بالأموال المنهوبة ودماء العرب والمسلمين

 د. علي عقلة عرسان


في الرابع عشر من شباط/ فبراير 2006 تصاعد في فضاء منطقتنا خطابٌ مثير للدهشة والرعب، مخيفٌ في لهجته

ومنحاه وبعده عن المسؤولية وتلويحه بما لا تحمد عقباه، و تقديمه استعدادات ومثيرات لما سماه السيد حسن نصر

الله بعد يومين، في 16شباط / فبراير 2006 الدعوة لحرب أهلية يرفضها هو، ويرفض منطقها في تقديري كلّ

حصيف مسؤول يذكر نتائج الحروب الأهلية المدمرة التي تسكن ذكراها وشجونها ومآسيها ذاكرة كل إنسان يهمه

مصير الناس والأوطان والحضارة في العالم.

إنه خطابٌ من خلفه قوة دفع، يخلق مناخاً في صالح أعدائنا فقط وليس في صالح أي منا بأية حال من الأحوال، أياً

كانت مواقفنا ومواقعنا وعقائدنا ومشاربنا، نحن أبناء الأمة العربية على الخصوص.

ولا يمكن فهم عبارات من مثل: " البحر أمامكم والعدو من خلفكم "، و "نحن أقوى من شياطين الجحيم"، و" لن

نترك جنوب لبنان ورقة في مهب الريح ولن يكون رهينة أو مطية أو ألعوبة في يد أحد.". والمناداة "بالثأر" و "..

 رافضين حجة مزارع شبعا" التي تبقي سلاح المقاومة في يدها، واستفزاز سورية ونظامها بمستوى خطاب غير

مسبوق في نبرته وهبوطه وعدوانيته، لا يمكن فهم مثل تلك العبارات والمواقف على نحو مغاير لما تهدف إلى

إيصاله من رسائل أقل ما يقال فيها إنها خطرة وغير مسؤولة ولا تخدم سوى الأعداء.

وأظن أن الصورة تبدو أكثر وضوحاً، والتفسير يصبح أكثر يقينية وموضوعية حين نقرأ المناخ الحاضن لمثل هذا

الخطاب، والظروف التي تحيط بالمنطقة والناس فيها، والأحداث التي تجري ويوظَّف في نطاقها قولٌ أو فعلٌ أو

تحركٌ من هذا القبيل، ومن ذلك:

1 ـ إن فوز حماس وما يمكن أن يحدثه في الوطن العربي والعالم الإسلامي، جزء من المشهد ومن الحدث والخلفية

 للهجوم، فهي مقاومة إسلامية تحمل السلاح ضد عدو صهيوني محتل يسميها هو وحلفاؤه " حركة إرهابية".

وحزب الله الذي يتآخى معها ويقاوم العدو ذاته، هو وفق التوصيف الصهيوني ـ الأميركي:" منظمة إرهابية"، ومن

يناصرهما أو يتفهم حقهما المشروع في مقاومة الاحتلال، وحق المقاومة العراقية بالتصدي للاحتلال الأميركي

وجرائمه، هو بنظرهم إرهابي وراع " للإرهاب".

2 ـ قرار الكيان الصهيوني بفرض حدوده واستكمال جدار الفصل العنصري، أو السجن الفلسطيني، والسيطرة

على غور الأردن، وضم المستوطنات واستكمال تهويد القدس. وفرض ما يريد بادعاء أنه لا يوجد شريكاً وأن

 حماس"منظمة إرهابية"، ينبغي عزلها وإسقاطها حتى لو انتخبها الشعب الفلسطيني، وينبغي أن تعترف بالكيان

 الصهيوني وتتخلى عن سلاحها، وتدين نفسها بالإرهاب، وتتخلى عن شهدائها وعلى راسهم الشيخ أحمد ياسين،

للتخلى عن تاريخها ورموزها ، ومن ثم يرفضونها بذرائع أخرى.

3 ـ وسعي إيران لامتلاك التقنية النويية للأغراض السلمية، هو " تحدي دولة إرهابية" للمجتمع الدولي الذي تمثله

الولايات المتحدة الأميركية وتنطق باسمه، كما يقول مسؤولوها. وهو سعي لامتلاك "سلاح نووي" ينبغي استمرار

احتكاره باسم منع انتشاره، وتزويد الكيان الصهيوني به والسماح له بتطويره والسكوت عن تهديده للعرب

والمسلمين. وموقف نجاد من الحركة الصهيوني ومن " المحرقة" المقدسة أكثر من الأديان الإلهية، ودعمه لحقوق

الشعب الفلسطيني، هو أمر لا تقبله الصهيونية، وتعاقب عليه الولايات المتحدة الأميركية.

