بوح الحرف في فضفضة الروح

سأبدأ فضفضة الروح وبوح الحرف بهذه الموسيقى لأغنية عربية  شهيرة قديمة :

http://mywebpage.netscape.com/parehan/sounds/amana.mid

ربما ما أختاره  يبدو غرائبيا في عالم الكتابة و لبوح الكلمة أو مناقضا للمعنى،  ف "أمانة ".. تروح  لاتجاهٍ محدد من بين أربع ، لكني سأروح لاتجاهٍ  خامسٍ تخترعه ذواتٌ بهاجس المحبة  لما يثيره بسحر تعاويذه ، ذاك المخبوء في دهاليز نفوسنا ، فتصير لياليه لا متناهية الأبعاد  بفضفضات تبوح من لدن الروح  تنير الأقمار ، النجمات ،  والمجرات بأحلام مُشْرعة ومشروعات . .

والفضفضة تروح لبوح الحروف ،  تحلم بنسج جدائل الشمس  لموانئ أرواح  تئن من اغتراب  النفوس  و ضبابيّة المجتمع المعقدة ، تعاني من  وجع مسافاتٍ وأزمنة مقهورة ، وجع  يوميات مشبعة بالإخفاقات والإحباطات  التي ترمي ثقلها علينا رغم  أننا لم نشارك في صيرورتها وحتميتها  لكنها  باتت علامة فارقه على جبين مبدعيها ومواطنيها  العرب ..

 ولأننا بنور الحرف ندفئ عزلة ليلنا  البهيم ، ولأن النور ليس سوى حروف الذوات المحترقة  في رمز الوجود ،  تتزاحم  المعاني  لهذه الصور والمشاهد المتلاحقة من حولنا ،  فهناك  من يبوح حرفه فيدفئ عزلتنا  منسابا  في روحنا  كعطر المجرات  فنسمو و نتسامى بإنسانيتنا فكرا وروحا فعلا وعملا ، وهناك من يبوح حرفه فيشعل الأرض والسماء والإنسان و يحيلنا رماد ..

للحرف نكهة ، لون ، طعم ، أخلاق وفروسية إنسان ، وللحرف سحر الوشاية أيضا  بملامحنا    بلون وبريق عيوننا ، يشي بلون دماءنا التي تسبح في الشرايين ..

للحرف  ثقل إنسان بهبوطه أو سموه ، بوعيه أولا وعيه ، بتشدقه أو حقيقته ..

في قلب الحرف فردوس وأيضا  جحيم  ..

 للحرف قدسية المحمول ومسؤولية التلقي ..

للحرف عظمة حضارة أو تهافتها وتهاويها ..

الحرف ماسة بالضغط الخبراتي المعرفي النقدي الأخلاقي القيمي  الذاتي يصير ما لاتقدر عليه كل عتاد وتكنولوجيا العالم ، وللحرف أيضا صدأ نحاس ..

 للفيلسوف كانط الأب المؤسس للتراث النقدي للفلسفة مقولة  تحمل دلالتها : إن البصيرة تدرك الطبيعة ، والعقل يدرك الحرية ، أما القدرة على الحكم فهي التي تدرك الفن .. !!  للمعنى أروح ، غاضة الطرف عن هذا التقسيم الحاد لعمليات الإدراك الطهري ، فمن القسوة  بمكان  تقسيم الإنسان لثلاثة أو عشرة أو حتى ألف ،  فهو عددٌ لامتناهي في واحد :  كلٌ  ،  جمع ٌ لمجموعة ممالك وكائنات ومستعمرات حيّة  لا تعد ولا تحصى ، يقين عددها عند  خالقها فقط ، ولنا السؤال  والمحاولة واكتشاف محتواها ومحمولاتها  من المعاني والأدوار ، لذا أروح لطهر الحرف في الإنسان فينا للتشابه بينهما ..

