الحصان والعربة

سوسن رسلان

 في الآونة الأخيرة كثر الحديث في المنتديات الثقافية والصالونات الأدبية وعلى كافة المستويات من شرائح المجتمع حول تحديث القوانين وأنه لم يعد بالإمكان التجاهل أو التهرب من ضرورة تغيير بعض هذه القوانين وأخص بالذكر قانون الأحول الشخصية وأحدد هنا ما يتعلق بالمرأة.

إن أخطر أشكال التمييز ضد المرأة تكمن في قوانين الأحوال الشخصية المعمول بها حالياً.

فالصفة الأساسية للقوانين هي كونها (جامعة نافعة) أي أن تكون ملزمة للجميع وليس لأحد مخالفتها تحت طائلة الإبطال لكن قانون الأحوال الشخصية يفتقر إلى هذه الصفة.

وفي سوريا هناك تمييز على ضوء الحقوق المقدرة لها في دستورنا وقصور هذه القوانين بالإحاطة بقضايا الأسرة المعاصرة ضبطاً وحمايةً، التي لم تعد تتلاءم مع دور المرأة في الأسرة والمجتمع في العصر الحديث.

وإذا قمنا بعرض تبسيطي لهذا القانون بعد تعريته من حالة الغموض والتعقيد وربما القدسية التي أحيط بها نجد أن القانون الصادر بالمرسوم التشريعي 59/لعام/53/ والمعدل بالقانون رقم 34/لعام 1975 أنه واحد من مجموعة القوانين الوضعية الأساسية الصادرة إبان النهضة التشريعية أو الثورة التشريعية التي شهدتها سوريا في حينه وهذا يعني أنه قانون وصفي صادر عن السلطة التشريعية بمرسوم جمهوري.

وبما أن سوريا تعيش في نهضة تشريعية شاملة كان من الواجب جمع الأحكام الشرعية للأحوال الشخصية في قانون واحد يسهل الرجوع إليه ويختار من الأحكام الأكثر موافقة ومطابقة للمصلحة الزمنية لأن هذا القانون اعتمد في إعداده على خمسة مصادر:

أولاً: قانون حقوق العائلة العثماني الذي جرى عليه وتعارفه الناس وبنيت عليه الاجتهادات القضائية.

ثانياً: القوانين المصرية مع بعض التعديل أحياناً بما يوافق المصلحة المحلية.

ثالثاً: الأحكام الشرعية في الأحوال الشخصية لقدري باشا.

رابعاً: ما رأت اللجنة الأخذ به بمذهب غير المذهب الحنفي وما وضعته من مواد التنظيم التي لا تنافي الحكم الشرعي.

خامساً: مشروع الأحوال الشخصية لقاضي دمشق الأستاذ علي الطنطاوي. ومن الاستعراض والتملي في هذه المصادر نفهم أمرين هامين:

الأمر الأول: هو أن أحكام هذا القانون بـرمتها مستمدة من أحكام المذاهب الفقهية التي (لا قدسية لها ولا إلزام بها) لأنها لا تتطابق مع أصل الحكم في الشريعة الإسلامية. أي أنه يمكن الأخذ من غيرها (أي الأحكام) مما يؤدي إلى جلب مصلحة عامة أو دفع ضرر عام.

الأمر الثاني: إن عمر هذا القانون هو من عمر مصادره طالما أنه جمعٌ للأحكام الواردة فيه لا أكثر من 100 عام وليس 50 عام من تاريخ ميلاده الرسمي وبذلك يكون الشرع قد خلق بنفسه أول وأكبـر إشكالية لهذا القانون حيث بحث في أقوال أكثر من مئة عام عن أحكام تطابق المصلحة الزمنية في عصرنا.

إن التحول الحاصل في الحياة الفكرية والاجتماعية الاقتصادية منذ مطلع القرن الماضي أدى إلى ظهور الشخصية الفردية وإلى الشعور بالاستقلال ويشمل هذا الشعور المرأة بعد تحررها من العزلة والأمية ومشاركتها الرجل في العلم والعمل وعلى قدم المساواة مع الرجل وبحماية الدستور والقوانين.

ومع زوال البيت الكبير الذي هو في حقيقته مؤسسة اقتصادية اجتماعية أو بالأحرى وحدة إنتاجية بإدارة الأب تشغل النساء فيها دوراً ثانوياً تابعاً اضمحلت الأسرة وظهرت على أنقاضها الأسرة الصغيرة التي يتعاون فيها الأم والأب والأولاد لتلبية حاجات الأسرة.

وفي ظل هذه الظروف كيف يمكن لنا تقنين وضبط علاقاتنا الأسرية المستجدة بأحكام قانونية مستمدة من تلك الحقبة أي من قانون حقوق العائلة العثمانية ووزير عدليتها قدري باشا، للأسف هذا ما فعله المشرّع حين وضع قانون 59/53 فولد ميتاً وعندما جاء التعديل بقانون 34/75 أي بعد ربع قرن أشار في أسبابه الموجبة إلى تفاقم الحاجة إلى التحديث.

أما الآن وبعد نصف قرن من الزمن وبعد محاولتين فاشلتين لا زلنا نراوح مكاننا متخبطين أمام مهمة لا زالت قائمة وتزداد إلحاحاً وهي تحديث قانون الأحوال الشخصية التي عمرها أكثر من مئة عام.

أخيراً تخطر لي مقولة ذلك المفكر الفرنسي الذي قال:

القانون والمجتمع كالحصان والعربة إما أن يكون أمامها فيجرها أو وراءها فتجره إذن أما كفانا هرولة وراء هذا الحصان أما آن الأوان للجمع بما يتناسب مع كل هذا التطور والتقدم الذي نشهده لا على مستوى العالم بل على مستوى بلدنا سوريا.