|
صور
سمير احمد الشريف
ماذا تقول؟..لا ..أبدا..أنا الذي رفضت اللحاق
به إلى القسم وتقديم كفالة ،مشرد لا يستحق أن أضيع وقتي من
أجله،….هذا
المتشرد ،أتعبني ..اقضي أيامي أسمع شكاوي الجيران الذين
غمروني بكرمهم.
الحركات التي يقوم بها
،يستحق من أجلها الإهانة والضرب ،لكن جبراني يراعون الجوار
ويكتفون بالشكوى .
رفضت أن أخرجه هذه المرة
،هذا صنف لا ينفع معه الاحترام،لم يفلح في دراسة ،ولم ينفع
معه أي أسلوب من التربية،دلوني ماذا اعمل؟ الوحيد بين اخوته
الذي شب عن الطوق ،ولم أنجح في تهذيبه.
يقسو على اخوته دون أن يجرؤ
أحد على النظر إليه ومخالفة أمره،إنه كبش بين قطيع من
النعاج.
يا سيدي،أقواله كلها كاذبة
،مضى عليّ في هذه المهنة ،خمسة عشر عاما،صحيح أنني لم أنجح
في مدرسة ،لكنني تعلمت المهنة ،وحالتي ميسورة ،رغم أن
الحاسدين يشيرون لي دوما بقولهم "دخله يفوق دخل طبيب"ولا
دواء للحسد.
نعم ؟….
آه..الموضوع أنني كنت اقف خلف زبون ،في اللحظات الأخيرة ،دخل
بأدب ،مشمرا أكمامه،غيمة شك عبرت خيالي ،كونه يأتينا أول
مرّة ،ومظهره يشي أنه من ذلك الصنف،لكنه الخجل والطمع.
حلقت رأسه ،رغم الرائحة التي
عبق بها المكان،خفت أن أفعل شيئا حتى لا يطفش الزبون.
المهم….أه
….نعم…
المهم أنني لحظة انتهائي ،غادر الكرسي على مهل،نظر لرأسه في
المرآة ،استدار ،حملق في وجهي طويلا، غالب بسمة واندفع
خارجا.
نظرت مشدوها بوجوه الزبائن
والمعاونين ،لم يقل أحد منهم شيئا،
لحقت به:"يا أخ
…
أنت يا.."
توقف ..انتظر حتى وصلت
إليه،قال بصوت كالفحيح:
-
نعم ؟ماذا تريد؟
-
يبدو أنك نسيت دفع الأجرة؟
- سجّل
على الحساب.
-
الحلاقة لا دين فيها..
- بلط
البحر.
-
ولكن…….
صحوت على وجهي يتلوّن
بالدماء.
كان يتردد علينا بين الحين
والآخر،علقت صورته بذهني لكثرة إلحاحه على الفول،عذرته لهذه
الصداقة الحميمة.
منذ أن دخل آخر مرة ،تحرك
فأر في صدري ،جذبني هندامه وطريقة جلوسه.
سألت نفسي:هل تكون طاقة من
السماء قد فتحت له؟لماذا يطلب منسفا ولحما بلديا، وفي هذا
الوقت الذي تخلى أصحاب اللحم البلدي عنه؟
قدمت له ما أراد،مكث مدة
يأكل ،ينقل نظراته بيني وبين الزبائن ،بعد أن انتهى ، نهض
متثاقلا ،غاب خلف المغسلة ،اقترب من طاولة الحساب ،أنتظر
برهة،أفسح الطريق لزبون ثم إنسرب خارجا دون أن يلتفت.
قفزت من وراء الطاولة،وصل فم
الزقاق الموصل للشارع ، ناديت بأعلى الصوت ،التفت أكثر من
رأس،لم يكترث ،لحقت به ،وضعت يدي على كتفه ،تلفت يمنة ويسرة
وبصق في وجهي.ذهلت عن نفسي ، أفقت ،وجدته قد ذاب في بحر من
الرؤوس.
التقيت به مرات قبل الآن
،كان يأتي إلى الكلية ،في المرة الأولى جلست وحيدة اقلّب
صفحات مجلة قديمة،جلس بلا استئذان،عرفني على نفسه ،تحدث عن
دراسته،أعجبتني طريقته في التعرف إلي،اعتبرت ذلك دليل ثقة في
النفس ..كان لا ينسى شيئا ، أصبحت أنسى معه أيامي ومحاضراتي
.