حرف يصير حروف  كما هو الإنسان ، فردٌ هو كلٌ ، مجموعاتٌ بأفراد خلاياها  و تشكيلاتها  وزمنها الخاص ، تتعايش بكل ما تعنيه الكلمة من معنى ،  تعزف أوركستراها  نغمة الحياة ، منها ما هو واضح للعيان ومنها ما هو قابع في كهوفه الغامضة ، تتجدد في بنيان واحد أبجديٌ واحد، آخره يعود إليه مشكلا  البدء لربما لذلك علاقة سرية بارتباط خلايا الجهاز العصبي بخيوطه المتشابكة التي لا تعيش إلاّ حياة منفردة مرتبطة بهذا الفرد ، فريدة في لملمة ظواهر فوق الإدراك  بلا تجدد  بعكس بقية هذه المستعمرات الجوّانية الممسوكة من أهدابها الطويلة ولها من الأسرار .. لكن التجدد والنمو والتكاثر للواحد الفرد تصير أعجوبة ممتلئة بالغموض المخبوء وفي لبها يتنازع  دوما السؤال الوجودي القلق  ..

الأكثر خطورة وأهمية في الممالك والمستعمرات الحيّة هو ذاك  الماورائي  "الجوّاني"  ليضاف للبدء والحرف ، لربما هو جمعٌ سحريٌ للطبيعي فيما هو غير طبيعي  في صورة غرائبية للإنسان  المرتبط بحياة تبدو خارجيتها لكن حقيقتها تكمن في كينونته .. زمنٌ مؤقت موقوتٌ للمؤجل ..

ضوءٌ نورٌ من الأسفل إلى الأعلى  يكشف روح حرف يتوق الصعود والتطهر ،  ،  لربما هو شوق للعالم الآخر الأسمى ، ممزوج بألم شديد بهذا النزول الدائم نتيجة  لعنة الرحلة الأولى وذاكرة ذاك الضوء الذي هبط أول مرة من جنته العليا إلى جنته السفلى بفعل  ومضة شجرة المعرفة ..   الضوء عبر الموشور ينكسر فيصير عدة ألوان لكن الذي لا يُرى  ولا نتلمسه بالأحاسيس الخارجية هو الذي  يبهر،  وأيضا هو الأخطر من حيث الفاعلية على الكائنات غير المرئية فينا . قد  نشعر به وغالبا لا نتبينه ولا بأي حال من أحوال الخارجي منا  ولا  بأي حاسة من حواسنا الطبيعية ،  رغم تأثيره على أجسادنا وعلى كل الخلايا الحيّة وغير الحيّة ، ينبعث منه في لحظة مكانية وزمانية بتفاعلية طاقات خلاّقة  .  الكاشف لغموضه  : بصيرة المدرك للطبيعيات البحتة وفق فعل الحرية العقلية بانطلاقتها وانفلاشاتها  مضافة للإدراك الطهري  والذي ما زال مشواره لهتك المزيد من الأسرار طويل جدا رغم ارتفاع وتيرة الحدس لديه  ..  الليزر أو الأشعة السينية أو الفا وغيرها الكثير من  المعلوم والخافي في الطبيعة والإنسان أخطر  من ضوء أحمر منكسر ناجم عن التقاء حبة مطر بإشراقة شمس رغم جمالية الأخيرة وظهورها للبصر بإبهار، إلاّ إنّ السر في جبروت النور والطاقة المذهلة في ذاك المخفي المندس  تماما كما هو في ما وراء عظم ولحم وجلد إنسان فيصير طاقة خلاّقة  لربما مدمرة أو تروح للبناء بقلق بغية الخلاص والارتقاء به..!!

الحروف تصير كلمات  ، أقرب لنور شديد التكثيف  لفكرة وماهية ووجود الإنسان الفرد بقلقه الحياتي الدنيوي ،  وما هو بفرد بالمحصلة  إنما اختزال لطين الأرض بكل محمولاته من عوالم متحللة  وكائنات ماورائية ، بمجموعها متحولة إلى ممالك من الكائنات ، كلها بالمحصلة كانت يوما بالأصل  زمانيا  فكرة وومضة نور ، أي أنها تحتجز الجواني في مضمونها كالحدس  أو الضمير أو الحلم  أو رغبة الإنعتاق والطهر أو الفكر مثلا ، ولكن بوجود غاية الإقناع  بالتطابق مع رغبة الإنسان في أن يقول بوضوح ما يريد قوله وبدقة متناهية بالاختزال الشديد الذي يوهم للوهلة الأولى  بالغموض ( بسبب شدة التكثيف والترميز )  أو النقيض كالكشف والفضح -  وبالتالي  تؤسس بالنقيضين معا – معاني الحياة عبر عصورها أو لحظتها الراهنة  قد  تحررنا من كآبتنا  أو تسجننا فيها كرد فعل على هذه الغربة المتولدة من إقصاء الإنسان الداخلي الحقيقي إلى كهوف أضيق وأبعد وأدق تُستكشف كلّ  يوم إلى حد الإصابة بالالتباس  بسبب سطوة الخارجي بصورته الخادعة التي اعتاد الالتصاق بها  كإطار ليس إلاّ ، وإخفاء كل هذه المجرات من كائنات وعوالم وطاقات خلاقة  في فرد واحد يدعى الإنسان  ..

