|
|
|
تجربة النكبة واللجوءتجربة النكبة واللجوء رشاد أبوشاور منذ عقود وأنا أعد نفسي لكتابة رواية طويلة ، في أجزاء ، عن تجربة النكبة واللجوء ، التي عشتها مع أسرتي ، وأبناء وبنات جيلي ، وشعبنا الفلسطيني بعّامة . وها هي السنوات تمر وأنا أدوّن الملاحظات ، والانطباعات ، والأفكار ، وأرسم ملامح الشخصيات ، وأدقق في الأحداث ، وأتابع التفاصيل ، بحيث تكدّست لدي أوراق كثيرة ، واكتظت ذاكرتي بما يثقل عليها ، ويضنيها ، ويؤرق صاحبها ... ومنذ سنوات وأنا أكتب الروايات ، والقصص القصيرة ، والمقالات الأدبية في الصحف العربية ، والمقالات السياسية ، ناهيك عن نشاطات أدبية أخرى ، ومع ذلك أقول لنفسي ما أحوجني للمزيد من الجهد ، والعمر لأكتب عن تجربة النكبة واللجوء ! . لا بأس ، فلأقل شيئاً متواضعاً ومختزلاً عن تجربة النكبة واللجوء ، إن كان هذا يضيف شيئاً لكم ... ولدت في قرية ذكرين ، وهذا اسمها كما نلفظه نحن أهل تلك القرية من قرى قضاء الخليل ، ولكنها في الكتب ، وبخاصة في موسوعة ( بلادنا فلسطين ) للراحل الحي مصطفى مراد الدباغ كتبت ( زكرين) . أهالي القرى المحيطة بنا ، صمّيل ، رعنا ،كدنا ، دير الدبّان ، وحتى بركوسيا ، وبيت جبرين ، والدوايمة ، وعجّور ، وبعيداً حتى قرى قضاء الخليل الفوقانية ، والتي لم تسقط تحت الاحتلال الصهيوني عام 48 ، مثل دورا ، ويطّا ، وخراس ، والسموع ..فإن قريتنا تعرف ب ( ذكرين البردان) _ بفتح الراء والدال _ وهذا يعود إلى أن قريتنا تشتهر بماء أبارها البارد ، وغزارة مائها الذي يتجمع في آبارها الأربعين ، والتي تختزن الماء شتاءً وصيفاً ... في تسمية قريتنا ب( ذكرين البردان ) غمز من أهل قريتنا ، فهم هادئون ، ليست فيهم نوازع عدوانية ، أو مرجلة زائدة عن الحد ، وهم بطبيعتهم غير مزواجين ، فالذكور يكتفون بزوجة واحدة ، ولذا انتشرت حكمة تقول : إذا اردت لابنتك أن تعيش مبسوطة فزوّجها من ذكريني ، لأنه لا يتزوج عليها ، ولأنها غالباً تحكمه ! ... أهل قريتنا ديمقراطيون بالفطرة ، بسبب الماء ، ولأن اسم قريتهم يحمل معنى العيد _ اعتمد في المعلومات على ما كتبه الراحل الكبير مصطفى مراد الدباغ _ فقد عاشوا ودعاء ، يزرعون الأرض بالقمح ، والشعير ، والذرة ، ويسوّرون كرومهم بالصبّار ، حيث تعيش الأرانب البريّة ، وبنات آوى ، وفي شعاب وديانهم يكثر الحجل ، والحمام البرّي يهدل على أغصان زيتونهم العريق ، الذي يعود إلى العصر الروماني ... يكتب المرحوم الدبّاغ : زكرين بكسر أوله وثالثه وسكون ثانيه وياء ونون . لعل ( زكرين ) من جذر( ذكر) السامي المشترك بمعنى ( العيد) و( الذكرى) ، أو تحريف لاسم ( زكري ) بمعنى مذكور ... في كتاب الدكتور وليد الخالدي ( كي لاننسى ) ورد عن ذكرين ما يلي : احتل لواء غفعاتي التابع للجيش ( الإسرائيلي) زكرين في 22-23 تشرين الأول / أكتوبر عام 48 ... وبحسب الدكتور الخالدي ، فقد أكد وسيط الأمم المتحدة ( رالف بانش ) أن القوّات ( الإسرائيلية) قامت بتنفيذ عمليات مخطط لها على الجبهة الجنوبية ..والدكتور بانش يقصد أن تلك القوّات هدفت إلى طرد أهالي تلك القرى بالقوّة ... في قرية ذكرين المحاطة بالطرق الترابية التي تصلها مع القرى المجاورة انتشرت حواكير التين والعنب والزيتون ، وحقول الحنطة ، والمقاثي ،ومدرسة واحدة فيها مدرّس واحد ، وبحسب ما علمت من أبي فإن ذلك المدرّس هو الشاعر خليل زقطان ، من قرية زكريا الجارة لقريتنا ، والذي عرفته فيما بعد في مخيم ( الدهيشة ) قرب بيت لحم ، ثمّ شاءت الأقدار أن أتعرف به عن قرب في عمّان بعد نكبة حزيران 67 ، وأن أحفظ الكثير من قصائد ديوانه ( صوت الجياع) ... في قريتنا كانت سيّارة واحدة ، صاحباها رجل أعمى يصّر على الجلوس بجوار السائق ، وإعطائه الأوامر بسلوك الطرق ، وحتى الانعطاف في أمكنة يظّن هو أنه يعرفها ، حتى أنه كان يتدخّل حتى في دوس السائق على البنزين . ذلك الرجل هو أحمد ظاهر ، وشريكه هو خالي غير الشقيق لأمي ... تلك السيّارة نقلت أمي زينب محمد صالح الصوص ، بعد أن انكسر لوح خشبي تحت قدميها لتهوي على حزام بابور الطحين ، وتتعرض لكسور في ساقها ، وذراعها ، وتمزيق أحد ثدييها ، وتمزّق ثوبها ، فيرتفع صوتها : أفا عليكم يا رجال ، غطّوا لحمي . ويغطي أحد الرجال لحم زينب بعباءته ، بينما هي توصي صاحباتها أن يعتنين بابنها رشاد ، ثمّ لتموت في القدس بعد ثلاثة أيام ، وتدفن في قبر يحتضن جسدها على جوار والدها وجدتها وعمتها ، ولتلحق بها أختي معزوزة بعد شهرين تقريباً .( لقد نسيت أمي أن توصي صاحباتها بأختي معزوزة ، ربما لأن ذكر ، وهذا ما سيحفظ ذكرها ... قريتنا الوادعة ، قرية الذكر ، والذكرى ، والعيد تعرّضت لهجمات كثيرة من العصابات الصهيونية ، التي فاجأت أهلها ، وإليها وفدت وحدة عسكرية من الجيش المصري الذي كان يضم جنوداً مصريين وسودانيين ، ففاروق هو ملك مصر والسودان ، ولقد اتخذت تلك الوحدة من مدرسة قريتنا مقراً لها ... الطفولة الشقيّة تفتحت على دوي الرصاص ، وهدير طائرة في فضاء قريتنا التي لم تعرف من قبل سوى رفوف الطيور الأليفة ، أو المهاجرة موسمياً... في ذكرين رأيت ابن الشيخ سالم تيلخ وهو يركض رافعاً بندقيته ، لنجدة مدافعين عن قريتنا تعرّضوا للهجوم ، ثمّ رأيته ممداً في ( الدسكرة ) ، وجهه إلى السماء ، وهو بملابسه العسكرية ، كأنه ينام ... كان ذلك أول شهيد من قريتنا ، وللآن أخطيء في ذكر اسمه إن كان محمداً ، أو محموداً ، ومن الغريب أن اسمه لم يرد في قائمة الشهداء الذين ضمهم ملحق كتاب ( كي لا ننسى ) !... لقد رأيت جدّتي أم أبي وهو تفرد ( غدفتها ) لتصد بها الرصاص عن ابنة عمي التي كانت محمولة فوق أغراض على الحمار ، أي أن جدتي لم تكن تعرف أن الرصاص يخترق القماش الأبيض الذي تغطي به رأسها !... أمّا امرأة عمّي فكانت تفرد جسدها فوقنا لتحمينا من قذائف الطائرات التي ألقيت على بلدة ( بيت جبرين) حيث رحّلنا أهلنا لنكون في مأمن بينما يواصلون هم الدفاع عن قريتنا ... عندما سقطت قرى الخليل تلك ، ومنها ذكرين ، رحلنا إلى الخليل في سيارة شحن ، عدّة عائلات ، ولقد رأيت عمّي حسن وهو يتطلع بانكسار صوب قريتنا ، وسمعته يردّد : مع السلامة يا دورنا ، يا أرضنا ، يا .. وسمعت تعبيرات لأول مرّة اسمعها : يا من درى بنعود يوم من الأيام ؟ ( يا من يدري ) ... ولقد رحل كثير من الذين طرحوا سؤالهم الحارق الملتاع : يا من درى بنعود يوم من الأيام ، ومن ردّدوا : اللقا ليوم اللقا ..أي اللقاء يوم اللقاء ، وكأنما هم ينتظرون اللقاء بالعدل السماوي الإلهي ... زكرين صارت وراء الظهر ، تلتوي الأعناق ، وتتطلع العيون بحسرة ، ولكن سيّارة الشحن تمضي بنا من بيت جبرين إلى الخليل ، أي إلى اللجوء والغربة ... أيام الجوع ، والتسلّل ، والثلج ، والتعلم تحت الخيام بدأت أيام الجوع . فالمقتلعون من قريتهم لم يحملوا معهم سوى القليل من القمح والشعير ، وحتى الفراش ... أقمنا في غرفة فسيحة ، ضاقت على من ازدحمت بهم من العائلات ، في أحد كروم منطقة ( جورة بحلص ) التي يقيم فيها الخلايلة في موسم الصيف ، موسم العنب والتين ، وجورة بحلص شهدت معارك مع الإنكليز في ثورة 36- 39 ، والتي قادها في جبال الخليل البطل عبد الحليم الشلف ( أبو زياد ) والذي شارك أبي تحت أمرته في بعض تلك المعارك ، وربطته به علاقة صداقة طالما اعتز بها ... الجوع ، البرد ، الحزن ، حالة الانكسار هذه بعض عناوين تلك الأيام . سمعنا بالصليب الأحمر ، ولكن لم تطل أقامتنا ، وانتقلنا إلى مخيم ( الدهيشة ) الواقع بين بيت لحم والخضر ، غير بعيد عن الخليل . آنذاك أخذ الكبار يتسللون إلى القرى ليجلبوا منها ما تركوه من مال ، ولباس ، وحنطة ، ولقد اشتبكوا مع قوّات الاحتلال ، وقتل منهم من قتل ... ما زلت أتذكر عمي ( عثمان ) الذي حضر إلينا من مكان ما ، وبات عندنا عدّة ليال ، ومن بعد توّجه مع عدد من ( المتسللين) إلى زكرين ، ولكنه ..لم يعد ! ... الحكايات كثيرة عن تلك الأيام ، وبخاصة عن الذين تسللوا ، أو ( غرّبوا ) _ اتجهوا غرباً _ حيث قرانا ، ولم يعودوا ، ومنهم من عاد بساق مبتورة ، أو يد واحدة ، أو بعد فقد عين ، أو ... لقد ناح طائر ( البوم ) في فضاء مخيم الدهيشة ، ذلك الطائر الذي يتطيّر منه الفلاّحون ، ويرونه نذير شؤم ، وكم صحوت في الليل على امرأة عمي وهي تسأل الله اللطف في حين يصيح طائر البوم ، ولا يبتعد إلاّ عندما يهب بعض الأشخاص ويلاحقونه بالحجارة ... أربع سنوات أقمنا في مخيم الدهيشة ، سقط علينا فيها الثلج ، ذلك الذي لم أعرفه في البداية ، وأذكر أنني عندما فتحت باب الخيمة ذهلت من حقول البياض التي غطّت الأرض ، وامتدت لمسافات ، ولقد ركضت دون حذر في ذلك البياض ، ثمّ أخذت ارتجف ، وعرفت أن هذا البياض ليس أليفاً ، ولا حنوناً ، وأنه شديد البرودة . ولأننا لم نحتمل الثلج تحت الخيام التي تمزّق بعضها ، وتطاير بعضها ، وغرق بعضها ، وأوحلت أرضها جميعاً ، فقد تم نقل عوائل كثيرة إلى بيت لحم ، وفي مسجد عمر بن الخطّاب قبالة كنيسة المهد مكثنا لأيام ، حتى خفّت موجة الثلج والبرد والرياح الهوج ... في الدهيشة شاهدت أول مظاهرة ، ورجمت مع الراجمين الخيام ، ولم اعرف لماذا يحدث ما يحدث ، ولكنني صرخت مع الصارخين ، ومن بعد بدات رحلة الغضب على الخيام ، واللجوء ... تلك السنوات بين بيت لحم والخضر ، لم نوّفر فيها شيئاً ، كنّا ننطلق كالجراد إلى الحقول ، نأكل العنب وهو حصرم ، التين وهو عجر ، النباتات ، أي شيء ، وهذا ما جنّن أهالي الخضر بخّاصة ، مع أنهم تحملونا كثيراً ... ومن بعد حملنا ذوونا إلى أريحا ، حيث الدفء ، فبرد بيت لحم لا يحتمل ، خاصة ونحن أشباه عراة . أقمنا في مخيم النويعمة ، وهو أحد أربع مخيمات تتبع لأريحا ، هي : عقبة جبر ، عين السلطان ، النويعمة ، العوجا ... في المخيمات تساكن أهالي القرى بشكل متجاور ، وكأنهم بهذا لا يعترفون بما يفعله اللجوء ، فأهل كل قرية ، أو بلدة نصبوا خيامهم متجاورين ، ومن بعد بنوا بيوتهم الطينية ، وصاروا ينتسبون لمخيم بعينه ن ولكنهم أورثونا الانتساب إلى قرى ، وعوائل ، وملأوا رؤوسنا ونفوسنا بالحكايات عن أصولنا ، حتى أننا حفظنا ملامح قرانا ، وما يميّزها ... في النويعمة عرفنا وكالة الغوث ، وطابور الإعاشة ، وكم رأيت رجالاً يوارون وجوههم خجلاً من ذلك المشهد ، ونساء يسترن وجوههن بأغطية رؤوسهن حتى لا يراهن أحد ... في النويعمة سمعنا بأمراض الجدري ، والسل ، وأمراض أخرى ، وبدأت إبر تغرس في أذرعنا النحيلة والتي هي جلد على عظم ، وتشطّب جلودنا بما يشبه الشفرات ، وانتشر العشاء الليلي ، أو ما اصطلح عليه ( بالهدباد) ، ولذا جرّعنا زيت السمك اللزج السيء الطعم ، والذي تحمّلنا طعمه طمعاً في حبة التمر التي تمنح لنا لتحلية أفواهنا ... لشدّة الفقر لبسنا أي شيء ، فأنا شخصياً لبست قطعة من بطّانية سوداء خشنة ، فصّلت لي على شكل هندية ( قمباز) ، وهي خشنة لأنني كنت البسها على اللحم ، أو ما يفترض انه لحم !... ولأن أريحا غنيّة بالينابيع فقد شمّرت الأمهات عن زنودهن وبدأن في دعك أجسادنا ، وحميننا من الأمراض ، وهنا لابدّ أن أتذكّر الصابون النابلسي بكل تقدير لأنه جعل رؤوسنا تخلو من القمل ، بعد أن انتشر القمل وتفشّت البراغيث ... في أريحا عشقت الحقول ، والبراري ، وصوت الأرغول ... كان لا بدّ أن يتزاوج الفلسطينيون ، وان يعيشوا الحياة على شظفها وفجائعيتها ، ولذا اخرجوا النايات _ الشبّابات _ والمجوزات ، والأراغيل ، وعمّروا أعراسا في ليالي الصيف ، مع ( السامر) و( الدحيّة) ، والدبكة ، والزغاريد ...
