|
ونحن على مسافة من زمن لا يبدو مسالماً ، عاد أبي ذات مساء ملتبس المعنى ، مذهولاً ، ولولا بقية هيبة تُميزه ، لقلنا جنَّ أبي . أفرد من حيرته بضع كلمات تلجلجت في صدره ثم خرجت متعثرة :
ـ سرقوا الكمأة .
لن يمرَّ الكلام على جدّي عابراً فصحح المعنى :
ـ تقصد سطوا على أحوال أرض الكمأة يا ولدي ؟
ـ أجل يا أبي هذا ما عنيت . هي عملية أشبه ما تكون بالقرصنة وفي وضح النهار .
كان أبي زائغ العينين ، مرتبكاً ، خائفاً ، وهو الذي عودنا على أنْ يبدو متماسكاً رغم كثرة العثرات ، فأبي مع هيبته الطاغية يستمدّ من سمرته الباذخة شيئاً من نضارة لعود شباب آفل ، و بأبي تتربص الخمسون التي عليه ستنقضّ بعد أيام . أما نحن فكنّا بفتوتنا نزهو ، وبأفعالنا نفتتن ، فمهما انقبضت هند وعلى نفسها ارتدت ، فلابدّ وأن تنشر الفرحة أحياناً في أرجاء البيت . هند هي الملاك .. والملاك هو هند .
نشمخ .. نفتتن .. وبتؤدة نشقّ طريقاً إلى أهداف واضحة المعالم . نتبع نداء أيامنا القادمات . وإذا ما رسفنا تحت أعباء الدرس وقتاً ، أو أثقلت رؤوسَنا صيحاتُ الوجد ، فأننا نعود ، يؤرجحنا هَمْس أحلامنا وترشقنا عذوبة من هوىً آسر . لا نريد لأيامنا أنْ تذهب هباء ولا نريد لها أنْ تنسلّ من بين أصابعنا كماء الوضوء أو تتلاشى مثل دخان سجائرنا دون أنْ نمسك من جميلها سويعات تظلّ تلاحقنا كذكرة ندية . ولو أمطرتنا السماء برمل الفاقة ودوّت على هامنا قسوة الرعود ، انفجرت في صدورنا همهمات الصبر عيوناً نقية وتقدمت أجسادنا لتدرأ عنا ما سوف يصيب النفوس أو يمزق رتلنا .
حين يتسيد الحيّ قاطع طريق وحين يتحكم برؤوسنا قرصان ، ستذهب أيامنا الهانئة وتتغير أحوال أرض الكمأة يا ولدي . نطق ، بعد صمت ، جدّي العارف بأعقد الأمور ، المتبصر في أحوال الدنيا ، القادر على رؤية الأشياء بعين ثاقبة ، الرائي ، ذو الحسّ المرهف . الحسن بن تميم هذا ، اعتصرته الدنيا وطوّحت به يميناً وشمالاً مشرقاً ومغرباً قبل أنْ يركن لخميلته ، وقبل أن يكتفي بكأسين لنشوة الليل . هذا شيخ تطربه سيرته .. يتغنّى بزمن كان هو ، ويختال كلما سنحت فرصة لمرور تأريخ الحيّ من بوّابة الذاكرة . حاضر في التاريخ ، والتاريخ به حاضر . سيرته سيرة المحارب الذي صدّ الغزاة القادمين من أعالي البحار والهابطين من الجبال أو الطاعنين خاصرة المشرق في أسحار الشتاء ، من أجل تدنيس أرض هي الكبرياء .
يتذكر : مَنْ دافع عن أرض الكمأة كانوا قلة من فرسان شجعان كرماء ، و مَنْ خانوا وغدروا كانوا كثرة من أقوام سفلة . على أعقابهم ارتدّ الغزاة من حيث أتوا ،عادوا خائبين . كان يافعاً حينما أجدبت الأرض ودبّ القحط والجوع .. وقتئذ كان حتى نبات البرِّ على الناس حسرة ، فأبحر مع من أبحر إلى سواحل قصية بحثاً عن لقمة زاد ولم يعد حينما حبلت الأرض بكمأتها ، لكنه على نداء امرأة عبر إليه الأمداء عاد . عاد ليسكنها فردوساً هبط في الحلم . عاد وكثر الخصب فأينع الحيّ وأينعت المرأة .
فكم من النساء في سهوة الليل أينعت أيها المحارب ؟
وكم من أرض أكمأت من رقة الشموس ، فأجهضوها ولم تزل في غمرة النشوة ؟
سنمسي في مَلَصَّة .
