|
لا
شك في أن حلم البشرية منذ فجر التاريخ،
كان ولا يزال قيام مجتمع إنساني خال من
الصراعات والحروب. مجتمع تسود فيه المحبة
والوئام، ويأمن الناس به على أرواحهم
وأموالهم وأعراضهم. ومن هنا جاءت الدعوات
المتكررة للسلم التي جسدتها العقائد
والأديان في سياق موضوعي صحيح.
لذلك
فإن بالإمكان تفهم الدوافع التي تحرك
البعض من ذوي النوايا الحسنة، حين يدعون
إلى التوصل إلى اتفاق مع الكيان
الصهيوني، يضمن الإعتراف بمشروعية وجود
الدولة اليهودية، ويعيد إلى الفلسطينيين
حقوقهم، ويشيع روحا جديدة من التعاون
المشترك. ويتيح المجال للشعوب والحكومات
العربية أن تتوجه بجدية نحو استخدام
مواردها في عملية التنمية والتطور
والنهوض بمجتمعاتها.
على
أن ما يواجه مثل هذه الدعوات هو أنها
تتجاهل، إما عمدا أو عن غير قصد حقيقة
المشروع الصهيوني ومكوناته ودوافعه.
وتحاكم الأمور بشكل مسطح، ومن خلال
استعارة مفاهيم وتعريفات ومدلولات،
تطرحها ذات القوى التي روجت منذ البدء
للمشروع الصهيوني، وشاركت عن طريق الفعل
المباشر أو الصمت العاجز في صنعه.
فالمشروع
بطبيعته وكما أريد به منذ البداية، قد
أسس ليكون إسفينا يحول دول وحدة الأمة
العربية. لقد تكالبت مجموعة من الحقائق
التاريخية والجغرافية، لتجعل من الموقع
الفلسطيني محط أنظار الغزاة منذ القدم.
ولذلك لم يكن غريبا، أن يهتم جميع الغزاة
منذ فجر التاريخ وحتى يومنا هذا بهذا
الموقع.. لقد وصل الرومان والإغريق
والبيزنطيين والفرس والأتراك،
والإستعمار الأوروبي الحديث إلى هذه
البقعة. إنها المنطقة التي تربط آسيا
بأفريقيا. وحين وصل نابليون إلى مصر،
وأطل على جانبها الشرقي، لفت انتباهه
خطورة هذا الموقع. لقد اكتشف أنه المكان
المنطقي والمناسب للزحف شرقا باتجاه
الخليج وغربا باتجاه الشام. ولذلك اقترح
أن يؤسس على هذه البقعة كيان ما، مستعمرة
أو سلطة، ويجب أن تكون أوروبية لتحول دون
تجرؤ أي نظام محلي من ربط ضفتي القارتين،
آسيا وأفريقيا ببعضهما البعض في عملية
توحيدية.
ومن
المؤكد أن قيام محمد على باشا باحتلال
الشام والجزيرة العربية ووصوله شمالا
إلى أضنه، قد نبه الأوروبيين إلى إمكانية
حدوث مثل هذا الإحتمال. ولذلك لم يكن
مستغرب أن تتكالب الجيوش البريطانية
والفرنسية والروسية لإنقاذ السلطان
المريض في الأستانة من الزحف الطموح
للباشا. كما لم يكن مستغرب أن يكون وعد
بلفور أوروبي في طبيعته ونشأته.
لقد
أدرك الأوروبيون، بعد تجربتهم مع صلاح
الدين الأيوبي، أن استمرارية استمرار
السيطرة على هذا الجزء من العالم تتطلب
تحويل الإحتلال إلى استعمار استيطاني،
وهذ هو الجانب الأخطر في المشروع
الصهيوني. وقد جاءوا به في رداء إنساني
كصيغة حل لمعاناة اليهود على يد
الأوروبيين أنفسهم. إنه كي يستمر طويلا،
فلا يكفي أن يكون مجرد احتلال عسكري من
مستعمر فتي، يمكن أن يسقط في أي وقت أمام
ضربات حركة تحرر وطنية، فيرحل الغزاة..
كما هو الحال مع الشعوب الأخرى التي عانت
من القبضة الإستعمارية.
كما
أدركوا أن ديمومة هذا الإستعمار
الإستيطاني، تتطلب أغطية أخلاقية
وآيديولوجية، وصياغة مكونات الهوية
الجديدة للمستوطنين. ومن هنا طرحت مقولات
الحق التاريخي والهوية الثقافية
اليهودية والتفوق العرقي، وإيجاد مخرج
لحالة الإضطهاد والشتات الدائم. ومع أن
هذه المقولات انحدرت إما من أسطورة
ثيولوجية أو من مورثات استعمارية، فإنها
وجدت من يتلقفها ويتبناها ويدافع عنها...