4ـ والتحرك الشعبي الذي شهده الشارع الإسلامي، احتجاجاً على الرسوم المسيئة للرسول الكريم عليه الصلاة

والسلام، ورفض المسلمين محاولات لصق صفة الإرهاب بالإسلام، وهو ما تعمل على ترسيخه الصهيونية

والإدارة الأميركية واليمين المتطرف في الولايات المتحدة الأميركية وأوربا، هو من وجهة نظر الصهاينة

والغربيين مشهد ينبغي أن "يُدان" صهيونياً وغربياً، وأن يُضبط ويُحجم ويُوضع تحت السيطرة عربياً وإسلامياً، وأن

يستثمَر سياسياً أيضاً ضد دولتين على الخصوص هما سورية وإيران، لأن بعض مواطنيهما قاموا بالتعبير عن

سخطهم على الإساءة لرسولهم ودينهم وقيمهم، كما قام مسلمون آخرون في أنحاء العالم بالتعبير عن ذلك بصور

مختلفة. وهذا لا يجوز وغير حضاري وغير مسوَّغ، وفق مسؤولين أوربيين وأميركيين؟ أما تدمير جمهور بريطاني

غاضب لكل ما يصادفه بعد خسارة فريقه في لعبة كرة قدم فهو مبرر وتعبير مقبول بعنف كبير.؟

إننا إذا جمعنا هذه الأحداث والمكونات وأضفناها إلى المشهد الأوسع الذي تتراكم مكوناته منذ العدوان على

أفغانستان والعراق واحتلالهما، وتهديد دول أخرى والتدخل الفظ في الشؤون الأخرى لدول عربية وإسلامية، تصبح

الرؤية عندنا أقرب إلى الوضوح والدقة، ونستطيع أن نضع التحرك والتصعيد الجديدين في المدار الذي أريد لهما،

وتتبع ضبط مسارهما وتحديده في هذا الاتجاه أو ذاك وفق التكتيك الأميركي ـ الصهيوني.

في هذا الإطار تُفهم عملية التحشيد والتصعيد والتطاول على المقاومة، وتوجيه أوصاف وتهم وكلمات من مثل"

الإرهابي" للرئيس
السوري، و" النازي " للرئيس الإيراني. وتوضع في موضعها من السياق الحملة الصهيونية ـ

الأميركية ـ الغربية التي انتقلت إلى مرحلة تهيئة المناخ السياسي والإعلامي لتنفيذ الخطط والقرارات المتخذة

ضد المقاومة اللبنانية والفلسطينية على الخصوص ومن يؤيدهما، باسم تنفيذ القرار 1559 وحماية " إسرائيل"،

أما المقاومة في العراق فهي تحت النار تقاتِل وتقاتَل.

وعلى هذا فالكلام عن " قوس الشر" الذي تحدث عن مواجهته "يادين" مسؤول المخابرات الصهيونية، وحدده

بإيران وسورية وحماس وحزب الله، و"محور الشر" الذي كان يتكلم عنه الرئيس بوش. وتحرك الوزيرة رايس

باتجاه دول معينة في المنطقة بين 20 و24 شباط/فبراير الحالي، حاملة رسالة محددة: " أن تناقش مع الدول

العربية – التي من الواضح أن لديها مخاوف كثيرة بالنسبة إلى إيران – ليس فقط القضية النووية، بل أيضاً

قضية الإرهاب، والسياسة الإيرانية الخارجية العدوانية في المنطقة فضلاً عن العجز في مجال الديمقراطية." كما

قال أحد المسؤولين الأميركيين، موضحاً بعض أهداف جولة رايس. وربما أخطر ما يمكن أن تثيره في تحركها

هو الفتنة الطائفية بين سنة وشيعة، لأنها قالت قبل سفرها، في تصريح ما زال قيد الاستثمار: " لدى النظام

الإيراني طموحات وسياسات عقائدية تشكل، بصراحة، تحدياً لنوع الشرق الأوسط الذي أعتقد أننا جميعاً نرغب

في رؤيته".

وقد يعطينا ما تبثه من أفكار وتحريض دفعاً قوياً لخوض صراع بالوكالة، يذكرنا بحرب السنوات الثماني في

القرن العشرين، صراع جديد مع إيران " بعبع " السلاح النووي" بذريعة تهديدنا حيث " لا يهدددنا السلاح

النووي الإسرائيلي منذ عقود؟؟.

والوزير رايس تحمّل سورية وإيران، بمناسبة ومن دون مناسبة مسؤولية، أحداث كثيرة، وقد قالت في

تصريحاتها أيضاً:".. إن سياسة إيران الإقليمية، أيضا تثير القلق فعلاً، حين نراها مع شريكتها سوريا تسبب

الاضطرابات في لبنان والمناطق الفلسطينية وحتى في جنوب العراق". وقبل أن تبدأ جولتها أضافت رصيداً مالياً

بموافقة الكونغرس مقداره 75 مليون دولار لعام 2006 " لدعم نشاطات ترويج الديمقراطية في إيران.. وبرامج

جاهزة تدعم نقابات العمال الإيرانية، والمنشقين والناشطين في مجال حقوق الإنسان.. لإحداث تغيير إيجابي."؟.