وآنذاك بدأنا نعرف المذياع ، وصوت العرب ، والأحزاب ، وصارت فلسطين حكايات ، ودروساً في الجغرافيا ، وبطولات تروى ، وحلماً لا بدّ أن يتحقق بالعودة ... ومع نمو أجسادنا ، وعقولنا ، ومعرفتنا بدأت رحلة عذابنا ووعينا . لقد كتبت قبل سنين بعيدة : الناس في هذا العالم يكبرون في بلادهم ، أمّا نحن فتكبر بلادنا فينا ! ولقد كرّرت هذه المقولة ، وأحسب أن آخرين ردّدوها . لم تكن تلك مقولة رومانسية ، فجيلي ، داخل فلسطين تحت الاحتلال ، أو في المنافي ( اللجوء ، والشتات) لم يكبر على أرضه ، وفي أرضه بشكل طبيعي كباقي البشر ، وكان عليه أن يتعرّف على وطنه ، قريته ، أو مدينته ، جذوره ، حقوله ، بيته ، من أفواه الأمهات ، والجدّات ، والآباء ، ومن بقي من الأسلاف ... شاءت أقداري أن اتنقل بين المخيمات ، من مخيمي الدهيشة والنويعمة في فلسطين إلى مخيم اليرموك في سورية ، ومن ثمّ أعود إلى مخيم النويعمة ، ثمّ بعد نكبة حزيران أرحل إلى عمّّان وأقيم في مخيم النصر ..يا للمفارقة ، بعد الهزيمة أسكن في مخيم ( النصر) !! ثمّ انتقل من جديد إلى سورية ، فأقيم في اليرموك ..ومعي زوجتي ، وننجب في اليرموك جيلاً جديداً من اللاجئين ..و..ومن بعد إلى لبنان ، لأقيم في صبرا ، أي في مدخل شاتيلا ! رحلة عجيبة ! قد لا تقارن برحلات فلسطينيين آخرين ! لكنني منها تعلّمت ، وهذا ما تجدونه في رواياتي ، وقصصي ، ومقالاتي ، وكتاباتي للفتيان ، وأسلوب حياتي ... الحفاظ على الذاكرة الفلسطينية واجب وطني ، وقومي ، وإنساني: يمكنني أن أتحدث لأيام متواصلة ودون توّقف عن تجربة النكبة واللجوء ، وهذا ما بمقدور غيري أن يفعله ، ولكن كل الكلام سيذهب مع الريح إن لم يدوّن ، شعراً ، ونثراً ، وتاريخاً ، وجغرافيا ، وسرد معارك وبطولات ، ودراسات ، وسينما ، ومسرح ، وتطريز ، وحفاظ على آلاتنا الموسيقية ، وغنائنا الشعبي ... المذابح التي اقترفها عدونا الصهيوني في قرانا ، ومدننا ، ومن بعد في مخيماتنا ، كلّها كان الغرض منها دفعنا للهرب والنجاة بحياتنا الشخصية ، وتحويلنا إلى كائنات بلا جذور . وبالترافق مع المذابح تمّت عمليات السطو على تراثنا ، وفنوننا ، وحتّى أكلاتنا الشعبية . نحن مشرّدون في أقطار عربية تناصب الفلسطيني العداء ، أو الشك ، وتضيّق عليه ، وتباعد بين الفلسطينيين فتحرمهم من التواصل غالباً ... تراثنا في المنافي يتعرض للذبول إن لم نصنه ، وهذا واجب كل حريص ، وصاحب فكر ، وضمير ، وكل قادر بالمعنى المادي ، والفكري ، والإبداعي ... لقد طرّحت هذا السؤال مراراً في السنوات الأخيرة ، خاصة وأنا أرى ، وأعيش ما يتعرض له شعبنا الفلسطيني : _ ما الذي يوحّد الشعب الفلسطيني المشتت في الأقطار العربية ، والمشرّد في بلاد العالم وقارّاته ؟ أجيب : _ الثقافة ! ..ثقافته ، وثقافته المكتوبة ، تلك هي التي تصون وحدته ، وتعمّقها ، وتحرسها ... الأجيال الفلسطينية تختفي ويختطفها الموت الذي هو نهاية كل حي ، وبخاصة من ولدوا وعاشوا في فلسطين ، من عرفوها ، وحفظوها في ذاكرتهم ، والأجيال التي جاءت بعدهم ، جيلي تحديداً ، لم يعرف فلسطين حياةً مستقرة مديدة ، ولكنه ولد على ثراها ، وهو كان على مقربة من فلسطين ، من أفواه الأهل ، وحكاياتهم ، وأغانيهم .. ولكنه الآن يتأهب للرحيل ، فماذا نبقي للأجيال التي ولدت في الشتات واللجوء ؟! ... لابدّ من الكتابة ، فكل من عاش التجربة ليس من الضروري أن يكون كاتباً محترفاً ليدوّن تجربته ، وذكرياته ، وشهادته ... إن حفظ الذاكرة من التزوير ضروري ، فثمّة من ينتحلون لأنفسهم أدواراً ليسوا جديرين بها ، وفي غياب الشهود ، والشهادة الصادقة ستسود الأكاذيب ، وستزدهر البطولة المزوّرة . الحنين إلى المخيم : ليس المخيم شرّاً محضاً ، فقراً ، وجوعاً ، وغربة ... المخيم صهر الفلسطينيين ، فبقدر ما حفظ انتماءهم لقراهم ومدنهم ، فإنه قد وحّد انتماءهم الوطني ، والقومي . ولذا لاغرابة أن يتبلور الوعي في المخيم ، وتزدهر أفكار المقاومة ، وتنشر الحزبية ... في المخيم مدرسة ، وشارعاً ، تعلمنا ، وأحببنا ، وعشنا علاقات حميمة ، وتشربت نفوسنا بالحكايات الشعبية ، وأمثولات البطولة ، والفداء ... ولذا لا تستغربوا أن أحن كثيراً لمخيم ( النويعمة) قرب أريحا ، أتذكر عازف الشبّابة ، وعازف الأرغول ، وعازف الربابة ، وليالي الأعراس الفلسطينية النقيّة من كل شوائب ، والتي ما زالت أغانيها ، وسهراتها في البال ... لن أنسى اللويح الذي كان يأتي من مخيم ( عين السلطان ) ، ولا ذلك الراقص الأعجوبة الحدّاء ( أبو فرج ) ، ولا ذلك المطلع في ( السامر) : حس الزغاريت هبّني وانا نايم ! أي : صوت الزغاريد أيقظنني من عميق النوم ... ولن أنسى نظرات بنات مخيمنا ، وهن يحملن جرار الماء الراشح على مناديلهن ، وعيونهن ترسل كلاماً من تحت لتحت ..