بل ووجد، بين بعض القوى التقدمية العربية
من يخلط عن عمد بين النظام العربي الرسمي
وبين الدفاع عن عروبة فلسطين. فما دامت
قوى الإقطاع وبقايا النفوذ التقليدي
والعشائري هي التي تصدت للدفاع عن عروبة
فلسطين في حرب عام 1947، ومادامت القوى
الصهيونية التي دخلت في مواجهة عسكرية
وحضارية مع هذا النظام العربي هي أكثر
فتوة وتحتل في السلم الإجتماعي موقعا
طبقيا متطورا، إذن فإن المنطق يقتضي أن
نكون إلى جنب قوى المستقبل. إن ذلك سوف
يكون مساهمة عملية في نقل المجتمع العربي
من واقعه التقليدي شبه الإقطاعي المتخلف
إلى حال أفضل بشكل أوتوماتيكي، هكذا..
وهكذا،
أمام هذا التبسيط بدت كل الأطروحات التي
تنادي بعروبة فلسطين، وتدعو للتحرير
وتحقيق الوحدة بين العرب رومانسية
ومثالية وغير واقعية، بل وغير منسجمة مع
روح العصر. وقد ساهمت ظروف تاريخية،
بضمنها التحالفات التي نشأت أثناء الحرب
العالمية الثانية، والنتائج التي
أفرزتها تلك الحرب في تعضيد هذه المقولات.
إن
البديهي والمنطقي، أنه حين يرفض الفكر
العلمي الأسطورة، فإن ذلك يستتبع رفض كل
ما يتمخض عن الترويج لها من نتائج. لا
يمكن أن نرفض أسطورة ما ونسلم في النهاية
بقيام كيان يستمد مشروعيته منها، خاصة
إذا كانت تلك الأسطورة تستمد مقوماتها من
رؤى عنصرية
وغير أخلاقية، تبيح الإعتداء على حقوق
الآخرين وتشريدهم والإستيلاء على
ممتلكاتهم. وبالمثل فإن من غير الممكن أن
نحارب الإستعمار، ومن ثم نقبل بنتائج
هيمنته علينا، باعتبارها مسلمات ليس في
مقدورنا التحكم فيها. وهكذا كان من
المنطقى والمشروع أن تضع الشعوب التي
استقلت ضمن مهمامها وبرامج عملها التخلص
من التركة التي خلفها الإستعمار.
ربما
يتصدى لنا مجادل بالقول، وما جدوى إضاعة
الوقت في الحديث عن التاريخ.. عن الماضي..
أو ليس الأجدى أن نتطلع إلى المستقبل؟! إن
وجود الكيان الصهيوني على أرض فلسطين هو
أمر واقع، وقد قبل به الفلسطينيون
أنفسهم، ولا يمكن لأي كان أن يزاود عليهم.
فهم الذين يعيشون تحت حراب الإحتلال، وهم
الذين يتصدون بصدورهم لرصاصه. إن إسرائيل
دولة معترف بها من معظم دول العالم، وهي
تحظى بصفة الدولة الأكثر رعاية من قبل
الولايات المتحدة الأمريكية. وقد ثبت أن
العرب لا قبل لهم بالحرب معها. ثم إن هناك
فرص لقيام دولة فلسطينية فوق الضفة
الغربية وقطاع غزة.
ورغم
ما يبدو من وجاهة في هذا الرد، فإن أول ما
يصدم فيه هو أنه يتجاهل أن الوجود
الصهيوني ليس خطرا على الفلسطينيين
لوحدهم، حتى يمكن التسليم بمقولة أن أهل
البيت قد قبلوا بوجود المعتدي في دارهم،
فما بالك تزاود عليهم. والرد ببساطه هو أن
الصهاينة اعتدوا على مصر وسوريا ولبنان
والأردن وتونس والعراق، وقاموا بعمليات
عسكرية استقزازية ضد أقطار عربية أخرى.
أو ليس من المنطقي أن يكون للشعوب
العربية التي يتعرض أمنها ذاته للخطر
الحق في مواجهة المشروع الصهيوني،
كمشروع يشكل خطرا مباشرا على أمنها
وسلامة أراضيها.
