|
المخرج
حميد عقبي
اطلعت على بعض المقالات التي جمعت ونشرت تزامنا مع مهرجان أفلام الإمارات هذه
التظاهرة الفنية التي خصصت للسينما الشعرية وأود أن
أتحدث بشكل سريع وأعطي ملاحظات حول بعض ما كتب.
ـ أكثر المقالات سبق وأن نشرت في صحف وعلي مواقع
عديدة أي أننا افتقدنا الجديد وبعض هذه المقالات
انطباعات عابرة تفتقد إلي العمق وهذا طبيعي كونها
نشرت في صحف او علي مواقع اليكترونية وهناك فرق كبير
بين الدراسة التحليلة والمقالات الصحافية وكنت أتمني
أن تنشر دراسات مختصرة تعتمد علي التحليل الفني
الأكاديمي وأن تناقش هذه الدراسات في حلقات وان تنشر
التعليقات حولها.
هناك مقالات لا تتعلق بالموضوع نهائيا وهذا يدل علي
ان المعدين للكتيب وقعوا في مأزق ربما فاستعانوا
بمقالات أخري للحصول علي الكم. هناك خلط واضح بين
مصطلحات عديدة مثل السينما الشعرية والشاعرية وبين
السينما الشعرية ومعالجة القصيدة الشعرية سينمائيا
(سينمائية القصيدة الشعرية).
السينما الشعرية لا تعني ابدا ان نعالج قصيدة شعرية
سينمائيا فقد تتم معالجة احدي القصائد الشعرية وقد
لا يكون الفيلم فيلما شعريا. والحوار الشعري في
الفيلم لا يعني ابدا ان الفيلم شعري. السينما
الشعرية هذا المصطلح الصعب الذي أطلقه المخرج
الإيطالي بازوليني وتحدث عنه المخرج الفرنسي جون
كوكتو. بازوليني يؤكد أن السينما أداة للتعبير
ويعتبر السينما لغة تعبير قادرة علي إيصال الأفكار
والأحاسيس ويعتبر ان السينما الشعرية سينما تتعمق في
الوضع الاجتماعي بطريقة تحليلية فلسفية نقدية وقد
يثير هذا التحليل الكثير من النقد ووأكثر
السينمائيين الشعراء يمزجون بين أفكارهم الشخصية
الذاتية وفلسفتهم الخاصة وأحاسيسهم مع الفلسفات
والأساطير أي ان الفيلم الشعري لا يعتمد علي قواعد
مكتوبة في الإخراج السينمائي فهذا الاتجاه اثار
الكثير من الاضطراب وخلط العديد من الأوراق.
فالسينما ليست مجرد حرفة وصناعة إنها فن ساحر كما
يقول جون كوكتو السينما تصنع الجمال ففيلمه كمثال دم
شاعر اثار الكثير من القلق ويقول انه لم يفكر ابداً
بصناعة فيلم كان يود تصوير قصيدة بصرية وقد لا يعجب
البعض هذا الفيلم والأفلام الشعرية كوننا أمام سينما
فلسفية كما يؤكد كوكتو ان السينما الشعرية سينما
تفكير فالمشاهد مطالب بأن يفكر ويحلل وأهم شيء ان
يحس كما يؤكد المخرج السينمائي بيرجمان فالسينما
الشعرية سينما أحاسيس قد لا تكون هناك قصة وسرد قصصي
منطقي كما نلاحظ في أفلام بونويل وخاصة كلب اندلسي ـ
العصر الذهبي أوكما عند كوكتو دم شاعر وكذا في بعض
أفلام بازوليني وتاركو فسكي وبيرجمان.
الفيلم الشعري يمكن ان يكون مجموعة من أحلام وكوابيس
المخرج نفسه وهو يمزج هذه الأحلام والكوابيس
والخيالات المجنونة أحيانا ويستعين بهذا الفن الساحر
لتكون النتيجة أفلام قلقة ومرعبة أحيانا والسينما
الشعرية سينما نقدية تمس كل المحذورات وقد منعت
العديد منها بسبب النقد اللاذع للدين انها سينما
تفكير، وتفكير بصوت مسموع وصورة مرئية.
