستطيع فعل ذلك.

كل ما فعله أن التقط من عليائه حيوانا يسير أربع, في الوادي الأخضر يلهو وحده. فقرر أن يكون فريسته الأولى.

هم بالطيران نحوه, كلما اقترب منه , يرى الحيوان يكبر.

فلما أصبح في مواجهته , أدهشه أن تكون البقرة هكذا كبيرة جدا!!

لم يكن يدرى ماذا يفعل وكيف؟؟

فطلب من البقرة أن تساعده كي يحقق رغبته, هكذا كي يصبح طائرا شجاعا وسط الصقور القوية!

لم تزد البقرة عن بسمة خبثه, ثم رفعت ذيلها , وأمرته أن يحملها. فرح الغراب, ونقرها في ذيلها, فامتلأ منقاره بشعر خشن غريب.

لما أسقطت البقرة ذيلها, سقط الغراب على الأرض!.. هنا أدارت رأسها, قالت وهى مازالت تبتسم بسمتها الخبيثة: "هل سألت نفسك أيها الغراب, كيف تنفذ أفكارك قبل أن تسألني المشورة؟"

لم يعقب الغراب !!

سيقان الزرافة

يحكى أن زرافة كانت تشرب من البئر العميقة. مياه البئر رائقة فظنتها مرآة. وقالت في نفسها: آه لو أن سيقاني بقوة قروني الحادة تلك.

لم يطل الوقت إذ شاهدت ذئبا يقترب منها خلسة.

منذ تلك اللحظة , بدأت مرحلة جديدة في حياة الزرافة. همت تعدو بعيدا. كلما وقفت لتأكل أو لتشرب تراه خلفها , فتعاود الجري بعيدا, ولا تقف إلا عندما تعجز سيقانها على حملها.

يوما بعد يوم اخترقت الوديان , واعتلت الجبال, وعبرت الأنهار..فاكتشفت أنها فعلت ما لم تكن تثق أنها قادرة أن تفعله. لقد رأت خلال فترة قصيرة ما لم تره طوال سنين عمرها.

كل ذلك بفضل سيقانها التي كانت فيها النجاة, وقد استضعفتها من قبل!!

جبل قــرن الثور

كان يقيم في الدار الجميل فوق جبل راسخ في الصحراء. قمة الجبل تشبه قرن الثور , فأطلقوا عليه لقب "جبل قرن الثور".

عندما كان يشعر بالعطش, يمد ذراعه, يقطف طرفا من السحابة الممطرة تعلوه..فيرتوي.  لو جاءه الجوع , تكفيه ثمار أشجار الفاكهة الباسقة التي تحيط بالدار من كل جانب.. يشبع.

وكان يعدو كما الغزلان, خفيف الحركة نشطا مثل القردة والنسانيس, يفوق قوة خرتيت. لكن يبدو له أن الزمن بطيء من حوله, ولا يجد ما ينافسه , فأصبح كئيب الطلعة .

ذات مساء شعر به الجبل الراسخ..ضحك و قال: أعرف ما يقلقك يا ولدى..كان أبوك هكذا مريبا؟! أقترح عليك إنجاز مهمة , ووصفها بأنها مهمة قاسية. أن يهبط الجبل عدوا , ويصعده هرولة..ثم وعده أن يهبه قمته "قرن الثور" يتنافسان معا , هبوطا و صعودا.فهبطا من نقطة بداية واحدة معا...

نجح وحيد الجبل أن يصل إلى السفح, تأمل الصحراء الممتدة الخاوية , سرعان ما عاد صاعدا...فسعد مهللا: وصلت قبل قرن الثور , قبل قمة الجبل الراسخ.

وقف يلهث, مبتسما بسمة عريضة ...

كان يمكن أن يبقى هكذا سعيدا لفترة طويلة, لولا أن سرقته الدهشة و الحيرة.. أنه لم يجد داره !!.. تذكر أنه شيدها على قمة الجبل الراسخ التي قهرها منذ قليل!!!