يا لتلك العيون ! ... ولن أنسى التظاهرات ، والسجن المركزي في أريحا ، و... المخيم ! ..إنني افرح كلّما عدت إلى مخيم اليرموك ، أفرح وأنا التقي بشباب وشّابات أتعرف على ملامحهم ، واحزن وأنا أرى صور بعضهم على الحيطان ..شهداء على ارض عربية افتداء للأمة ، إن في لبنان ، أو العراق ، أو ... الذاكرة الحيّة : الذاكرة الشفوية تضمحل وتندثر إذا لم تلقّم بالمعلومات التي تقوّيها ، وتنعشها ... أتوقف هنا لأحيي ذكرى المعلّم مصطفى مراد الدبّاغ صاحب موسوعة ( بلادنا فلسطين ) ، والدكتور وليد الخالدي صاحب ( كي لاننسى) و( قبل الشتات) ، والدكتورة بيان نويهض الحوت صاحبة ( القيادات والمؤسسات الفلسطينية ...) و ما تركه لنا عارف العارف صاحب كتب ( النكبة ) ، والدكتور أنيس صايغ الذي لا تعد مآثره ، والدكتورة خيرية قاسمية ، ومن يكتبون مذكراتهم بنزاهة وتواضع وصدقيّة مشهود لها كالأستاذ بهجت أبو غربية ، وحنّا أبوحنّا ، ونجاتي صدقي ، وذو الكفل عبد اللطيف ، ومطر عبد الرحيم ( ابوحسين ) ، وكثيرين أيضا يستحقون الثناء ، وروّاد الفن الفلسطيني وفي مقدّمتهم إسماعيل شموط ، والمعلّمة سميرة عزّام ، وغسان كنفاني ، وجبرا إبراهيم جبرا ، وشعراء النكبة عبد الكريم الكرمي ( أبو سلمى) هارون هاشم رشيد ، ويوسف الخطيب ، معين بسيسو ، والفنان الشعبي نوح إبراهيم ، والفنّان الشعبي ( الحسون ) ، والشعراء الشعبيين ، والزجّالين ( الحاج فرحان سلاّم ) و( أبوسعيد الحطيني) ، وراجح السلفيتي ، وسعود الأسدي ، وعازفي الأرغول ، والمجوز ... هنا لا بدّ أن أتوقف قليلاً لأنبه إلى أن آلاتنا الموسيقية الشعبية في خطر من النسيان والاندثار . فالأرغول ، والمجوز ، والشبّابة هي جزء من روحنا ،ومن مكونات شخصيتنا ، ومزاجنا ، هي التي تشكّل مع الحكاية ، والشعر الشعبي ، والتطريز ملمحاً أصيلا من شخصيتنا وهويتنا ، والحفاظ عليها حفاظ على تواصل أجيالنا ، وجدارتنا بالحياة . ولا يفوتني أن أنوه بتقدير على كتاب السيدة يسرى عرنيطة جوهرية ( الفنون الشعبية في فلسطين ) ، ودراسة باتريك لاما ( الموسيقى الشعبية الفلسطينية ) ، وجهود الّحاجة تودد عبد الهادي التي جمعت (الخراريف) الفلسطينية ، ولا أنسى دور الباحث نمر سرحان المتواصل ... أمّا أبناء وبنات جيلي المبدعين فأرى أنهم أعطوا الكثير ، ورغم سقوط بعضهم في الطريق _ لهم الرحمة _ فإنني أرى أن بمقدورهم العطاء ، والمزيد من العطاء ، فهم جميعاً اكتووا بنار التجربة ، تجربة النكبة واللجوء ، وزمن الفداء ، والانتفاضة المفتوح على زمن فلسطين ، زمن العدل ، وانتصار الحق ، وتحقيق التحرير والحرية ... ربّما لا نكون في تلك اللحظات المجيدة ، لكن ما سنتركه سيكون هناك في العقول ، والضمائر ، والوجدان ، والذاكرة الفلسطينية الحيّة التي لن تموت ما دامت الشمس تطلع والليل يبدده نورها الساطع ...
* نص ورقة الكاتب التي قدّمها في ورشة ( الذاكرة الشفهية الفلسطينية والهوية الوطنية ) التي عقدت يومي 17 و18 في مبنى اتحاد الكتّاب العرب بدمشق ...
السؤال الثقافي الفلسطيني
السؤال الثقافي الفلسطيني أدخل في الموضوع مباشرة بدون مقدمات ذلك أنني كتبت في هذا الأمر مراراً وتكراراً، وألححت عليه مؤمّلاً إثارة نقاش وجدل، كما كتب كغيري فيه وحوله ، وأرى أنه الآن يزداد أهميّة. شعبنا العربي الفلسطيني ينتشر داخل وطنه ، في الجزء المحتل منذ عام 48 ، وفي الجزئين المحتلين منذ حزيران 67 ، اقصد الضفة والقطاع والذين كانا مقسّمين بين الأردن والإدارة المصرية ، وأجزاء مبعثرة في الشتات ، والمنافي ، البعيدة ، والقريبة ، في الأردن ، سورية ، لبنان ، مصر ، العراق ، دول الخليج ، والمنافي البعيدة الأمريكية الشمالية والجنوبية ، وفي أوربة . ثمّة أجيال تولد وتنشأ في ظروف مختلفة ، وهي تتأثّر بالبيئات التي تعيش فيها ، وبقوانينها التي تباعد بين الفلسطينيين ، وبينهم وبين دورهم الوطني ، وقد يحدث هذا بسبب ظروف البعد وعدم توفّر إمكانية للتواصل الحقيقي تفاعلاً وفعلاً . لا يغيب عن بالنا أننا ننتمي إلى أمة واحدة ، وأن لغتنا ، وثقافتنا واحدة ، ولذا فنحن آخر من يرمى بالإقليمية ، أو السعي لتأسيس ثقافة انعزالية ، والحق أن الفلسطيني بكفاحه ، وإبداعه في كل الميادين ، إنما يخدم بقاء الأمة ، ويصون جوهر وجودها . ومع ذلك فلا بدّ من طرح السؤال : ما الذي يوحّد الفلسطينيين ، ويحميهم من الذوبان ، ويصون انتماءهم وتشبثهم بقضيتهم ، وينّمي وعيهم ، خاصةً وأجيال جديدة تولد في أماكن شتّى محرومة من النمو الطبيعي في بيئتها ، وتشرّب ثقافتها الشعبية ، وتلقّي إبداعات مبدعيها من كتّاب ، وشعراء ، وفنّانين موسيقيين ،وتشكيليين ، ومسرحيين ، وسينمائيين ..الخ؟ لقد تساءلت مرارا وتكراراً : لمن نكتب ونبدع نحن الكتّاب والمبدعين الفلسطينيين ؟ هل يتلقى القارئ الفلسطيني كتاباتنا ، ويرى لوحاتنا ، ويشاهد لوحاتنا ، ويتفاعل مع كل هذا النتاج الموّجه له ؟! الفلسطينيون في فلسطين المحتلّة عام 48 حرموا من الكتاب العربي بعّامة ،والفلسطيني بخّاصة . وفي المناطق المحتلة عام 67 اختفت المكتبات القليلة لأن المحتل الصهيوني حارب الثقافة الفلسطينية ، وكما قطّع الأرض الفلسطينية ، ومزّق الشعب الفلسطيني بغرض تدمير الشخصية العربية الفلسطينية ، فقد لجأ وهو الاستعمار الاستيطاني البشع في تاريخ البشرية إلى انتهاج أساليب إجرامية تخريبية لتدمير روح هذا الشعب ، ومنها حرمانه من الكتاب العربي المستورد والمطبوع في الداخل بالمصادرة والمنع ، وهو نفس الشيء الذي مارسه على كل أنواع الفنون ، وفي ظنّه أنه بهذا يحوّل الفلسطينيين إلى أقليات معزولة ، لا يجمعها رابط ، وينسيها انتماءها ، ويفقدها هويتها ، وبهذا يتلف الروح الكفاحية عند الفلسطينيين مّما يسهّل هزيمتهم . لا يكفي أن نركن إلى عزيمة شعبنا الكفاحية ، وقدرته على التحمّل ، فالمعركة لا تخاض بالدم وروح الاستشهاد على عظمة هذا كلّه ، ولكنها تخاض بالوعي ، بالثقافة ، بوحدة شعبنا الروحية التي تتجلّى قي ثقافة واحدة تجمعه ، تسري في نسغه ، تفعم جذورها ، تدور في جسده الواحد حيثما كان ، كما دورة الدم في الجسد الواحد ، الجسد النشط ، المعافى ن القوي ، المتماسك ، المتواصل والحي . السؤال الثقافي مطروح علينا أولاً نحن المبدعين الفلسطينيين ، كتّاباً وفنّانين ، إذ إن ما ننتجه لا يصل إلى شعبنا ، وهذا يمثل تحد لنا ، ولا بدّ من التفكير جماعياً لاستنباط وسائل تسهّل التواصل بيننا وبين شعبنا حيثما كان ، وهو ما عجزت عنه فصائل ( الثورة ) الفلسطينية ، وما لم تطرحه جدياً على نفسها ، لسبب بسيط وهو أنها غير مشغولة بالهّم الثقافي وتعتبره ترفاً ، وربّما ( تحشيشاً فكرياً ) . هّم التواصل مع شعبنا الذي نكبت ونبدع له هو واجب وطني وقومي وإنساني ينضاف إلى همّنا الإبداعي ، وهنا يتجلّى دور المثقفين الميدانيين ، أو العضويين ، إذ لا يكفي أن تكتب ، أو ترسم ، أو تنتج عملاً ثقافياً ( فلسطينياً ) معتبراً ان مهمتك تنتهي هنا ، مبرئاً ذمّتك / محمّلاً الظروف مسؤولية التقصير . الاتحادات الفلسطينية المعنيّة بالهم الثقافي ماتت عملياً منذ الخروج من بيروت عام 82 ، والعودة إلى الصيغ القديمة في عمل تلكم الاتحادات هو عودة إلى أساليب التقاسم بين الفصائل ، وهيمنتها على شأن لا تحمل همّه ، ولا يؤرّقها ، وهي غير مستعدة لدفع تكلفته المادية لأنه برأيها غير مربح ، وهي لا تريد منه سوى ( البروظة) والمشاركة الشكلية ، ومن أجل ذلك فهي تساوم وتقدّم التنازلات لقاء حصّة تتناسب مع حجمها السياسي الذي ارتضته لنفسها . لذا أقول بلا تحفّظ بأن محاولات نفخ النفس في بدن الاتحاد العام للكتّاب والصحفيين الفلسطينيين غير مجدية ، وهي نفخ في قربة مقطوعة ، وممزقة ، والنوايا التي تحرّكها مصلحية ، وغير جّادة ، ولا تدرك جديّة واستراتيجية السؤال الثقافي الفلسطيني المطروح منذ انطلاقة الثورة الفلسطينية المعاصرة وحتى ما بعد ( أوسلو) وقيام السلطة على أرض غير محرّرة ، أرض تسرق يومياً . السؤال مطروح على المبدعين الفلسطينيين ، فهم يكتبون لشعب مشتّت ، وما يبدعونه لا يصل إلاّ جزئياً ، وشعبهم أحوج ما يكون للتفاعل مع ما يبدعون ، فكيف نحوّل الحلقة المفرغة هذه إلى طرق تتخطّى العوائق وتوصل إلى الهدف ؟ ثمّة إمكانات تنفتح لنا يمكن استغلالها للتغلّب على بعد الأمكنة بيننا ، وصعوبة العوائق التي يخترعها الاحتلال الصهيوني للتفريق بيننا ، والإنترنت أحد هذه الوسائل الجبّارة ، وهنا أنوّه إلى الموقع الممتاز الذي أسسه الفنّان الفلسطيني الكبير إسماعيل شمّوط للفن التشكيلي الفلسطيني ، ونحن ( الأدباء ، ناثرين وشعراء ) يمكن أن نؤسس موقعاً كبيراً يقدّم خدمات للقراء ، والباحثين ، وحتى للمبدعين الفلطسينيين أنفسهم بحيث يتمكنون من التواصل ، والتعارف ،وتبادل المعلومات ، والترويج لكتاباتهم . وهناك في شعبنا أشخاص قادرون على تقديم الدعم الواجب عليهم لمشاريع ثقافية جديّة ، غير شخصية ، استراتيجية وليست آنية ، وهؤلاء إذا ما لمسوا المصداقية في العمل فإنني أتوقّع أن يسهموا بالدعم الكفيل بإنجاز مشاريع ثقافية وطنية تصل بين الفلسطينيين ، تغذّي روحهم الواحدة ، وتصون وتعمّق وعيهم .
كم أتمنى أن تكون هذه الكلمة بداية لحوار جاد بين المبدعين الفلسطينيين بهدف تلمّس الطريق ، والدور ، ووضع أسس الجواب على هذا السؤال عملياً ، وهو ما سيحسب لنا إن بدأنا ، فانتظار مبادرة من القيادات الفلسطينية أو من يدورون في فلكها أمر غير وارد لأن فاقد الشيء لا يعطيه.