ألح عليه في كل مرة أن قد آن
الوقت ليتقدم لخطبتي ،أناور أن هناك أكثر من عريس، كنت أعرف
أن جواز مروري لقلبه ليس جمالي ،لكن رغبتي بأن اصبح مجرد
أنثى ،جعلتني أتابع فصول الكذبة التي صدقتها.
أخيرا هددت بقطع
علاقتنا،جاءني بواحد آخر ،قال لي :"هذا ما يصلح لك،أما أنا
،فمجرد متشرد ،يتسول ثمن سجائره من والده وزملاءه،د
بكيت حظي ،تواريت عن رفيقاتي
اللواتي تغامزن بفرح ،وعيت على يدي تحمل زجاجة اضرب بها
رأسي.
منذ سنوات خمس ،حضرت ،ليس لي
مهنة ،أتقن كل الأشياء ،ماذا اعمل؟كنت عائدا من
عملي،،استوقفني قبل أن أصل إليه ،سألني عن اسمي،أجبته
"حسنيين"
-نعم
؟ أرفض ؟ لم أرفض يا بيه ،ظننته
…….طلب
أن أقترب، مد يده في جيبي ،ابتسم عندما وجدها مخروقة،سألني
عن سكني ،من أين جئت،وماذا أعمل وكم معي من النقود.
أقسمت له بتربة أمي أنني لا
أملك شيئا غير مصروفي،رد غاضبا،بعد صفعة ذهبت بنور عينيّ:
-
با وجه النحس،،انتم سبب المصايب.
-
والله العظيم يا بيه ،وقال لي هات سيجارة يا
ابن ال..
(6)
أنت يا رجل أليس في قلبك
رحمة؟ كل هذه القسوة تخرج منك؟أليس ابنك؟اتق الله وخذ بضع
رجال ،أهو الأول أم الأخير؟ أنت سبب تربيته الفاسدة
بإهمالك.
(7 )
يتهمني الكل ،كأنني مصدر
شرور العالم،كثيرون غيري يفعلون اكثر مما أفعل،لماذا لا
تتحدثون عنهم؟
أبي لا هم ّ له غير تكرار
الاسطوانة التي حفظناها من كثرة تكرارها،ماذا كان يحدث لو
تعلمت؟هل أنا أفضل من اخوتي الذين يوارون وجوههم عن الناس
ويعيرهم أبي دوما أن مصاريفه عليهم ذهبت هباء.
أنا حائر ،لا أعرف ماذا أعمل ولا أين أذهب ،فهل لديكم عملا؟؟
| |
|
محطات
|
هدر
الانفجار؛ غمرت الشظايا محيط الشارع الضيق
همد كل شيء ، تلاشى الغبار من فوق أغصان
الشجر. أقفرت الطرقات وخيم صمت موحش.
لم يبق في الزقاق غير قطة تموء ، تدور حول
رِجل مقطوعة ينز منها الدم وفردة حذاء
ملقاة في نهاية الكادر .
|
هيأ روحه لتذوق
قطرات من الوجد تصبها في أذنيه
اعتصر رحيق قراءاته ليقول ما يوازي تلك الحميمية
التي تنتشي بها صحراء حياته .
عندما رن جرس الهاتف أزعج المكان ولم يجرؤ أن
يرفع السماعة لأن فمه جف وطارت كل
المفردات الجميلة التي حضّرها قبل ساعة .
جلسا في الركن
المظلم ؛ سافرت الآهات محلّقة , اختلط دفء البوح
بنسمات الغروب ؛.طعنا ساعتيهما ..تبادلا البسمات
ثم غادرا وخيط دخان السجائر ذبالة تداعبها
الريح ؛
انتظارا لموعد قادم .
انتفض
القلب فرحا للدقائق التي اختلساها....
بهجة غامرة رفرفت على الوجوه....
تألقت العيون بالتماع نسياه أو كادا....
حط صمت قاتل فجأة....
تلوّنت العيون حزناً على موعد الفراق الذي
أحرق لهفة اللقاء بسرعة قصوى .
دقت باب العمر
ذكرى الخمسين ....
في يوم ما ....
هاتفها مطمئناً على صقيع الوحدة الذي يكفن
أيامها ....
في لحظة ما ....
عرض خدماته وصداقتها ....
ردت بحزم -: أصادق كلبا ولا أصادق ....
في لحظة ما ...
أنّ جرس بابها .. خرجت .. ألفت كلباً صغيرا في
سلة بالباب وبطاقة تهنئة بأمنيات
سعيدة لعام جديد ....
|
|
|