سعادة صياد

فيما كان الصياد سعيدا وهو يأكل من  صيد يومه, دارت رأسه وهو يضرب  على صدره بكفه القوية, منتشيا بما أنجز. وهو على تلك الحالة من الشعوربالعنفوان و القوة , شردت رأسه! سرقه مشهد الكائنات من حوله ...

لاشيء سوى الوثوب , بلا تردد ولا سنه. معا ذهبوا ومعا عادوا. تلك هي حركة  هبوط أسراب الحمام فوق سطح قمة التل الباسقة القريبة..

سرقته أكثر تلك العيون الزجاجية ونظراتها المستقيمة القوية, بلا غضب ولا فرح, بلا اضطراب ولا غرور. عينا السلحفاة تخترق حالا الحاجز المائي الأخير لمياه البحر القريبة, لعلها تطمح لاحتواء العوالم الهوائية هاهنا..

وهذا الصقر السماوي, يعرف مقاصده الداخلية كلها وهو يحوم فوق كل شئ. يبدو هكذا واثقا من نفسه . بعد أن ترك قرص الشمس الدامي من خلفه والصيد الدامي بين شقي منقاره .

هنا أسقط الصياد ناظريه, مكتفيا بما تناوله من رصيد صيده , ولا أحد يدرى ماذا يجول في رأسه و في صدره..؟!!

حصان المعارك

يحكى أن الحصان ذا النجمة البيضاء على جبهته,مقوس الظهر,كما كان في زمن الحرب,  بقى فرسا مقداما..مع أنه الآن ليس أكثر من حيوان جر لعربة خشبية , يتمنى لو ينساها.

يعبر الشق الغائر , والمحشو بالنمل الأبيض , فينفر ويرفس الهواء بقوائمه الخلفية ..يسرع النمل إلى أغوار الشق.

يصادف فأرا يعدو , فيسرع من عدوه , ظننا منه أن الفأر ينافسه في مضمار سباق . إنه لا يدرى أن الفأر هكذا يعدو بعيدا دوما كي يدبر أمره.

وقد يرقد للراحة بجوار القنفذ المتكور تحت أشواكه , يظنه لعبه  تداعبه , فيدغدغها, لتنال منه أشواك القنفذ الخبيث.

يتذكر انتصاراته و معاركه .. ينهض.

كان برفسته يشطر سطح القمر, وبصرخته يأتي بالزمن البعيد...

اندفع نحو القنفذ, فغاص في أشواكه..زادت رفساته التي شطرت حوافره هو , وزادت صرخاته التي شلت حنجرته.

اندفع وحده مع آلامه وصمته , تعلق بالعربة التي تمنى لو ينساها ا!

قرص الشمس

جمعهم قرص الشمس كعادته كل نهار, حتى جاء مساء شتوي طويل, فقرر رجال الوادي البارد ألا يتركوا قرص الشمس يغيب عنهم أبدا!.

وقال كبيرهم: " حان الآن ميعاد قطف قرص الشمس"

طلبوا من نسائهم يضفرون حبلا طويلا من شعورهن. ينجحن في قص الشعر , صنعن منه حبلا طويلا مناسبا, لكنه لم يكن طويلا بما يكفى..فقد كان طريق الشمس طويلا جدا.

وصلوا إلى صخرة سوداء لامعة بعيدة ومرتفعة فوق قمة الهضبة. ليس عليهم سوى وضع الفخ الحديدي . نجحوا في صنع فخا كبيرا من كل حدائد قريتهم, لكنه لم يكن كبيرا بما يكفى..فقد كان قرص الشمس كبيرا جدا.

راودتهم فكرة خبيثة, خلعوا ملابسهم, رتقوها معا, صنعوا ستارا . لو وضعوه بعيدا ضمنوا قنص قرص الشمس قبل أن يغرق عند الأفق البعيد. نجحوا في كل خطوة, وإن فقدوا كل سترهم, لم يخطر ببالهم أن قرص الشمس هكذا .. راوغهم وهبط بعيدا جدا, فقد كان قرص الشمس أخبث منهم.

ماذا لو نجح كل منهم في القبض على جزء من قرص الشمس المراوغ, من فتحة نافذة الخيمة , من بين فروع الشجرة الباسقة , وحتى من بين شقوق الجبل..؟ وفى المساء يلملمون ما يمتلكون , يصنعون قرصا كاملا للشمس.