أبوجلدة والعرميط سيرة بطلين شعبيين
الانتداب البريطاني حاول تشويههما، وصوّرهما كقاطعي طريق شقيين،وألصق بهما أعمالاً لا تنسجم مع شهامتهما، وأخلاقهما التي ورثاها من أسرتيهما الفلاّحيتين، ومن تدينهما الفطري، ومن تأثرهما بدعوة الشيخ عّز الدين القسّام الذي سمعاه يخطب في مسجد الاستقلال بحيفا. فيزيائيّاً كانا شبيهي دون كيخوت وسانشو، فهما واحد نحيل قصير،وصاحبه الذي يمكن وصفه بتابعه ،ضخم وطويل و..يثق بمعلمه وقائده ويسلّم له أمره . كان اسم أبوجلدة مثار رعب لجنود الإنكليز،وكبار جنرالاتهم،وللتابعين محليّاً لهم،فهو يضرب ويختفي، ولا يترك أثراً، ولذلك زرعت عيون لمتابعته، فالعسس والمخبرون وجدوا في كل زمان ومكان، وأجّروا أنفسهم للمحتلين، والأعداء،ولكّل من يدفع لهم..هؤلاء كرههم هو وصاحبه ، وترصدوهم،وسددوا لهم ضربات قاصمة، لجعلهم عبراً يعتبر بها غيرهم من عديمي الضمائر،ولمضاعفة ثقة الناس بهذين البطلين ، وما يمثلانه . وأنا صغير سمعت بقايا ذكر لهما، ثمّ بهت حضورهما وشحب في الذاكرة الجمعية الفلسطينيّة، فهما لم يكونا من أبناء العوائل الكبيرة،ولم يتركا مذكراتهما، ولم يكتب عنها سوى كلام عابر كبطلين شعبيين متواضعي الوعي والأهميّة . من جديد أحياهما كاتب،وقاص، وصاحب تجربة عريضة هو : نجاتي صدقي،في مذكراته التي استخرجها من عتمة النسيان الأستاذ الشاعر حنا أبوحنا ،وصدرت عن مؤسسة الدراسات الفلسطينيّة في بيروت عام2001 . في السجن التقاهما نجاتي صدقي، فانظر كيف يصفهما بكلام قليل ، ينصفهما، ويمسح عن سيرتهما بعض من لحق بها من تشويه متعمّد من حكّام فلسطين الإنكليز المتصهينين : تعرفنا في السجن إلى رجلين أشغلا حكومة الانتداب مدة طويلة في حرب العصابات ، وهما أبوجلدة والعرميط... لقد ألّف هذان الفلاّحان عصابة لمحاربة الدولة المنتدبة ، مثل كثير من العصابات المنتشرة في البلاد، والمؤلفة غالباً من الفلاحين الذين باتوا بلا أرض أو عمل . لقد برز هذا الثائران إثر ثورة 1930 ، وألّفا عصابة اتخذت من الجبال مجالاً لأعمالها، واصطدمت مع القوات البريطانيّة في غير معركة ، وقد أراد زعيمها أبوجلدة ،وهو رجل نحيل الجسم، قصير القامة،أن يبعد عنه وعن رجاله تهمة الشقاوة ، فارتدى لباساً عسكريّاً، وقد زيّن كتفيه بسيفين وثلاثة نجوم ، وجّر سيفاً صقيلاً طويلا له يد مذهّبة. وماذا عن العرميط الصديق والتابع المخلص الأمين لأبي جلدة ؟! يصفه نجاتي صدقي كما عرفه في السجن : رجل قوي البنية ، شديد البأس ،عيّنه أبوجلدة نائباً له مطلق الصلاحيات . نصف صفحة من مذكرات نجاتي صدقي حفظت ذكر ومواصفات هذين البطلين الشعبيين ، لكن ... لكن الشاعر الكبير هارون هاشم رشيد، رأى أن يعيد هذين البطلين إلى الحياة بعد أن ماتا وشبعا موتاً في عمل أدبي ينصفهما ويصون ذكرهما للأجيال، فألّف عنهما كتاباً عنوانه ( أبو جلدة والعرميط ) وتحت العنوان بخّط ناعم : ياما كسّرا برانيط، وبخّط عمودي نقرأ كلماته من فوق لتحت : حكاية حقيقيّة من بطولات المقاومة الشعبيّة الفلسطينيّة .( صدر عن دار مجدلاوي في عمّان). أمّا البرانيط فهي جمع برنيطة ، وهي غطاء الرأس الذي كان يستعمله الجنود البريطانيون، وتكسير البرانيط هو كناية عن تكسير الرؤوس،وهذا العنوان هو مطلع أهزوجة شعبيّة فلسطينيّة سادت في الثلاثينات ، وتناقلتها أجيال الأجداد والآباء ، وبهتت أصداؤها،وها هوذا صاحب ( سنرجع يوماً إلى حيّنا) التي شدت بها الفنّانة الكبيرة فيروز،يعيدها للذاكرة ، فكفاح عرب فلسطين لم ينقطع على مدى القرن العشرين وهو مفتوح على عقود هذا القرن الحادي والعشرين،حتى يعود الفلسطينيون إلى وطنهم،وتعود فلسطين لأهلها الأوفياء الصابرين المتشبثين بحقّهم. يصف كتابه بالحكاية هارون ، وينأى بنفسه عن وصف ما يكتبه بالرواية ، لأنه معني بتدوين نّص أدبي دون تصنيف محدد،يحفظ فصلاً من فصول نضال الشعب الفسطيني، ويعيد ذكرى نفر من أبطاله، أولئك الذين لم يتيسر لهم كتابة تجاربهم، وتقديم شهاداتهم . أبوجلدة الذي فرّ من خدمة الدول العثمانيّة ، يبدو بالفطرة عاشقاً للحريّة،وقمم الجبال،ناقماً على الظلم. اسمه أحمد المحمود من قرية (طّمون)،وهي من قرى نابلس . اشتغل في ميناء حيفا عتّالاً، وهناك تعرّف بأوفى صحبه ،ومنهم اختار رجاله للثورة على الانتداب البريطاني الذي ما أن هيمن على فلسطين حتى بدأت عمليات تسريب اليهود إلى فلسطين تتزايد باضطراد ، بالترافق مع تسريب الأرض لهم ، وتدمير حياة الفلاحين الفلسطينيين بالضرائب الباهظة. تعرّف أبوجلدة بالرجل المتعلّم المثقّف سليمان العامري وتأثّر به ، واستمع لخطب الشيخ عز الدين القسّام في مسجد الاستقلال، وعايش مأساة أهالي قرى مرج بن عامر والأرض التي باعها إقطاعيون من خارج فلسطين ، وطرد منها سكّانها ، فحقد على السماسرة ،وعلى الصهاينة ،وازداد كرهه للإنكليز أصل البلاء في كّل ما يصيب أهالي فلسطين،وبخّاصة الفلاحين . لم ترحم عصابة ( أبوجلدة) الفلسطينيين الذين اثروا في العهد العثماني، والذين أرهقوا الفلاّحين حتى عجزوا عن سداد ديونهم واضطرّوهم للتنازل عن أرضهم . هؤلاء وضعهم أبوجلدة ورجاله في صّف الإنكليز والصهاينة ، ووجهوا لهم ضربات قاسية في منطقة ( جنين) خّاصةً ، ووصلوا إلى ممتلكاتهم ،وإليهم شخصيّاً،رغم حماية مستر طومسون رئيس شرطة جنين لهم . الشاعر الكبير هارون هاشم رشيد ذكّر في هذا العمل الأدبي الحكائي السلس والممتع، القريب من القّص الشفوي ،بالمعارك التي خاضتها عصابة ( أبوجلدة)، ودهاء الرجل في التخطيط للكمائن المباغتة للقوات البريطانية . الإنكليز أطلقوا اسم ( طريق الحراميّة) ، على طريق حيفا مرج بن عامر،الذي اختاره أبوجلدة لنشاطه ورجاله ، مستغلاًّ منعة جبال المنطقة بكهوفها ومغاورها ،وباغت القوّات البريطانية بالكمائن واستولى على بعض أسلحتها ... الحرامية هم أصحاب البلاد الذين يثورون لنيل حريّتهم،وطرد محتليهم القادمين من وراء البحار، الذين يمنحون المتسربين اليهود الذين تستجلبهم الحركة الصهيونيّة بالتواطؤ مع الانتداب البريطاني ليحتلّوا بلاداً ليست لهم !. هؤلاء حراميّة وعصاة وأشقياء !و..من يقاومون اليوم هم إرهابيون ! ..هذا هو منطق بريطانيا الاستعمارية ، وأمريكا الإمبرياليّة ، وكلتاهما سبب مصائب فلسطين وشعبها ..وهذا ما لا يجب أن يغيب عن كعرب . في مذكرات نجاتي صدقي،يخبرنا أن ( العرميط) طلب من أمّه أن تحضر معها خنجراً في الزيارة القادمة لأنه سيضعه معه في قبره،وسيذبح به الخائن الذي وشى به ! وفي خاتمة الحكاية كما رواها الأستاذ هارون، مشهد شنق البطل أبوجلدة الذي تقدّم إلى حبل المشنقة غير هيّاب ولا وجل ... وتكون آخر كلماته : بخاطركم يا شباب .. فلسطين أمانة في أعناقكم ..إيّاكم أن تفرطوا في حبّة رمل من أرض فلسطين... وحتى لا يكون تفريط ،ولا تنسى الذاكرة،كتب الشاعر هارون هاشم رشيد الحكاية،بالضبط في هذا الوقت الذي تشتّد فيه المؤامرات على مقاومة عرب فلسطين،وعلى حّق العودة إلى فلسطين...