اننا امام سينما تحتاج إلي مشاهدة خاصة واستعداد ففي
كل لقطة من لقطات الفيلم الشعري امامنا رمز وقد
نختلف في تحليله وفهمه وقد نعجز أحيانا في الوصول
إلي اجماع فالمعني سيظل في عمق الشاعر ويحرص الكثير
من المخرجين ترك كل شيء كما هو ويظل هذا الغموض
مغامرة ممتعة عند كل مشاهدة.
سنجد أيضا أننا أمام سينما تشكيلية فبناء أللقطة
بناء خاص وأحيانا قد تكون لوحة تشكيلية اقرب منها
إلي لقطة سينمائية ولو أننا قمنا كمثال بأخذ كل لقطة
من لقطات أي فيلم شعري فنحن سنحصل علي لوحات تحمل
الكثير من المعاني كونها في الأساس أحلام مجنونة قد
تكون مرت علي المخرج في اليقظة اوالمنام فاليد
المليئة بالنمل وجثتا الحمارين الموضوعة علي البيانو
في فيلم كلب اندلسي تحمل الكثير من الدلالات والرموز
بلاغة السينما كفن ساحر يقودنا إلي هذه الأحلام
المجنونة.
وسنجد كما عند بازوليني الذي يستخدم الجسد البشري
العاري ويصوره باسلوب فني رائع سنجد اضطراب هذا
الجسد رعشته جماله ليس الهدف هنا أن يثيرنا جنسيا
فبازوليني يحاول الوصول إلي الروح هذا السؤال الصعب
والكبير وسنجد بيرجمان يسلط ويهتم كثير بالوجه
الإنساني للوصول إلي الروح ويعتبر الوجه الإنساني هو
الوسيلة للتعمق إلي النفس الإنسانية. السينما
الشعرية تثير اسئلة صعبة وتتوغل في قضايا مثل الموت
والجنس والدين والله فبيرجمان مثلا دائما يردد اسئلة
في أفلامه من نحن؟ ما هبة الحياة؟ ما هوالموت ؟ ماذا
بعد الموت؟ لنشاهد فيلمه الفرو اله البرية أو فيلمه
صرخات وهمسات.
سنجد ان اغلب الأفلام الشعرية معالجات لأساطير كما
في فيلم اورفي او ألف ليلة وليلة أو فيلم أوديب ملكا
. ولكل مخرج فلسفته الخاصة وهوهنا لا يريد ان يسرد
لنا الأسطورة بل يحرص علي ان يسرد أسطورته الخاصة به
فهمه الخاص لهذه الأسطورة ويمزج بين أساطيره الخاصة
وجنونه وأوهامه وأحلامه وكوابيسه بالاسطورة.
الخيال الذي لا حدود له هو ما يميز هذه السينما
والأحاسيس وأفكار المخرج ووجهات نظره الخاصة ستكون
هي المحرك الأساسي والأساس الذي يبني عليها المخرج
كل لقطة من لقطات فيلمه كون اغلب المخرجين الشعراء
يمارسون هذا الفن الساحر لحاجة في نفوسهم وليس من
اجل المشاهد او الربح فالمخرج يلبي رغبته وأحلامه
ولا يهمه أن يفهم المشاهد اللقطة ام يخرج من صالة
السينما احتجاجا علي هذا الجنون.
