الجزائر في 11/5/2002
د. أميــمة أحمد
كان واضحا عندما أقدمت حركة المقاومة الإسلامية (حماس ) على
تنفيذ العملية الاستشهادية في القدس الغربية ، وقتل فيها ستة
عشر مدنيا من الاسرائيليين وجرح نحو سبعين آخرين ، أرادت
تبليغ رسالة بأنها مصرة على خيار المقاومة ضد الاحتلال حتى
يرحل ، وأن ماجرى للفلسطينيين خلال الاجتياح الاسرائيلي
للضفة الغربية والمجازر التي ارتكبتها قوات الاحتلال ضد
المدنيين في سائر المدن الفلسطينية لن تثنها عن خيار
المقاومة مهما كان الثمن ، بل توعدت على لسان الدكتور عبد
العزيز الرنتيسي أحد قادتها البارزين بمزيد من العمليات
الاستشهادية .
جاءت العملية الاستشهادية في وقت تتعرض فيه القضية
الفلسطينية برمتها لأخطر منعطف في تاريخها ، حيث الضغوط
العربية قبل الاسرائيلية والأمريكية على القيادة الفلسطينية
، بقبول الشروط الأمريكية ، بأن يتولى الرئيس ياسر عرفات
القضاء على ماتصفه إسرائيل وأمريكا ( بالإرهاب) وإلا قاموا
بعمل ذلك بدلا عنه باجتياح تلو الاجتياح للأراضي الفلسطينية
بذريعة محاربة "الإرهاب " ، حتى أن رئيس الحكومة الإسرائيلية
خلال زيارته لأمريكا ، راح يتحدث عن " الإرهاب الفلسطيني"
أمام المسؤولين الأمريكيين ، ويبرر مافعله الجيش الإسرائيلي
أمام جمعية مقاومة التشهير الأمريكية ، بأن " الإرهابيين"
الفلسطينيين اتخذوا من المدنيين دروعا بشرية مما عرقل تقدم
جنوده لاقتحام مخيم جنين ، وتكبدوا خسائر" فادحة " بمقتل
/23/ عسكري من الجيش الإسرائيلي . طبعا ولم يسأله أحد من
الحاضرين الذين أغلبهم يناصر إسرائيل عن آلاف المدنيين الذين
دمرت المنازل على رؤوسهم ، وتناثرت أشلاؤهم بين الأنقاض ،
حتى لم ينعموا بالدفن، بل تفسخت جثثهم حتى أصبحت المنطقة
مهددة بكارثة بيئية . بل كانت تصفيقات الحاضرين الحارة تؤكد
المساندة المطلقة لما يفعله شارون في حربه ضد ماوصفه "
بالإرهاب" ، وقد أعلنتها أمريكا حربا طويلة الأمد في طول
الأرض وعرضها ، غير عابئة بالرأي العام الدولي بما فيه الرأي
العام الأوربي . وبذات الوقت يتحدث الرئيس بوش بصلف الأغبياء
" أنه على عرفات ليكسب ثقته أن يتحكم بما وصفه " بالإرهاب"
، ومستشارة الأمن القومي تصرح " أن القيادة الفلسطينية غير
مؤهلة لقيام دولة فلسطينية " . والقادة العرب يصرحون على غير
استحياء " على الطرفين وقف العنف " في مساواة مفجعة أن
تتساوى طائرات الأباتشي والدبابات مع الحجر الفلسطيني
والبندقية ربما كانت محشوشة .
هذا المشهد التراجيدي المربك ، يطرح السؤال بإلحاح أكثر من
أي وقت مضى إذا أردنا الوصول إلى أهدافنا الوطنية : ماهو
إسلوب المقاومة الذي ينبغي العمل به لدحر الاحتلال ؟
ويستولد منه السؤال الأهم ، والذي ينبغي الحسم به بإجابة
واضحة لالبس ولا غموض فيها ، حتى نحدد أسلوب المقاومة .