أبوعبد الله الحجل
أبوعبد الله الحجل رشاد أبوشاور قصّة قصيرةيمشي على رؤوس أصابعه،سواء أكان ينتعل صندلاً في الصيف،أو حذاءً ثقيلاً في الشتاء ... هو من إحدى قرى رام الله . مرّةً يدّعي إنه من ( بيت ريما )،ومرّةً يقول بأنه من ( دير غسّانه) ،ومرّةً من ( ابوجخيدم) ،وهو في كل حال كما يرّد متبرّماً على إلحاح سائله:من دنيا الله يا أخي، فّك عنّي وخلّصني من السؤال عن أصلي وفصلي. أنا أصلي وفصلي هذا ،أرغولي،ثمّ ينفخ في قصبتي الأرغول مدلّلاً على قوله... يعيش أبوعبد الله على كرم الأجاويد،فهو لا يفاصل على إحياء ليالي الأعراس.أبوعبد الله لا حرفة له، فهو لا يزرع أرض أبيه التي أورثه إيّاها. لم يشاهد زارعاً أو حاصداً.هو على باب الله، يزهو في الصيف مع موسم الحصاد والأعراس،وعيشته مستورة فهو لا يتذمّر،ولا يطلب فوق ما يجود به الخيّرون لقاء إحيائه ليالي الأفراح التي يشيع فيها البهجة بأرغوله . طويل القامة،عريض المنكبين،رأسه ضخم،يبدو مدوّراً عندما يخلع كوفيته. لغداه ينتفخان بالهواء حين يبدأ العزف، ووجهه يتكوّر ويحمّرحتى يصير كالشمندرة الحمراء. يردّد مع بدء السهرة مستفّزاً حميّة الدبيّكة: _ أنا أدوّخ الدبيّكة الشباب ولا أتعب ... عند انعقاد حلقة الدبكة يحمّي بأنغام مديدة كأنما ينادي على ناس بعيدين، يريدهم أن يسمعوا، ويهرعوا للسهر والانبساط،بالأنغام التي ترقّص الحجر، كمايردّد محبّوه إعجاباً وثناءً على عزفه . يندمج مع المغنّي الذي يدور حوله،والدبيّكة الذين يكرجون بطيئاً،ثمّ يتحمسّون فيطيرون عالياً مستجيبين للويح يتقافز بخفّة الحمامة،يرعّش جسده كلّه كأن به مسّاً، وهو يدوّر منديله الخرزي وقد أمسك به برشاقة بين الشاهد والإبهام، في تناغم بين الجسد الليّن والمنديل المرفرف . ما أن أطّل أبوعبد الله الحجل ، ولحظته قريبات العريس،حتى لعلعت الزغاريد، وانتشرت البهجة ، فالعرس سيبدأ في هذه الليلة الصيفيّة المقمرة، في ( العبيدية) التي يفصلها عن القدس وادي النار... من يقف على طرف البلدة يخيّل إليه أنه يستطيع ملامسة قبّة الصخرة، فالقبّة والقرية على مستوى واحد، والنظرة الأفقيّة تبدي المسافة قريبةً عكس الطريق المتعرّج الخطر في الوادي ... مدّ الفراش وتجعّص الضيوف وأقارب العريس من كبار السّن،وقد جعلوا وجوههم صوب قبّة الصخرة وسور القدس وبيوتها، ثمّ صلوا العشاء جماعة،ومن بعّد دارت أكواب الشاي المطيّب بالقرفة، في حين تحرقص الشباب متلهفين على بدء السهرة... قال اللويح خليل الورد مخاطباً الحجل: _ الليلة للفجر على نفس واحد يا عجوز ... أخرج أبوعبد الله أرغوله،ونفخ أنغاماً قصيرة ، مدوزناً نفسه وأرغوله، ثمّ أخرج مبسمي الأرغول من فمه : _ الليلة للصبح يا ولد ! ..أنا الحجل، لقبّوني الحجل لأني أكرج كرجاً . أنا دوّخت أباك شيخ الدبيكة قبلك ... _ ما دام هيك : فللفجر ياعّم حجل،على نفس واحد بدون توقّف،لا لأرغولك ولا للدبيّكة ... _ للفجر ،وإذا لم أغلبكم فأنا لست الحجل . _ إذا تعبت قبلنا تعلن انك مغلوب، وتقّر بأنك صرت عجوزاً،وإن ... _ لا تكمل يا ولد ..سأغلبكم.الليلة سيعرف الناس من الذي قلبه وصدره ما زال شباباً... _ وإن غلبناك؟ _ لا آخذ أجرتي على هذه الليلة،أو أقول لك : آخذها وأطعمكم بها كنافة بكره في القدس ... اصطّف الدبيّكة على شكل الهلال.اللويح يطيّر المنديل الخرزي وهو يربت بقدمه على الأرض، مع هّز كتفيه في أعلى وأسفل، وصوت منغّم من بين أسنانه : إس سس سسس ... ارتفع صوت المغنّي الذي بدأ الدوران حول الحجل واضعاً راحة يده اليمنى حول أذنه اليمنى ، منغّماً صوته الصادح : يا ام الشليش ويام الشليشي جننتي المشايخ والدراويشي تحرم علي بعدك العيشي جرحتي قليبي وانا ازغنونا هزّ اللويح منكبيه ، وارتفع صوته : _هاه ..يلاّ ..اطلع ... وفجّت الزغاريد ، فسهرة الليلة بدأت ... مهما قلتلك يا نفسي توبي قلتيلي ما أقدر أنسى محبوبي أصبر عالجفا صبر أيوبي حتى الحبايب يعاودونا ارتفعت أصوات الدبيكة منتشية بالغناء وأنغام الأرغول : الله الله الله الله _ يلاّ ،اطلع ... ويلاّ اطلع من اللويح تعني:طيروا،حلّقواعالياً يا شباب ... وطارت الأقدام عن الأرض ،وبدن الحجل وأنغامه امتزجت ، جنّت،صعدت من الأرض إلى الفضاء ،تداخلت مع ضوء القمر المكتمل الذي يذوب نوراً يملأ السماء. رائحة الشاي بالقرفة،وعطر القرنفل الذي يفحفح من أجساد قريبات وجارات العريس ،والبنات اللواتي جملّتهن أمهاتهن ليعرضنهن الليلة أمام أمهات عندهن عرسان ، أفعمت الجّو وأنعشته... الحجل يحني هامته، يدوّر جسده كالدرويش،تخفق أصابعه الرشيقة على ثقوب القصبتين،بخبرة وألفة عمر تعود إلى خمسين سنة،بدأها وهو في العاشرة،برعاية (أبو الليل) شيخ عازفي الأرغول في منطقة (رام الله) . يدور الحجل مع الدبيّكة ،يدوّر رأسه مع الأنغام،وقصبتا الأرغول تتجهان بفوهتيهما إلى الأعلى كأنما يشرب بهما ذوب نور القمر. يدوّر القصبتين كأنما يدوخ مع الأنغام، يرقّص كتفيه ، يهّز خصره بلطف ، يموّج رأسه، يصير في حالة وجد ونشوة وقد تخفف من عبء الجسد،ثمّ يعود إلى الأرض،فيرسل نظرات يمّر بها على وجوه الدبيّكة ، كأنما يتوعدهم متحديّاً بوّد يستفّز حميّتهم : الليلة ليلتي وسترون ... الحجل يتلاعب بالدبيكة، من (الدلعونا) إلى الطيّارة ( المجنونة) إلى ( الشماليّة) ، يهدّيء،ويسرّع أنغامه،والشباب مع انطواء ساعات الليل،يأخذ منهم التعب ببطء،ولكنهم يستمرّون بفرح عنيد، بينما المغنّي يدور حول الحجل ،مهيّجاً الدبيّكة ،ومستحثّاً النسوة أن لايبخلن بزغاريدهن التي تبعث الحميّة وروح التنافس : نزل عالدبكة اللويح الشاطر يا لوحة إيده تشرح الخاطر واللويح يستجيب لمديح المغني،فيخفق منديله فوق رأسه ، وتهتز عضلاته الناضحة عرقاً غزيراً يبلل قمبازه الروزا الأبيض ، قمباز ليالي الأفراح وحلقات الدبكة... وهنت الزغاريد، وفرد العجائز عباءاتهم على أجساد لفحتها نسائم آخر الليل، والقمر مال مبحراً في سماء شاحبة خفيفة . ارتفع صوتك أحد الوجهاء : _أتعبتم الحجل يا شباب ..