ثم
إن القول بأن الفلسطينيين أنفسهم قد
قبلوا بالمشروع الصهيوني هو أمر مشكوك
فيه ولا يصمد أمام الواقع. فتعداد الشعب
الفلسطيني الآن يتجاوز الثمانية ملايين
نسمة. مليون منهم فرض عليهم العيش تحت
الإحتلال في الأراضي التي احتلها
الصهاينة منذ عام 1948. وقد تمسكوا بهويتهم
ورفضوا الإندماج في المجتمع الإسرائيلي.
وقد أثبتت الإنتفاضة الباسلة عمق
انتمائهم لأمتهم وتشبثهم بهويتهم
الفلسطينية. وخمسة ملايين لا يزالون
يعيشون في الشتات في المخيمات
الفلسطينية في لبنان والأردن وسوريا. وقد
شكل هؤلاء العمود الفقري للمقاومة
الفلسطينية منذ بداية نشأتها حتى قيام
الكيان الصهيوني بغزو بيروت ورحيل قوات
المقاومة إلى الخارج، وتمركز قيادة
منظمة التحرير الفلسطينية في تونس. لقد
نقل اندلاع الإنتفاضة الفلسطينية الأولى
مركز الجاذبية في الصراع مع العدو
الصهيوني من المخيمات الفلسطينية في
الشتات إلى الأراضي المحتلة في الضفة
الغربية وقطاع غزة. وسكان المناطق
المحتلة لا يشكلون سوى المليونين من
الثمانية ملايين فلسطيني. وبضمن هؤلاء
كما نعلم زعامات وطنية وحركات مقاومة
بأسرها، كحماس والجهاد والجبهة الشعبية
وبعض كوادر فتح ترفض التسليم بمبادرات
السلام الأمريكية المطروحة، وبنفس
المنطق الذي يواجهنا به دعاة التطبيع
يمكن القول أن لا أحد يستطيع المزاودة
على حق هذه القوى في خياراتها
واستراتيجياتها. أما الآخرون، فإن
أوضاعهم المزرية تجعلهم في حل قانوني من
مضامين تصريحاتهم. فهم أشبه بالمعتقل
الذي يجري انتزاع اعتراف منه، بالقوة
والإكراه.
لا
يمكن لأحد الأدعاء بأن الفلسطينيين
يقررون الآن خياراتهم بملأ إرادتهم، بما
فيهم الرئيس الفلسطيني نفسه. فقد فرض
عليه لمجرد فك الحصار عنه أن يسلم بعض
المقاومين الفلسطينيين إلى رقابة
أمريكية وبريطانية، وأن يرحل بعض
الفلسطينيين من كنيسة بيت لحم إلى غزة
وآخرين إلى خارج الوطن. إن القول
بالإختيار، يفترض القدرة عليه. وشرط ذلك
أن يكون الذي يختار حرا، وأمامه جملة من
الخيارات. أما وأن الفلسطينيين قد وضعوا
في حالة مزرية ومأساوية فإن قبولهم بأي
شيء الآن لا تبنى عليه أية حجة قانونية أو
عقلية، ولا يكون مدعاة لاتهام الرافضين
للتسليم باغتصاب العدو لفلسطين
بالمزايدة.
إن
الذين يطالبون بالتطبيع مع العدو
الصهيوني، عليهم أولا قبل أن يجادلونا
القول تحديد مصير خمسة ملايين لاجئ
فلسطيني، يعيشون في الشتات. ومن ثم تقديم
خارطة جديدة بحدود دولة إسرائيل.. خارطة
يقبل بها اليهود والمجتمع الدولي والعرب
على السواء. وكيف سيتم التعامل مع
الترسانة النووية وأسلحة الدمار الشامل
الإسرائيلية. وعليهم أيضا أن يقولوا لنا
كيف ستحافظ إسرائيل على يهوديتها
مستقبلا؟ هل بتحديد النسل العربي في
فلسطين، أم بطرد عشرات الآلاف من
الفلسطينيين خارج أرضهم مع افتتاحية كل
عقد من الزمن. وكيف ستتخلى إسرائيل عن
عنصريتها ونهجها التوسعي. وما هو مستقبل
وصلاحيات وحدود الدولة الفلسطينية
المنشودة التي يتوقع منها أن تكون مجرد
كانتونات متناثرة وسط محيط من
المستعمرات والمستوطنات الصهيونية،
والكثير من الأسئلة الأخرى التي تاهت في
رحلة البحث عن أجوبة خلف ضجيج وأوهام
السلام.,
 |