سمعتُ جدي متمتماً
من يتحفني بنسمة برد تنعش روحي .. بهمسة تدغدغ اشتياقي أنا الفتى العاشق حتى أعالي الجنون .؟ من يهزّ سكوني يا جدّي الذي حرثتك النساء والمنافي وطوحت بكيانك صيحات امرأة ما لبثت أن صمتت للأبد بعد اللقاء الأول والعناق الأول والحمل الأول .؟
***
لنا بأرض الكمأة منزل ، الضوء فيه يخطب ودَّ الظلال ، والشمس في سمائه دفئاً تضخُّ . لنا جيرة خضراء هي للحبّ عبر مرّ السنين مانحة وللحميمية بادية . فالأجداد حينما دفنوا في أرض الكمأة حجرهم الأول قبل آلاف السنين تعاهدوا على تهجين الأرض بالقادمين عبر غضبة البحار وبالنازلين من قسوة الجبال والمرجومين بحصى الصحراء . لم يفكروا بالاستحواذ على أرض الله . شبّ الحيّ وأصبح داراً لمن لا دار له وملاذاً لمن لا ملاذ له ومحطّاً لرحال المُتْعَبين . لكن الأجداد تؤرقهم رعاية نبتة في حماهم بسقت ، وتتعبهم ملاحقة جدول تفتق من عيون ربما من بين صحوة الحجر نهضت ، ويخيفهم أسر طائر علق في شباكهم . وهم على قلتهم أمسوا حماة الحيّ والذائدين عن حرمته ، فأضحى الحيّ حصناً منيعاً يهابه الطامعون به ويتنكب الطريق إليه مَنْ أضمر له شرّاً .
هو الحيّ .. الأرض .. الكمأة سيدة البهاء .. المختبئة وراء سحر أسطوريٍّ . هي الأرض التي من طينها عجنت الجدّات بين يديها ترفاً لأجيال توالت . هي حدقة الكون المفتوحة على كلّ الاحتمالات والمشرفة على كلّ الآفاق . هي البؤرة الجالبة لرؤى الشرِّ ورؤى الخير على السواء . هي نفسها بكثافة زرعها وثقل ضرعها .. بوفرة مياهها وسطوة رملها .. بلمعان حصاها وشموخ جبالها .. هي نفسها .. بدفء شموسها وروعة بنائها .. بعظمة تاريخها وملائكية لغتها .. هي نفسها .. بكبرياء أنهارها وغرابة ممراتها .. هي الجنة الجنة .. هي التي غفلنا عنها لحظة من زمن رديء فجرى على أحوالها سطو . هي الكمأة الحيّ .
آه يا جدّي الذي تكاثفت ظلمة ليلك ، هل أحزنك زمن الحيّ أم ذكرى جدتي الغزالة ؟.. أنا أعلم يا أيها الشيخ النبيل الكريم بما يعتمل في صدرك من غضب . آه يا جدّي لو ابتعد بنا المكان فبأيّ صوت نعود ؟! وأيّ الأصوات هي التي تعبر إلينا إلى آخر الدنى كصوت الغزالة ؟
***
خولة ، ونحن في الأصيل ندخل ، تأتي . مع عبور هذياني نحو ضفة المدى الأخرى .. مع انفتاح لوعتي بباب المشتهى ، تأتي .. يتنفسها الطريق المنتظر ، المتربص بخطوها .. وإلى آخر دهشة طلّ تساقطت من عنفوان فستانها الشفيف يحتويها . الطريق الداعر يعلن تمرده على ألفة المسافة ويخطفها . الطريق المجنون الذي استنفد آخر ذرّة من صبر يبتلعها .
الطريق هذا كيف أوعز للعابرين بالرحيل ؟
ربما استهوتهم حمرة الأصيل .
تأتي .. أتنشقُ من على مبعدة عطرها المُحيِّر . أيفترسها الطريق ؟
و خولة تقاوم جيشاً .. تطارد طيشاً .. و خولة إليّ تشق المسافة مثل سهم ناريّ تطلقه الريح .
صبِّي يا ابنة الكرام في أنفاسي جحيمك . اسكبي على رأسي هذا الحريق الذي حصد أكتاف الطريق ولا تتدرعي بحكمة الآباء .
تدخل .. خولة تدخل والبيت يستأنف دورة الوقت في حضرة المساء : جدّي في عزلة وقورة تستشرف القادم من الأيام .. أمي تحرث الذاكرة على أصوات طحن كحلها . هند تحمي أوتارها التي ابتردت . أبي يستدرج الحمام إلى أبراجه المنصوبة في أعلى الدار .
اصهلي يا سيدة الريح فصحوة بيتنا لا يجفلها سوى الصهيل .
اصهلي واقلعي عن هذا الحياء الموروث الذي يصادر نار الأنثى فيك :
ـ اشتقتُ إليكِ .
