قلب برسم التطبيع.!

شاب فلسطيني، مثل زهرة الصباح، أصابته على حين غرّة شظيّة قنبلة انطلقت من دبّابة صهيونية صوّبها عليه بدقّة شاب صهيوني أشقر بقصد القتل.. نقلته سيارة إسعاف إلى مستشفى..
أعلن الأطباء: إن الشاب الفلسطيني المصاب.. مات سريرياً..
عشرات مثله استشهدوا بتلك الطريقة أو غيرها، لكن الخبر الذي استوقفني، هو أن والد الشاب تبرّع بخمسة من أعضاء ابنه الشهيد، لإنقاذ خمسة أشخاص يحتاجون بإلحاح إلى أعضائه تلك..
إنسانية.. بل هي أعلى مراتب الإنسانيّة.. أليس كذلك.؟
تتمّة الخبر أن أربعة من الأشخاص المتبرّع لهم هم من.. الصهاينة. وخامس فلسطيني مسكين أدرج اسمه وتصنيفه للدلالة على وحدة الإنسان في كل مكان وزمان..
قلب الشاب الفلسطيني المتوفى سريرياً، نقل إلى صدر شاب صهيوني، وأنقذه من موت محقق..
خبر مثير صاغته أدمغة خبيرة وخبيثة.. تناقلته بسرعة البرق وسائل الإعلام المنظورة والمسموعة.. وصبّته في رؤوسنا، وأمام نواظرنا..
تمنيت لحظة سمعت الخبر، ورأيت انسفاحه على الشاشات الصغيرة بفظاظته، وضحالة فهمه، وبسباحته الممجوجة عكس التيّار، لو أنني أنهال على رأسي ضرباً لأستيقظ من هذا الهراء..
تساءلت والدهشة تعقد لساني: ماذا يعني أن تتناول أكثر الوسائل الإعلامية شهرة هذا الخبر بكثير من الانبهار والتكرار.؟
قلت: هي الجدوى إذاً من المبالغ الطائلة، والعقول الهائلة، والقدرات الخارقة، التي ترصدها الـ سي. آي. إيه.. والمؤسسات الصهيونية العالمية، ومن يدورون في فلكهما، لاستهلاك الضمائر المؤهّلة لفعل الخطيئة، وتمويت قيمها لغاية تكريس مقولة إمكانية التعايش، والتطبيع..
يخرج الطبيب الجراح، "وهي كما نعلم أنبل مهنة إنسانية" بثوبه الأبيض، وابتسامته الرائقة ليعلن أمام العالم، وعلى شاشات الفضائيات العربية والأجنبية بأنه اكتشف أخيراً وهو يمسك القلبين بين يديه "القلب المعطوب والآخر السليم".. أن لا فرق بينهما..
ثم يأتون بالمتبرع العظيم، "والد الشاب الذي استباح لنفسه حقاً لا يملكه" يلقّمونه كلمات مؤثرات ليقولها والدموع تبرق في مآقيه:
(إنه لم يشعر بمثل هذا القدر من السعادة من قبل، وهو يحسّ أن حياة ابنه ستستمر قلباً ينبض في صدر ذلك الشاب الصهيوني..!)
تراه لم يسمع أن عشرين ألفاً وأكثر ناهيك عن ملايين من بني جلدته يحتاجون إلى عيون وأطراف وأكباد وقلوب.؟
أم تراه لم يسمع أن ذلك الفتى الأشقر المتبرّع له جاء من أقصى الكرة الأرضية، يحمل مشروعاً استعمارياً استيطانياً يقوم أساساً على تذويب بشر المنطقة، احتلّ بالقوّة بيت الضحية، وطرده شرّ طرده. سرق حقّه في الحياة.. تنشّق هواءه.. داس على ورود حديقته.. أكل برتقاله وليمونه.. حاصر مدنه وبيّاراته وقراه.. قتل أطفاله جوعاً ورصاصاً.. وقتل نساءه قهراً وحسرة.. وقتل رجاله ذلاً وبؤساً.. ثم أخيراً وليس آخراً صوّب عليه بدقّة مع سبق الإصرار والترصّد.. وقتله.؟
فهل يستطيع أحد أن يدركني، ويفهمني حقيقة ما يجري..؟
إذا كان ذلك المتبرّع الموصوف "إذا أحسنّا الظن" بالنبل الإنساني المفرط بالأريحية ينشد ترويجاً لتقبّل التعايش. وهو يعلم أنه عيش تحت أقدام الغازي، فأقل ما يقال فيه أنه هراء.!
لكّن الأصح والأقرب للتصديق أن الذي جرى، وطبّلت له وسائل الإعلام وزمّرت ينضوي تحت مسمّيات مشبوهة، ورخيصة.!
تمنيت لو أن ذلك المتبرّع، حتى يضع اسمه وانتماءه تحت أحد الشعارات الحديثة -الوطنية- الكثيرة التي نسمع عنها في هذه الأيام، أدرج شرطاً قبل توقيعه على لائحة التبرّع يقول فيه:
أعطيك قلب ابني الذي قتلته شريطة أن ترحل عن قلوبنا..
هل حدث ذلك.؟
ما نقلته لنا وسائل الإعلام ينفي بإصرار ذلك التمنّي..
ونحن أيضاً نعتقد أن ذلك لن يأتي من ضمائر ماتت، ونفوس هزلت، وجباه انحنت أمام إغراءات آنيّة. ونؤمن يقيناً أن اللحظة التي يتعافى فيها ذلك الأشقر، ويأخذ في تركيبة ذلك الكيان موقعاً.. سواء كان جندياً في جيش الاحتلال، أو كان مستوطناً، أو كان مستنشقاً لنسمة هواء تخصّنا..وأنه دون أدنى شك سيمارس بإصرار أكثر مهنة القتل، التي لا يتقن سواها، وستطال أنيابه ورصاصاته وقنابله آل المتبرّع..!