الحرف إنبعاث ضوء ونور، ، انهمار رمزي لنقيضه  وانفتاح على متغيرات العصر بهذا الزخم من الخطوط المنحنية والمنعطفة تبدو كاختزال لما هو معقد في حياتنا الإنسانية الأرضية ، وهذا يعيدنا للفكرة  التي سكنت النفسية الصوفية بأنّ الكتابة والحروف سبيل للخروج  والصعود والسمو ، و بالتالي هنا يحدث  مقاربة مع فريق الحالمين- الذي أنتمي إليه -  من زاوية الرؤية هذه بأنّ الكتابة والكلمة والأدب والإبداع بكل أشكاله تجاهد لإحياء الروح وبعث الضمير في خرابات التجربة البشرية عبر عصورها ، وهنا تلتقي الكلمة بحروفها مع الإنسان ، توق ضوء  ،  نور الإيمان بالفكرة ، مخبوء في عوالم وكائنات وممالك ومستعمرات داخلية  للصعود إلى الأعلى بثقل  نتائج الفعل الراهن  الصعب في الأسفل الدنيوي " المكاني "  الذي يشكل بالمحصلة  طاقة الإرتقاء والتسامي والعودة لذاك الفردوس  في التسامي  ..

وما بين الفردوس والجحيم حروف وكلمة و إنسان ، وهذا يأخذني  للحراك الثقافي العربي . فمنذ عقود طويلة من الزمن وحتى اللحظة نتلمس وبوضوح النقيضين فردوس وجحيم الكلمات كتلك المناوشات و تكسير العظام والاغتيال المعنوي المنتشر جدا وهذا يأخذنا لقلق الحروف ..

لو جاءنا نجيب سرور ، على يقين أنه ورغم شهرته بلسانه الحاد وتهكمه الأشد وسخرياته اللاذعة عبر قصائده ومسرحياته  ورغم الأمواج العاتية الحالية  التي تزيد أرتالا عن زمنه قبل ثلاثة عقود ، على يقين أنه لو شاهد ما نشهده  سيقول ما قاله في لحظة مخبوءة  :

قبرتى .. لا يعلو شىء فوق الكلمة
كانت مذ كان الإنسان
كانت أول .. كانت أعظم ثورة !
كانت تعلو منذ البدء على الأسوار
تسخر من كل الحراس

***** 

أي كلمة هذه التي لا يعلو فوقها شيء ؟؟  أليست هي الكلمة التي تمتلك أجنحة تسخر من الحراس وتعلي من شأن  إنسانية الإنسان ..!!!