خذوا نفس ، ارتاحوا ... لكن الحجل استدار صوب الصوت،وأخذ يحرّك قصبتي أرغوله إلى الأعلى،ويرفع حاجبيه علامة الرفض ،أمّا الدبيّكة فلم يجيبوا ، وتبادلوا النظر مع اللويح الذي أمعن في ترعيش جسده كأنما يقول : نحن شباب وأجسادنا لا ينال منها التعب... أمال المغنّي رأسه وهمس في أذن الحجل ، ولكن الحجل هزّ رأسه وأدار له ظهره ، فوقف المغني حائراً ، وأرسل نظراته إلى عيني اللويح الذي هزّ منكبيه ، وكأنما يقول له: اقنع صاحبك أن يتوقف عن العزف... من بوابة بيت العريس انسربت النسوة فالفجر اقترب ، بعد أن غنين وزغردن وتبادلن الثناء على بناتهن العرايس اللواتي ينتظرن عرساناً من شباب القرية أو القرى المجاورة من قرى عرب ( السواحرة). رفع الشيخ يوسف آذان الفجر، فنهض الرجال ليتجهوا للمسجد لأداء الصلاة جماعةً. باغت الحجل الدبيّكة بنغمات ( الطيّارة) المجنونة ، فارتبك اللويح والشباب ، بسبب الاذان ، ولأن الوهن دبّ في عضلاتهم، والنعاس أخذ يثقل أجفانهم ... ارتفع صوت من بين الرجال الذين نهضوا وتحلّقوا حول الدبيّكة: _ حرام ..يكفي ..ألا تسمعون آذان الفجر ..وقت لفرحك ووقت لربّك ..يكفي ..والعقبى للعزّابيّة ..ويخلف عليك يا حجل ... انفّض الدبيّكة ، ونفخ الحجل قليلاً في أرغوله ، ثمّ أخرج المبسمين من القصبتين ، ونفخ فيهما حتى ينظفهما من اللعاب ... سأله أحد العجائز : _ ألا تصلّي يا حجل؟! _ طبعاً أصلّي ..كيف لا أصلّي ؟! أنا أحّب الصلاة في الهواء الطلق،أرتاح لملامسة جبيني للتراب ، حتى بّت أميّز الفرق بين روائح أراضى قرانا، ونكهات أزهارها وأشجارها وثمارها لكثرة صلاتي وركوعي عليها.سألحق بكم إلى المسجد بعد أن آخذ نفساً ينعش رئتّي... تمدد الحجل على الفراش،وأسند رأسه إلى وسادتين وضعهما فوق بعضهما،ولّف كوفيته على رأسه ووجهه ، ونام بعمق ، بعمق شديد ،حتى إن الشمس صارت عاليةً في السماء، بينما هو نائم تماماً،نائم بلا نفس، ولا حركة،وأرغوله ممدد على صدره، كأنما ينام بعمق لصق قلب ورئتي صاحبه، بعد رفقة عمر طويلة...
|
|
بلاد البحر: رواية زمن اللامعقول ، الفساد ، وشفافية البسطاء
رشاد أبوشاور
الكتابة نقد، وكتابة بدون نقد شجاع، عميق،لاقيمة لها . وفي الحالة الفلسطينيّة الكتابة مواجهة مع الاحتلال، وفضح للفساد،وتعريّة للعهر السياسي الذي يقود إلى خراب فكري، وأخلاقي، واجتماعي ، ولا يغيب عن البال أنها فّن يملك أن يجذب المتلقّي، ويمتعه ، ويضيف لوعيه ومعرفته...في ختام الرواية نقرأ : صاح بي العسكري الأثيوبي على حاجز (حوّارة) القريب من نابلس ، في العام2004 :_أنت ..هات هويّة!كان هذا الجندي هو ابن سائق الجرّافة الذي هدم أجزاءً كبيرةً من مخيّم جنين .سلّمت بطاقتي الشخصيّة ، فلما قرأها أعادها لي بعصبيّة وقال:_ أنت ممنوع من المرور.قلت له :_ ولماذا يا أدون؟!أعجبته كلمة (أدون) ،فقال :_أنت من (جنين)، وأهل (جنين) ممنوعون من تجاوز الحاجز.قلت له : _ من أي البلاد أنت يا أدون؟!قال دون أن ينتبه :_أنا من أوغادين في أثيوبيا.قلت له : -وأنا من ( جنين) في فلسطين ..وأنت أدون وأنا لست أدون يا أدون .تلفّت حولي في ذعر ..أين طائر الرّخ الذي كلن هنا قبل قليل؟!(ص273و274)طائر الرّخ، وأبو الفداء ، لم يكونا هنا قبل ، فالروائي استحضرهما ليستعين بهما على رواية ليروي بعضاً من رواية فلسطين اللامعقولة ، حيث المجلوب إليها من أوغادين سيّد _ أدون بالعبريّة_ وصاحب البلاد يقف على الحواجز، يتلقّى الأوامر، يهدم بيته، يسرق حقله، يغرب في وطنه، يفرّق بين وبين ذويه و..يراد منه أن يعامله ك(آخر) يمكن التحاور والتعامل معه بوّد،بل ومصانعته! ...أحمد رفيق عوض الروائي ، منذ روايته الأولى ( العذراء والقريّة)1992 تصدّى للأمراض الاجتماعيّة ، قبل دخول السلطة، ودفع ثمن جرأته، فاضطّر للرحيل من ( يعبد) إلى رام الله .بعد أن تكشّف له فساد السلطة كتب روايته (مقامات العشّاق والتجّار)عام1997 ، وكان أوّل روائي وكاتب فلسطيني في مناطق السلطة يضع إصبعه مبكّراً على بؤس مشروع السلطة...يواصل أحمد رفيق عوض في روايته ( بلاد البحر) خطّه النقدي،الشجاع،فيكتب الواقع القبيح بفّن عال المستوى، مستلهماً أساليب فنيّة عربيّة تسعفه في ( توصيل) خطابه الروائي ... في روايته الأحدث والصادرة في نهاية العام 2006 يواصل أحمد رفيق عوض ارتقاء سلّم الإبداع الروائي بخطوات واثقة، ويضيف جديداً للرواية العربيّة ...*صدرت رواية ( بلاد البحر ) في رام الله عن منشورات الاتحاد العام للكتّاب والأدباء الفلسطينيين
|
|
نُشرت الصفحة في 1/4/2007
|