من رواية " الخلاسيون "

الأديب صبري هاشم


     توغلي في النشيجِ يا ربةَ الشبق ِ، فأنتِ الفتنةُ حاضرةٌ على امتدادِ مائدة الليل ، عابثةٌ بأبهةِ الرغبة ِ. اجهشي من فرحٍ حين يُخمدُ لوعةَ طفل الأرضِ أنينُ الذروةِ . أنتِ سجدةُ العناقِ المهيب ، فردوسُ الصبا الممتلئ لبناً مملحاً . تهتكي على رمقِ الظلامِ أفعىً رهيفةً مكتنزةً بشديد سمِّها . هرهرتِ دهراً لثورةِ الجسدِ حتى مزقتِ أسْجاف الذلِّ التي حالت دون التحامِ حلمين .

تصرخين :

انهض يا جابر لقد غادرَنا البحرُ ولم تبقَ غير سفينةِ الوجدِ غارقة . أُهَمْهِمُ :

دعينا على شفا الهَجْعةِ الأخيرة . دعيني أختلس من غفلةِ السَّحر لحظةً ، من الكأسِ رشفةً ومن سهام الخِلاسية قبلة ً. سهام يا سهام يا رحيق الغابةِ السوداء وعنبر الهور ، يا امتداد الصهيلِ ونزق الطفولة ، يا منبثق الشهدِ وعطر الكلام . أمن شاهقٍ حُذِفتِ إلى كرمتي أم أنبتتك الأساطيرُ في جَوْسق الماء ؟

سهام يا سهام يا مسكَ الأميراتِ وسيدة حمام البرِّ ، أهو النخلُ أهداكِ بعد سكرةٍ أم فارقكِ السِّربُ و تشظّى بك المكان ؟

 

    غيبوبةُ جابر هذيانٌ ساحرٌ ، حلمهُ لذّةٌ مطلقةٌ ، سؤالهُ دفقُ ينابيع آسر وأجنحةٌ واثقة . لكن الصبحَ قادمٌ ونطق الشفاهِ همسُ قطراتٍ من ندىً خجول :

انهض يا جابر لقد فضحنا الصبحُ وحاصرنا الوقتُ . انهض يا حدقةَ العين قبل أنْ تمحقنا الطوائفُ ، يشبّ علينا الشعاع ، تنهشنا العيونُ وتعصف بنا العواصف .

   أفاقا على بعضيهما 

   مالا على جرحيهما 

    هي قطعةٌ من رئةِ الأرضِ التي أتلفها الحنين ُ ، هي البجعةُ التي أنشأها الربُّ من كأسِ نبيذٍ وصيّرها جسداً مسكراً ، صلّى عليها وأطلقها نحو دهاليز الهباءِ المظلمة . حامت قرناً من الزمانِ قبل أنْ تختزل شساعة المسافةِ ، قرناً داعبها قهرُ الرياحِ وقرناً لفحها غيظُ الشموس حتى استرشدت بخيطِ الدهشةِ الموصل إلى جزر النماءِ . وقتذاك انتصبت فارعةَ الطول ، ممشوقةَ القوام ، نافرةَ النهدين ، مزمومةَ الشفتين ، بَحْرِيّة العينين ، همجيةَ الردفين ، غجريةَ الشَعْرِ، بركانيةَ الأنف ِ، ثمرةً وحشية ً، فاتكةً ، تمخضت عن سهام الخلاسية ، القاتلة بحبها ، فتاة المراكب المبحرة نحو المجهول ، الخارجة من سلالة القصب والفيء واللوثة ،فرس الجحيم المغيرة على بلاد الهديل والعويل ، الغازية بعدة الأباطرة والملوك والآلهة ، المزوّدة بالنّدِّ والعود والدروع والعقيق والمرجان ، الهائمة بالشوق ، الطافحة بالشهوةِ . سهام اللُجّة التي لا تمارى ، الصهوة التي لا تُمتطى ، الباب التي لا تُطرق  .سهام الجسد المُحَيِّر للقلوب والبريق الذي يسلب الألباب ، الغيمة الثقيلة ، العصيّة ، الظبية الجبلية ، شوكة البرِّ النافحة عطراً التي لم يهتدِ إليها البشرُ ، الطيب والندى والزهر والرؤى العجيبة ، الحبيبة ، النبتة التي إذا ما أثمرت أنقذت أمةً من قحط وجوع ، الفاتنة ، الساحرة ، العفيفة حد الفجور ، الفاجرة حد الطهر ، العاقلة حد الجنون ، المجنونة حد رجحان العقل  ، تلك سهام الخلاسية الواقعة بحب جابر المسحور . أقامت ليلةً في كنفهِ ومارست أبشع المقدسات .