هاهي ذي الشمس تشرق, تعلو في السماء, تتسلل النوافذ, تخترق الشقوق وأفرع الأشجار الكبيرة و النباتات الصغيرة . وها هم الرجال ينجحون , يحملون قدرا من القرص, فرحون بما أنجزوا.

وفى المساء التالي جمعتهم صحراء قريبة, وضعوا أحمالهم, يثرثرون طويلا في انتظار وهج الشمس الجديدة....لم يجدوا نورا ولا أشعة يعرفونها ...

 أعلنها أحدهم في حسرة:" يبدو يا أصدقاء أن ظلام الليل أقوى كثيرا من نور الشمس"....

فعقب كبيرهم في سكينة وهدؤ:

 " يا أبنائي, لأننا نحب القنص.. نسينا أن قرص الشمس يكره الأسر"

خذ حـذرك

سار على الطريق المستقيم نحو نجم سقط من السماء هناك .

كانت الأرض متشققة و العشب جافة من تحته , ولأن الأشجار ماتت عطشا و انطفأت الحياة من حوله , تعلق بالنجم أكثر..لا يبعد سوى مسيرة ليلة واحدة.

فقالت له الجرذان: خذ حذرك . تمتم في نفسه: لم أهرب من الموت إلا لأنني حويط و حذر. فقالت له الديدان: خذ حذرك . همهم لأذنيه: النجم البعيد على مسيرة شارفت على الانتهاء..هناك لا يعرف الهلاك. فقالت له أشياء لم تبين له :خذ حذرك. غمغم ثم قال بصوت شارف حدود النجم هناك: أستطيع أن أحفر قبرى وأتجاوزه.

فلما كانت أصداء صوت ضحكة طويلة و عميقة وقوية.. زلزلت السماء والأرض والأشياء من حوله..فهم أن النجم الآفل في انتظاره رابط الجأش !!
 

راكية نار

أخذ صاحب العينين المدغمستين يبحلق في السماء , لم تستوقفه السحب .. ثم عمد ذو الندوب الحمراء إلى صفحة المياه يتأملها , لطمته عكارتها .

ترك جسده يسقط على الرمال , ونام يحلم . حلم بالفتاة الجميلة التي تشيح بوجهها كلما رأته ..لم تعد كذلك .

اقتربت منه , ابتسمت له , غنت أغنية لم يسمعها من قبل . ولما استيقظ , لم يتذكر كلماتها وأن بدا منتشيا بلحنها.

تنساب الأغنية لحنا شجيا من بين شفتيه , ردده فوق الطرقات وفى جلسات المساء بجوار راكية النار , فنسيت الجيران مشهد عينيه وندوبه. تعلقوا أكثر بشفتيه , يرجون لو يسمعونه ثانية وللمرة المائة .

بات الشاب مقهور العضلات , قوى الحنجرة , شجى اللحن .. قبلتهم .

لم يروا منه سوى شفتين مبرومتين , ولم ير فيهم سوى أذنين كبيرتين.

وكلما كف عن لحنه .. يصيحون فيه أن يعيد , ثم يلعنون راكية النار التي جعلتهم يتعلقون به بعد أن أطلقوا عليه لقب "الدرويش المخبول".

رحلة صيد

لا يكف عن الثرثرة , حتى وهو يرصد سمكة في النهر أو طائر في السماء, فتهرب منه فريسته دوما.

المدهش أنه لا يشعر بالندم ولا بالألم ولا حتى بقدر ضئيل من الكدر. على العكس من زوجته , لكنها لا تعرف الهدؤ من جراء ثرثرته حتى أثناء نومه , بينما يخلو كهفهما من الزاد و الزواد .

فكرت الزوجة أن تجعله ينظر مليا فيما حوله , فزرعت الريحان ينمو في طريقه وهو ذاهب إلى النهر أو وهو معلقا بالسماء.

نجحت...