مارس المخرج الشاعر هذا الفن السينما ليس كحرفة بل
كلذة شخصية وهذا تماما ما نجده عند الشاعر فالشاعر
عندما يكتب قصيدته من اجل بيعها فهو هنا يصنع وقد
تكون النتيجة فاشلة ولكن كلما كان الشاعر صــادقا
ومجــــنونا في شعره كان رائعا وقال العرب قديما
أفضــل الشعر أكذبه تعبيرا علي الخيال بدون حدود عند
الشـــــاعر والشعر ضرب من الجنون وكذا هنا السينما
الشعرية سينما مجنونة فقد يضرب المخرج الشاعر
بالقواعد عرض الحائط والسينما الشعرية اتجاه مضاد
للاتجاهات السينمــــائية (السينما التجارية ـ سينما
النجم ـ أفلام الاكشن) الأخري التي حـاولت كتابة
قواعد ثابتة في الإخراج السينمائي إنها تحرر من هذه
القواعد ولكنه خروج واعٍ جاء عن تجربه فنية وجمالية
فتاركوفسكي مثلا يكسر قواعد نظريات المونتاج عند
ايزنشتاين وقد يترك اللقطة مدة طويلة ويدعك كمشاهد
واجه لوجه مع الشخصية فلا يحول كأميرته وقد تظل
الشخصية صامته لا تفعل شيء سوي أنها تشاهدك هي
الاخري.
طبعا انا هنا لن اكتب تعريف السينما الشعرية واكتفي
ببعض التلميحات ويمكنكم الرجوع الي بحثي للماجستير
بحث في السينما الشعرية وسينمائية القصيدة الشعرية
للمزيد.
اود ان اطرح آخر نقطة وهي ان المخرج السينمائي
الشاعر يلعب علي موضوع القداسة فلكل مخرج شيء مقدس
قد يكرر استخدامه داخل الفيلم أو في مجموعه من
الأفلام .
اما بخصوص سينمائية القصيدة الشعرية وهذا مصطلح
استخدمته ويعني معالجة القصيدة الشعرية سينمائيا فلا
يعني من وجهه نظري السينمائية هي الترجمة الحرفية
للقصيدة كون المخرج قد يفشل فعلا في الترجمة ومباراة
الشاعر وقد تفقد القصيدة روعتها ولذتها . سينمائية
القصيدة الشعرية هوممارسة اللذة نفسها تذوق للشعر
وقراءته بطريقة سينمائية انها كما عبرت عنها في بحثي
زواج بين السينما. وهي ممكنة ولي تجربة سابقة في هذا
المجال فيلمي محاولة الكتابة بدم شاعر عن قصيدة
محاولة للكتابة بدم الخوارج للشاعر الدكتور عبد
العزيز المقالح انا شخصيا عندما أخرجت هذا العمل فلم
يكن يهمني ان يصفق الشاعر لفيلمي بل مارست متعه
الإخراج السينمائي وعبرت عن ما في نفسي من قلق وخوف
واضطراب في تلك الفترة. وعندما قمت بمعالجة أكثر من
ست قصائد شعرية وكتابة سيناريوهات لها كنت اسبح مع
روح القصيدة واكتب انفعالاتي واضطرابي وقلقي وجنوني
وفعلا اختلفت مع بعض الشعراء حين عرضت لهم السيناريو
وهناك مشاهد ولقطات قد توحي بمعاني تختلف مع معاني
القصيدة وقد لا تعجب البعض هذه المعالجة وربما لا
توجد أحيانا حكاية منطقية فمثلا في سيناريو جميلة
أنت كالمنفي يوجد مشهد لحمل في متحف اللوفر ـ المسيح
يحمل صليبه يحاول دخول المترو.
في سيناريو حياة جامدة طفل علي الساحل يكسر أفلام
فيديو ـ في سيناريو آخر قرد يمارس الجنس مع قردة علي
ظهر حصان ـ السيدة مريم العذراء تحمل طفلها السيد
المسيح وسط قصف عنيف لطائرات حربية. اقدم هذا
الإيضاح وادعوكم لممارسة هذه اللذة الجميلة. هذه
المتعة الرائعة.
إذن فلا داعي للخلط بين السينما الشعرية وسينمائية
القصيدة الشعرية كتبت في بحثي للماجستير منهجا خاصا
تحدثت فيه عن تجربتي الشخصية والطرق التي اتبعتها في
معالجاتي للقصائد الشعرية سينمائيا أود تطويره إن
شاء الله.
ربما يستفيد منها من يحب المغامرة وخوض هذا الجنون
الممتع.
سينمائي يمني يقيم في فرنسا
|