في مدخل البيت ألثمها .. أشمُّ بلوعة ما عبق في نحرها من طيب . تسقط بين يدي . أُنهضها :
ـ اعتدلي .
هند من غرفتها ترسل التحية ثم تطلُّ مثل غصن نضر .. تبتسم .. تتقدم وبين ذراعيها تحتوي خولة . غابتا في المكان وأخذهما الوقت .
هند لا تشعر باحتراقي .. لا تترك لي فرصة الاختلاء بخولة . هند هذه لا تعرف من الحياة سوى سلمها الموسيقي و لا تملك سوى صوت يأسر العقول . هند في غيمة تسكن وعلى الأرض لا تحطُّ .. أحياناً أظنها الهواء ، فمَنْ يستمع لعزفها يأسره هبوب ريح وتلفه وحشة مطر . بنت السماء ، يكنيها أبي ويطلق تنهيدة لا تقف إلاّ على :
في الحلم كانت تجوب زرقة بأجنحة بيضاء . أدعوها للنزول وترفض ، كأنها تراقص السماء .. وهي لما تزل في عزلتها تراقص السماء .. في خلوتها تجهش لأجل حبيب سيأتي
من أي نافذة يأتي ؟
لا تدري !
من يكون ؟
لا تدري !
لكنها تنتظر برقاً ، نجماً ، عاصفةً ، نغماً .. ربما
يستعيد أبي من نسمة المساء هدوءاً يُسكنه في بحيرة ندىً .. يجلس على طريق النشوة ، والنشوة منه تتقدم . هذا البنّاء يكتنف كأسه / الموجة .. يداعب كأسه الرشيقة .. يحلّق معها . أجل ، شاهين ينوي التحليق فلا تقصوا له جناحاً أو تغلقوا بوجهه السماء .. سيغنّي قبل الطيران . وشاهين ينساب مع كأسه مثل موجة خجولة ، ينوي الإبحار .. دعوه يبحر .. افتحوا أمامه البحر وسرّحوا المراسي .. ارفعوا جميع الأشرعة واطلقوا الأبواق ..هذا البنّاء ملّ من تشييد القصور ومن مداعبة الحجر .. هذا البنّاء ملّ أعمدة الرخام والسقوف الواطئة . هذا البنّاء يريد الهواء .
وأبي مثل هند أو هي مثله في الرغبات وفي الأماني . نحن بشر لا نسكن سوى الهواء .. نحن بشر من ريح . وشاهين يتألق .. في عينيه فرح ينمو وفي رأسه نشوة تسافر . آه أيها البنّاء كيف لا تقرأ ما في ثنايا البيت من صمت وما فيها من حيرة ؟
أخذتك الصحوة المترنحة .. السكرة السعيدة ، فلم تسأل عن سبب بهجة البيت . لم تعلم شيئاً عن هبوط الملاك بخيط الندى .. ستروى أرض الكمأة .. ستروى يا أبي .
بَرَقَ الممر . نور أطلّ من كوكب وحشيّ . ألم أقل لك يا أبي هبط الملاك ؟ . خولة تطلق التحية وتنسحب بحيائها الملائكي وتحت خطوها يتنهد المرمر حسرة .
تثمَّل شاهين ما في الكأس ومضى نحو غرفة أبيه .
أعلنت أمي برخاوة : مازال الحزن مسيطراً على نفس الحسن بن تميم بعد ما جرى لأرض الكمأة من سطو .
بعمق ظلّ البيت يتنفس رائحتها .. ظلّ ضاحكاً ، لكنني بقيت مؤرَقاً .
***
على خولة أنْ تحدثني طويلاً عن دارها الأولى .. عن أرضها الأولى ، وعن سمائها التي قطنت . عليها أنْ تخبرني عن جهشتها الأولى وعن ضحكتها الأولى .. أنْ تكتب بقلم الكحل رحلتها الطويلة ، وعلى جذع شجرة مزهرة تخطّ بغصن الآس عذوبة الليلة الأخيرة .
على خولة أنْ ترسل كلاماً منقوعاً بزيت مخمل الورد .. أنْ تفصح عن أسرار جمالها ، وعن منبع عذوبتها ، وعن مورد رقتها . عليها أن تتقطر بكفّي كماء النار أو تدخل إلى روحي عبر الهواء وإلى شراييني عبر دمي . عليها أن تهذي هذيان اليائس وأن لا تكفّ عن الهذيان .
علينا أن نختلي .. ولكي تهبّ كلّ هذه الرياح .. ولكي يهطل كلّ هذا المطر ، علينا أن نجد خلوة . لكن أين ؟ أين يا خولة ننزف الكلام ؟ .
|