بالمناسبة من غير الملائم القول: إن هذا للتدخل في شؤون الآخرين وإفساد ضمائر وشراء "مناضلين متجولين"..

لأنه صادر عن الولايات المتحدة الأميركية التي تستبيح كل شيء من الإنسان إلى الأوطان، وتمتد خدماتها

العربية من غوانتانمو وأبي غريب إلى التدخل لمنع اجتماع القمة الدول العربية في الخرطوم/ آذار القادم"؟.

 في 24شباط/فبراير الحالي.


وحديث رايس عن "حاجة طارئة لسوريا للتعاون الكامل والتام" مع التحقيق الدولي في اغتيال الحريري،وقولها:

" أعتقد بحق أننا بحاجة إلى العودة لمجلس الأمن في وقت ما في المستقبل المنظور للحصول على تقرير بشأن

ما يجري في موضوع التعاون السوري". ودخول الراقص سترو إلى الحلبة في التوقيت الملائم ليرحب "بتعيين

القاضي البلجيكي سيرج براميرتز رئيساً للجنة التحقيق الدولية" ويؤكد: "أن المملكة المتحدة وبقية المجتمع

الدولي"ما زالت تتمسك بقوة بتنفيذ قرار مجلس الأمن الدولي 1559".

كل ذلك يجعل المشهد الدموي التآمري المعد للمنطقة في أجلى صوره أمام المتابعين والناظرين. ويمكن أن

نضيف إلى ما ذكرنا من معطيات ومكونات وإشارات بعض التوابل التي يتعهد بإملائها منطقٌ صحفي يمارس

"حرية التعبير"؟ فيأمر من أروقة وزارة الخارجية أو البنتاغون أو من وكالة المخابرات الأميركية، مستخدماً في

تغطيته "المهنية الرفيعة" لـ 14 شباط 2006 كلمة يجب في الأغلب الأعم، ومن تلك التوابل نذكر أو نضع

في المشهد:

أ ـ " .. رسالة مهمة إلى الذين يقولون إن الاستقرار السيء أفضل من الفوضى الجيدة في المنطقة العربية..".

وهذا تسويق لمنطق بوش الأعرج الداعي إلى نشر ما يسميه الفوضى البناءة لتحقيق استراتيجيته الإمبريالية. ولم

تكن الفوضى بناءة في يوم من الأيام.

ب ـ على مجلس الأمن أن يطلق إنذاراً حازماً لكل من يعنيه الأمر.." و ".. آن الأوان لمجلس الأمن الدولي أن

يتصرف بجدية وبتجديدية في موقفه القائل إن وجود إميل لحود في السلطة غير شرعي وغير قانوني.." وكأن

القرارات التي اتخذها المجلس على البند السابع تحت الضغط الأميركي، ولم يتخذ قرارات مثلها في شؤون أكبر

وأخطر بكثير مثل احتلال العراق ومذبحة مخيم جنين..و..و.. إلخ، ليست جدية ولا تجديدية لنهج عنصري

استعماري يعادي ثقافة شعبنا وعقيدته وقضاياه.. ؟

ج ـ .. لن ينجو «حزب الله» من المحاسبة على أي اغتيالات للقيادات المعادية لسورية، حتى وإن كان بريئاً

منها.".؟ وهذه برسم السيد حسن نصر الله وحزب الله أتركها من دون تعليق.

يبدو أن هذه البهارات أو التوابل المتصلة بـ "حرية تعبير" وتحرير على طريقة الأميركيين والمتحالفين معهم

والعاملين في صفوفهم من عرب وسواهم، هي المفاهيم المقبولة والمطلوبة التي ستفرضها الفوضى البناءة

للرئيس بوش ومبدأ الضربات الاستباقية العدواني الذي يتحفنا به، وخروجه على القوانين الدولية، وانتهاك حقوق

الإنسان في غوانتانامو، بعد نجاح التجربة في "المختبر" العراقي، لا سيما تجارب "أبي غريب، والفلوجة، وتل

عفر.. وستفرضها الحركة الصهيونية وإدارة بوش: بقوة السلاح، والمال المنهوب من الشعوب والمستنزَف من

جيوب دافع الضرائب الأميركي، والدم المستباح في بلاد العرب والمسلمين، سوف تفرضها بالحديد والنار

والعار، ليرضى الصهاينة وأصحاب الاحتكارات وصائد الفِرِّي الشجاع تشيني، والرئيس المرسَل إلى العالم

برسالة "حضارية" معمَّدة بالدم والبؤس البشريين، والنافخون في أبواقهم بأجر أو من دون أجر.

ولله في خلقه شؤون.
 

دمشق في 17/2/2006