وفيما كان ينمو الريحان وكأنه نبتة زرعها الجن . بينما امتلأت به الطرقات , وعبأت رائحته خياشيم الكائنات, وطوت أوراقه سماء الكهف .. تاه طريق النهر منه. انشغل الزوج بالريحان أكثر كثيرا عما تمنته الزوجة وتلبسه الصمت.

فقالت في نفسها: الثرثرة أفضل!!

فشلت ...

عادت وقررت أن تبنى عشا معلقا بأفرع شجرة كبيرة فيما بين السماء و الأرض, ربما تجعله يخرج عن صمته .

قال لها: أنا لا أعرف البناء, ثم لماذا أتعب نفسي , سوف أجد حتما فرعا كبيرا يلائمني للنوم وحدي ؟!

ما حدث بالضبط أن ذهبت الزوجة وحدها إلى شاطئ النهر , سمعت الأطفال يصرخون في مرح وهم يلعبون , بينما الأسماك تقفز فوق الماء وتجرى بغير هدى, والطيور البيضاء تعلوها .

أسرعت إلى زوجها ليرى ما ترى , بدت مياه النهر براقة جميلة أكثر كثيرا عما قبل, ليس من جراء أشعة شمس الغروب , بسبب أن رافقته رحلته للمرة الأولى. ولما امتلأت السلال بالأسماك الطازجة, عادا معا سعيدين وقد تشابكت كفاهما في رحلة صيد لم يخطط أحدهما لها ..!

رقصة الحية

يحكى أن الحية العاصرة تنجح دوما .

تنقض على فريستها, ترشق أنيابها فيها , فيفرغ كيس السم. ترقص الحية طويلا , وتلتوي حولها , ثم تلتهمها. وقد تلقى بها من فرط ما أكلت وشبعت .

يوما بعد يوم تتعفن الفريسة .. تترك عظاما.

يوما بعد يوم تعلو المسافة بين الحية ورمال أرضية الكهف.

امتلأ الكهف بعظام الفرائس.. لم يعد للحية أثرا على الأرض الرملية, ربما لأنها لم تعد تسير كما نعرف .

أصبحت رافعة الرأس دوما وهى تتقافز فوق العظام .

كل من يراها يتساءل: ترى هل فقدت الحية الذاكرة؟ أم ترى هي رقصة جديدة؟!!

 أجنحة الحمام

يحكى أن الحمام حط على البرج العالي ليلا, وانشطر البرج وتبرقش  بسبب سطوة الطائر الصغير.فأثار الرعب في سكان المدينة.شهقت الناس وتنهدت.

الحمام لا يلوى على شئ, تماطل أن تبرح موقعها, ولا تتثاءب.. لا شئ سوى طعن موقعها على البرج بأجنحتها الصغيرة.

وفى لحظة , افترس نور الشمس..البرج.

لم يدهش الناس أن يجدوا البرج خاويا, وان اكتسى بمخلفات الحمام, وكأنه عاش عليه مائة سنة.

وفى الليلة التالية  أدهشهم حقا, أن سمعوا صوت أجنحة صغيرة تصنع عاصفة في اتجاه البرج

 الخماسين

كانت  الخماسين تحكم أرض الصحراء التي لا تعرف الاستقرار أبدا.

رغم ذلك, لم يخف منها العصافير, لأنها لا تحكم الدنيا كلها..فرياح الجنوب تقدر على قهرها, حتى وإن بدت أضعف منها.

الأمر ليس على هذه الدرجة من السهولة, فريح الخماسين لا تترك فرصة لبشرى بالحركة إلا وتملأ العيون وفتحتي الأنف بالرمال الساخنة.

يعرف العصافير تلك الحقيقة , كما تعرفها الناس و الأشجار و الحيوانات. فالناس يلجأون إلى خيامهم المحكمة . أما الحيوانات , فلكل صنف منهم خصلته وخلاصه. الثعابين و السحالي و الديدان تعرف كيف تعيش بين الرمال..والفئران تصنع بيتا له ألف باب فتضل الريح طريقها إليها..ولا عليك فالجمال والماعز وبقية حيوانات البدو تملك صبرا يحسدها عليه الجميع.