والسؤال : هل الحركة الوطنية الفلسطينية ثورة تحرر وطني على
غرار ثورة التحرير الجزائرية أم أنها دولة وليدة تتكون مع
الزمن عبر مفاوضات سياسية ؟
الحسم في هذه المسألة يحدد معالم الطريق ، ولن يتأتى الجواب
إلا عبر حوار وطني يجمع جميع أطراف الحركة الوطنية بكل طيفها
السياسي . ويكتسي الجواب أهمية قصوى في ظل قيام السلطة
الفلسطينية وفق اتفاقيات أوسلوا ، وما التزمت به من اتفاقيات
أمنية ، تلزمها بالحفاظ على أمن إسرائيل . ويطرح وجودها
كسلطة ، مفاهيم السلطة والمعارضة ، والتنسيق الأمني بين
أجهزة الأمن الفلسطينية والاسرائيلية ، ومسألة الوحدة
الوطنية التي حققتها محنة الاجتياح الاسرائيلي ، وباتت مهددة
بعد تداعيات الاجتياح الإسرائيلي .
فالوضع والحالة هذه في حالة تعارض بالمطلق لايخدم أهدافنا
الوطنية ، ففي حين تقوم السلطة بعمل سياسي ودبلوماسي ، تأتي
عمليات استشهادية تعطي الحجة حسب رأي السلطة والنظام الرسمي
العربي لاسرائيل كي تضرب الفلسطينيين . بمعنى لاتنجح العملية
السياسية كما لاتنجح المقاومة . بل تُفسر العمليات
الاستشهادية في ظل هذا الوضع أنها للابتزاز السياسي لكسب
المزيد في المفاوضات ، مما يزيد في تعنت إسرائيل وهي في موقع
قوة أمام الإختلال المريع لموازين القوى بين حجر ودبابة ،
بين بندقية وطائرة أباتشي ، فهل الحزام الناسف يعيد التوازن
لميزان القوة ؟
لمناقشة هذه الأمور وغيرها في البيت الفلسطيني لانعتقد أنها
ممكنة بدون حكومة وحدة وطنية ، وبرنامج وطني موحد ، غايته
الاستقلال ، ويحول الاتفاق الوطني دون هذه المباراة في
العمليات الاستشهادية التي بقدر ماترعب المجتمع الاسرائيلي
بقدر مايذهب أثرها النضالي هباء على المستوى الدولي ونحن
نسمع الشجب والادانة من كل مكان . لماذا نحول العدو إلى ضحية
أمام الرأي العام الدولي ولديه من وسائل الإعلام للدعاية
والترويج بما يغطي أقطاب الكرة الأرضية ، في حين لايزال
الإعلام العربي يحاور نفسه ، ويعرض نشاطات حفظه الله .
فالحرب مع العدو الصهيوني حرب طويلة الأمد ، وفي ظل ماذكرناه
من اختلال في موازين القوى ، يضاف إليه استسلام عربي رسمي
مريع يتسابقون لمرضاة أمريكا ، علينا توطين النفس على
استمرار المقاومة بما يجعلنا أمام الرأي العام الدولي بموقع
الضحية ، وإسرائيل هي المعتدية دوما . بمعنى لانجر العدو
لمواجهة على أرض هو الأقوى فيها ، ورأينا ماحصل في مخيم جنين
، صحيح صمدوا حتى آخر قطرة دم وآخر رصاصة ، لكن بالنهاية
استشهدوا بالمئات ، كان يمكن ادخارهم لسنوات من المقاومة دون
هذه الخسائر البشرية الفادحة ، انجرت عنها تداعيات أرغمت
الرئيس عرفات إلى إدانة عملية حماس الإستشهادية وقد وصفها"
بالإرهاب " تحت الضغط الأمريكي . ووافق على ترحيل ثلاثة عشر
مناضلا عن وطنهم ، وسجن من سلمت يداهم على مقتل زئيفي
العنصري ، والقادم أعظم ما لم تجمعنا خيمة الوحدة الوطنية ،
ونضع سويا برنامج وطني يحسم السؤال الرئيس هل نحن حركة تحرر
وطني أم دولة تتكون بالمفاوضات ؟