 ان كان الحراس في السياسة والاقتصاد والعسكر أعداء فلما يكونون في الأدب والفكر والثقافة والإبداع أعداء أيضا ؟؟  لما  الخصومات  الدونكيشوتية بين المثقفين؟؟  وفيم الغمز واللمز والضرب من تحت وفوق وأمام وخلف الكلمات وهذا اللغو والغوغائية والغرغرة الكلامية بين المثقفين  ؟؟ ألا  يكفي أنّ ما نلوذ به جميعا كمثقفين شعراء أو أدباء أو كتاب أو إعلاميين  أو فنانين أو أطباء أو مهندسين أو مدرسين أو بحاثة أو.. أو.. أو.....  الخ ..  يتحطم فوق رؤوسنا يوميا من حولنا؟؟  ألا يكفي كل الإحباطات تنهال على  حياتنا وأوطاننا  كل لحظة ؟؟ أو ليس النيل من الآخر سواء جاء مديحا بقصد الإساءة أو الإساءة المباشرة ، وجلسات النميمة الثقافية  أليس في حقيقته نيل من الذات قبل اعتباره  نيل من ذات الآخر ؟؟  عندما يجحد المبدع  ويتجاهل ويتعالى  وجود الآخر ويمارس تضخمه الفارغ  أليس ذلك نتيجة تدهور بتفكيره وأخلاقياته وشخصيته ومعناه الإنساني الوجودي كليا ..؟؟ أليس  ذلك عبارة عن غياب للوعي في الوعي ذاته ؟؟  إننا وللأسف الشديد نعيد إنتاج بنية التخلف السياسي العربي بل بشراسة أكبر ، إذ أن السياسة تختبئ وراء العمل الدبلوماسي وبمجريات فن تحقيق الممكن بلعبة براغماتية،  بينما الثقافة  بجماعاتها التي يفترض أن تكون الموجه والمحرض والمحرك للأمة بقيمها الإنسانية  بمواجهة لؤم السياسة  للأسف تلعب في التأصيل لروح النزاعات المجانية ومقاومة المثقف الآخر حتى النفس الأخير، مما ينعكس على الشعوب ، فأي إرادة وأي تطور حضاري وانقلاب في واقعنا السياسي المنهار نتوقعه في ظل هذا التراشق الهبائي البغيض الذي  نتلمسه بوضوح في كل وسائط الميديا الحديثة أو في جلسات النميمة الثقافية الخاصة  ؟؟؟

 فما الذي تحتاجه الكلمة والحروف  لتضيء المجرات ؟؟؟ لربما من الجنون بمكان تبسيط الأمر واختزاله إنما برأي أن الإشكالية تكمن في معنى المحبة ، فهي ليست حروف ترمى على قارعة الطريق وليست مشاعر ساذجة ، بل  كلاما ينعجن وينطحن في ذات مبدع  محب عبر  قصيدة شعر أو قصة أو خاطرة  او لوحة أو آراء فلسفية ونظريات فكرية وتتطلب عقلا و تعقل ، فكرا وتفكير . المحبة بكل بساطة الأنسنة القصوى لإنسانية الإنسان و محكا للأخلاق والقيم ومزج بين النظري والسلوك العملي في وحدة واحدة  وذاك ما يكشف حقيقة النفس المتواضعة من غير تبدل في الجوهر أو هبوط للوعي و الإدراك .. وبالتالي القبول بالآخر بمحبة واحترام وتواضع  والحفاظ على العقل باعتباره ملكة عارفة بالضرورات الملحة والحاسمة خاصة في هذه المرحلة العصيبة حيث  تصير  ضرورة  حتمية وجودية  للبقاء على أمة  بات وجودها مهددا ، ولم يعد لها من خندق تتخندق خلفه بعد تهاوي خنادق العسكر والساسة وأصحاب المال إلاّ مثقف محب ونظيف ونقي وواضح تماما كالشمس ومجتهد  وعميق  المعرفة وناقد وغير مضَخّم ولا مضَخِم  ، وبالتالي الأحرى  أن لا يستسلم أصحاب الكلمة  للنضوب من جراء النضوب عينه في المسار والرؤية والهدف فنوحل في وسائل الهجوم بانفعال بغيض و انحدار  تحتاني أو  مجاملات مجّانية بلا نقد بناء من خلال تطوير أدواتنا الفكرية و بدون قراءة متعمقة للذات و للآخرين وإبحار عميق مؤسس لجوهر الكلمة وللحرف..

تبوح حروفي بكثير من الوجع و المحبة لكل المثقفين والمبدعين وأصحاب الكلمات والحروف : أنتم الخندق الوحيد المتبقي بعد أن باتت شعوبنا يتيمة زمن تهديد الوجود والهوية  ،  فكونوا على قدر مسؤولية وأمانة الحروف ، فالكلمة أعظم ثورة في تاريخ البشرية و خليق بها أن تعلي شأن إنسانية الإنسان فينا جميعا .

 ودمتم أهل الحرف لايفصل أحدكم والآخر سوى وردة مبللة بعطر الاحترام والمحبة وتقبل  الاختلاف ..

بريهان قُمُق