وحدها العصافير هي القادرة على أن تحتفظ بهدوئها , وتصدر الأحكام التي يصعب على الآخرين اتخاذها . وإلا بم تفسر يسمعونها .. تنادى على رياح الجنوب غير عابئة بشباك الصيادين؟!

شعر الجميع بالرعب وهم يشاهدونها تعدو طائرة جنوبا, بينما  الخماسين تملك من الحيل الكثير..قادرة هي على الفتك بتلك العصافير الصغيرة.

لن تترك لها فرصة لأن تذهب إلى ريح الجنوب الندية..

فخرجت الحيوانات و الزواحف و الناس من تحت الأرض و فوقها..يحذرون:

           "ريح الخماسين أقوى منكم ألف مرة

            قادرة هي .. أن تهشم الأشجار الراسخة

            لا تجعلوا شيئا يتحقق بالقتال من غير أن تأخذوا حذركم

            ومهما كان عدوكم أقوى أو أضعف منكم .

            هل تسمعون يا عصافير السماء؟

            إذن لم تسمعوا ..ربنا معكم!!"

سؤال؟!

في زمن لا يعرفه أحد, كانت المياه تسقط من ارتفاعا شاهق, فتصنع شلالا يبتلع كل ما يصادفه, وتصدر صوتا كصوت الرعد.

ابتعد الناس عن مكانه إلا من صبى صغيرا يكبر..سنة بعد سنة يسعى لأن يصعد الشلال..فأطلقوا عليه لقب "الولد الجن" بسبب مغامراته كل ربيع.

يتجه نحو الشلال حيث تفور المياه وهى تزمجر في الهواء في طريقها من أعلى إلى أسفل..يتمنى لو ينجح في الوصول إلى ذروته, ليس بهدف اجتياز الصعاب, لكنه يسعى لأن يرى تلك الفتاة الجميلة الذي كانت سببا في صنع الشلال.

قالوا أن الفتاة الجميلة الصغيرة تقدم لها شباب القرية كلهم, لكن أهلها زوجوها بعجوز بخيل, ظنا منهم أنه سيعطيهم من أمواله. لم يفعل العريس العجوز. كان يترك عروسه بلا طعام أو شراب, يشغله تأمل أمواله.

قالت العروس في نفسها:"الأفضل أن أهرب", وفى الظلام خرجت من الخيمة حتى وصلت إلى قمة الصخور المرتفعة. لم تكف البكاء فانسابت الدموع, وهطلت كالأمطار فصنعت الشلال.

منذ تلك الليلة لم يرها أهلها, وجيل بعد جيل يردد حكاية الشلال. إلا الولد الجن الذي قرر وحده مقابلة العروس.

ظن أنه لو علق قاربين صغيرين في قدميه, يمكنه اعتلاء مياه الشلال..فعل و فشل. وفى الربيع التالي , ظن أنه سوف ينجح لو علق طائرين كبيرين على ذراعيه يمكنه اعتلاء الصخور من الجهة الأخرى ..فعل و فشل.

وفى الربيع الثالث استنفر الولد الجن كل خبراته ومعلوماته وما سمع وما عرف حول الشلال ..فكر مليا في طريقة جديدة مبتكرة يصعد بها إلى الفتاة.دبر أمره,ولما اهتدى إلى الطريقة والطريق,لم يبق أمامه إلا سؤالا وحيدا:لماذا كل هذا الذي أصنع؟ على الرغم من نجاحه في الإجابة على كل الأسئلة ,إذا به يصاب بما يشبه الإغماءه .لم يجد في رأسه إجابة !!

فصول السنة

فصول السنة على أرض تلك الجزيرة النائية كريمة معطاءة.ففي الشتاء تعدهم السحابة المخملية بالماء الزلال طوال العام. وفى الربيع يتزوج الأولاد و البنات وكذا الكائنات من حولهم ومن فوقهم وتحتهم وعند الشاطئ .

يأتي الصيف لترميهم أمواج البحر الشقية بكائنات يجهلونها لكنها شهية. وعندما يصل الخريف يأتي زمن الحصاد ..مع ذلك لا يشعر أهل الجزيرة بالرضا, يملأهم الضجر من شهيق وزفير أنفاسهم. لا يكفون عن التساؤل: لماذا فصول السنة؟؟

يأتي الشتاء يلعنون برده وصقيعه, يتبعه الربيع يظنون أن الزهور أسعد منهم. يجئ الصيف يشكون من حرارته, يحط الخريف يلعنون مشقة حصاد ثمار أشجارهم!!

اجتمعت فصول السنة , و كان قرارهم الغامض. حل ميعاد الشتاء, فأخذ الثلج يتساقط بشدة وبلا انقطاع, حتى امتلأت الطرقات بذاك الأبيض الهش البارد, وزاد الشعور بالبرد, حتى تعبت النار معهم ولم تعد تكفيهم. فلما جاء الربيع و تراءى لسكان الجزيرة حلم واحد غريب وغامض: لو استمر الدفء البادي هكذا , ستغرقهم مياه الثلوج المنصهرة. كان عليهم تحصين ديارهم من فيض مياه لا حيلة لهم أمامها.

فاضت المياه امتلأت الطرقات بالوحل, لم يكن لهم من حيلة إلا سكنى أعالي الجبل.  سرعان ما جاء الصيف , وهبهم حرارة شمس لم يشعروا بها من قبل, لم تتركهم قبل أن جفت الأرض المزروعة وذبلت الزراعات وهلكت, ونضبت ضروع حيواناتهم.

وفى صباح جديد , فركوا عيونهم, واستيقظوا . قرروا أن يجلسوا مع حكيم جزيرتهم يسألونه : "لماذا فصول السنة؟!".. نصحهم بالانتظار !!

لم ينتظروا, القوا بقاربهم الكبير في  البحر, جدفوا نحو الجزيرة الأخرى, فوصلوا قبل أن تصل موجات البحر. بدت الجزيرة مهجورة, كل الأشياء ساكنة من حولهم.. حتى الشمس عرفوها تغرب عندما أغمضت جفونها, زراعات الأرض لا تنمو ولا تهلك وان هرسوها, عرفوها بروائحها الزكية.

انشغلوا في نحت حصون بحجم أجسامهم, و بالبحث عن جدول يرتوون منه,ثم بقدر مناسب من شعلة صغيرة جدا من النار..لم يجدوها. تابعوا بإصرار جماعي , شعروا بالتعب ولم يسقطوا ما في رأسهم .

 ما حدث بالضبط أن سقطت أجسادهم من شدة التعب مثل حجر صلد , فأشفقت  الأرض المشقوقة عليهم , واحتوتهم بحنان وخفة دون أن تسألهم إن كانوا حقا يبغون ذاك الحنان و تلك الخفة .. لم تترك الأرض لهم الفرصة !

 

فتاة المرآة

كانت الفتاة الجميلة تئن مثل كلب مسعور يجرجر نفسه على الأرض إلى حيث لا يدرى. بينما صديقتها المرآة الكبيرة تصيح عليها:"لا تتركيني وحدي".

تذكرت المرآة ما قالته في نفسها يوم أن تصادقا: "أخيرا وجدت لي موطنا في تلك القرية الغريبة". فأهل تلك القرية –قرية الصيادين- انشغلوا عنها بالتقاط الأسماك الخبيثة من مياه البحيرة القريبة. بينما انشغلت الفتاة بجمالها أكثر.

ولأنها جميلة بحق تعلق بها كل شباب القرية, وتعلقت هي بالمرآة. ففي الفجرية تحمل المرآة وتخرج من الكهف الجبلي, تغمز بكلتا عينيها إلى عيني الشمس..تفهم الشمس وتتواري قليلا. وفى المغربية تشوح بكلتا يديها إلى قرص القمر..يفهم القمر ويخبوا قليلا. فيقول الصيادون في جلسات السمر وهم حول النار : " إنها فعلة الفتاة الجميلة, لكن جمالها لا يغنينا عن نور الشمس ولا هالة القمر. لو تزوجت وملأت طرقات القرية بأطفال يصبحون صيادين مثلنا كان ذلك أفضل" .

لم تعلن الجميلة عن غضبها, كل ما علقت به:" اتركوا لي برهة من الوقت, لعلى أصبح أكثر جمالا"!. وتعلقت بالمرآة أكثر كثيرا عما قبل, فبدت وكأنها ولدت مع توأمها المرآة واستغنت بها عن كل سكان القرية.

و اعتادت الجميلة في الفجرية والمغربية تسأل المرآة: "هل أصبحت أكثر جمالا؟", ترد المرآة:"لم يصل شعرك الناعم إلى الكعبين كعروس البحيرة , ولا أرى العينين

واسعتين لامعتين كعيني سمك البحيرة, ولا شفتيك مبرومتان..ولا...". فلا يطول الحوار, حتى يتجدد في اليوم التالي, هكذا بلا نهاية. فيما أصبح شباب القرية على فريقين, جماعة منهم تعلقوا بالجميلة يلوحون لها لو تقبل الزواج بأحدهم,و جماعة منهم تعلقوا بالمرآة أكثر!

طال الحوار بين الجماعتين, أصبح الحوار صراخا, لم يعد يحسم أمرا..حتى أيقن أهل القرية أن شبابهم انشغلوا عن الفتاة الجميلة ومرآتها التوأم.

للمرة الأولى تشعر الجميلة بالحيرة ثم بالغضب, وحتى منتصف الليل, لم يغفل لها جفن...

قررت أن تخرج إليهم  ...

فلما خرجت, لم تجدهم...

شعرت الجميلة وكأنها تسكن قرية يقطنها الأشباح, ربما لأنها نسيت أن من حق أهلها النوم و الراحة!!

لم يعد يمكنها أن تفعل شيئا بعد أن طرقت الأبواب بشدة , وصرخت بقوة عليهم , لم تفعل شيئا بعد ذلك سوى البكاء.. وأن تعدو بعيدا عن المرآة, حتى بدت وكأنها تئن مثل كلب مسعور يجرجر نفسه على الأرض والى حيث لا يدرى.

عيون الصقر

يحكى أنه كلما ضرب الصقر بجناحيه أكثر , هام واعتلى , فطوى الوادي كله: بأشجاره , أباره , وكل حيواناته البائسة غير القادرة على الطيران!

الآن تصرخ عينا الصقر يقول: " أنا أملك الوادي كله"

فما هي إلا دقائق , إذا بالريح تقتلع الأشجار العصية , والأمطار تغرق الزروع القائمة .. ثم صنعت غشاوة , حتى فقدت العينان الرؤية .

لحظات بعدها , حتى ثبتت الجناحان , سقطت الريشات الطويلة القوية.

ربما بسبب الدوار الذي  قبض على رأس الصقر, أو بسبب تلك الصخور المدببة أعلى الجبل.. سقطت عينا الصقر.

وفى اللحظات الأخيرة , لمحت العينان دم القلب ممزوجا بوحل الوادي , فأدركت أنها لم تكن تملك شيئا !!

 

عماء الخفاش

يحكى أن عيون الخفاش تمنت العماء ليلا على عكس طبيعتها.

حاول الخفاش أن ينام ليلا , ويستيقظ مع ضوء الشمس , كما كل حيوانات الغابة من حوله.

لم ترحب به كائنات الشمس , تكتلوا عليه , حرموه من رغبته الأخيرة . فلما تفصد عرقا , أشفقوا ثم سألوه.

قال : أمتلك اليوم عينين بحنكة كل الكائنات .

قالوا: كيف ؟

قال : ليلا وفى الظلمة , ترى عيني ما لم تكن ترى  من قبل.

سألوه عما يراه ؟ , فأجاب بصوت رخيم :

" رأيت تحت الأرض , سكينا حجريا باترا .. تآكلت ذؤابته..

  رأيت تحت الأرض , مياه آسنة , بينما العشب الضئيل على السطح في حاجةإلى قطرة ماْء ..

  رأيت تحت الأرض,رفات الصياد الماهر الذي أعرفه,ما خابت سهامه ذات مرة ."..

 

على الطريق

.. حدث هذا في الشتاء , أن انتهى من كتابة قصيدة جديدة , لم يستخدم الحيلة كي ينتهي منها وهو هكذا سائرا على الطريق.

كان طريق الشتاء رمل