|
د.صالح هويدي
فقد الوسط الثقافي العراقي الروائي والقاص مهدي عيس الصقر،
الذي توفي يوم الثلاثاء 14مارس/ آذار الجاري وسط تجاهل
الدولة وإهمالها له، وعجز المؤسسات الثقافية عن اتخاذ موقف
جاد أو مبادرة إزاء ما تعرض له من صدمة مفاجئة، إثر رؤيته
صورا من على شاشة التلفاز لمشاهد قتل بالجملة للعراقيين
الأبرياء.
لم يتحمل قلب المبدع الخمسيني الذي أبدع تسجيل الخلجات
النفسية المرهفة لشخصياته القصصية، ولم يخطر بباله أن تتحول
دار السلام وأرض العلم والحضارة المترفة إلى ساحة للفعل
الوحشي، ولمنطق البرابرة الجدد، فأصابته الصدمة في دماغه؛
مصدر الإلهام والتخيل الإبداعي، ليدخل في حالة حدّت من حركته
وأفقدته القدرة على النطق، ليستمر ملقى شهورا، من دون أن
تلتفت الدولة المنشغلة بهندسة التوافق، إليه؛ فتفكر في تخصيص
جزء من الأموال الطائلة التي تهدر هنا وتغيب هناك، في علاج
الروائي على نفقتها الخاصة، أو تسهيل مهمة سفره على حسابها،
وهو المبدع الذي ظل منذ خمسينات القرن المنصرم يقدم أعمالا
قصصية وروائية، قاربت العشرين عملا إبداعيا، وشكلت علامة
مميزة في مسيرة الفن القصصي.
حدث ذلك كله، في ظل تعفف أسرته، وإصرارها- شأن الروائي نفسه-
على عدم إعلام أية جهة رسمية بما آلت إليه حال الرجل. ما
اضطرني إلى إرسال رسائل إلى اتحاد الأدباء والكتاب بوساطة
بعض الأصدقاء، طالبا منهم التدخل واتخاذ الموقف الذي يتناسب
ومكانة الرجل. لكن الموقف جاء، من أسف، دون ما نتمنى، وكأن
مؤسسات الدولة الجديدة تكرر بذلك إعادة سجل اقتراف الكبائر
التي ارتكبتها من قبلُ، حكومات أخر بحق السياب والحبوبي
والجواهري والبياتي ومصطفى جمال الدين وغيرهم من رموز
الثقافة العراقية.
استشراف المصير:
وليس غريبا أن يستحضر الفقيد، عبر استشراف إبداعي للمصير،
قبيل سقوطه المفاجىء، في روايته الأخيرة “المقامة البصرية
العصرية- حكاية مدينة” شخصية السياب، للتعبير عن حالة العقوق
تلك، إلى جانب إشارات أخر، تتجاوز السياب إلى المبدع العراقي
عامة.
يصور الروائي في روايته الأخيرة مشهد حوار متخيل بين الراوي
وتمثال السياب، يدور حول قرب اعتزام البصرة الاحتفال
برجالاتها، على النحو الآتي:
ويحتفلون أيضا برموزها العظام، وأنت واحد منهم.
قال لا تدعني أضحك فيتشقق وجهي!
قلت له أتذكر أنك غدوت رمزا من أشهر رموز البصرة، بل العراق
والعالم العربي أيضا.
نعم .. رمزا لم تتردد مصلحة الموانىء عن طرد عائلته من
البيت، في اليوم نفسه الذي جيء فيه بجثمانه البارد من
الكويت.
أنت لست أول رجل عظيم عومل بإهمال وقسوة في حياته! فالرموز
كما تعرف- لا يقدرهم أحد، في العادة حتى يرحلوا.
ما كنت أمتلك جوابا. بقيت صامتا”.
بمثل هذا الألم وتلك الحسرة الدالة، المستشعرة فداحة الإهمال
وقسوة العقوق، عبر الصقر عما يمكن أن يقع مجددا للمبدع في
فضاء المبدعين.
وكعادة المبدعين المتميزين في العراق، ممن لم ينالوا حظا من
العناية والحضور الإعلامي العربي، بسبب من جناية السياسي
وهيمنة الحزبي والأيديولوجي على الحياة الثقافية وتخريبهما
لها، لم يحظ الصقر- على حد علمي- إلا بدراستين، ظهرتا في
كتاب مستقل، الأولى: أطروحة الدكتور سلمان كاصد عنه بعنوان
“الموضوع والسرد” والثانية: دراسة في سيكولوجيا الإبداع،
للطبيب النفسي الدكتور حسين سرمك “مخيّرون بالشعور .. مسيرون
باللاشعور”، إلى جانب عدد من الدراسات والمقالات التي لا
توازي القيمة الحقيقية لقامة الروائي الفقيد، كان آخرها
دراسة كاتب هذه السطور “حضور التراث في المتخيل السردي-
المسكوت عنه في المقامة البصرية العصرية”، المنشورة في العدد
الثاني من مجلة (جدل) العراقية الجديدة، قبل أيام معدودة من
رحيله.
نتاجه واتجاهه القصصي:
أصدر الصقر ونشر ست مجموعات قصصية هي:
مجرمون طيبون: قصص ،1954 غضب المدينة: قصص ،1960 حيرة سيدة
عجوز: قصص ،1986 أجراس: قصص ،1991 شواطىء الشوق: قصص ،2001
وجع الكتابة: مذكرات ويوميات ،2001 أما الروايات التي صدرت
له، فهي:
الشاهد والزنجي: رواية ،1988 أشواق طائر الليل: رواية ،1995
صراخ النوارس: رواية ،1997 الشاطىء الثاني: رواية ،1998 رياح
شرقية، رياح غربية: رواية ،1998 امرأة الغائب: رواية ،2004
المقامة البصرية العصرية- حكاية مدينة- 2005.
وللصقر رواية لا تزال مخطوطة بعنوان (بيت على نهر دجلة) وعدد
من القصص القصيرة. ويستذكر أعضاء نادي القصة باتحاد كتاب
وأدباء الإمارات في الشارقة القصة التي قرأت قبل ما يقرب من
سنتين، ضمن نشاطه الأسبوعي، وأثارت نقاشا حيويا خصبا
ومداخلات أجمعت على جوها الإبداعي الخاص.
وإذا كان صحيحا أن القاص والروائي مهدي عيسى الصقر آثر أن
يتخذ من الرؤية الواقعية منطلقا محوريا في جميع ما سطر من
منجز إبداعي،فإن من الصحيح أيضا القول إن هذا المبدع الكبير
ما انفك يعمق نهجه الواقعي، بملامح من التجديد وأساليب من
التجريب أكسبت أدبه خصوصية وحداثة. ففي روايته قبل الأخيرة
(امرأة الغائب) الصادرة عن دار المدى، يلجأ الروائي بعد أن
تنغلق البنية الروائية على نهايتها، إلى اقتراح نهايتين
أخريين، تاركا للقارىء اختيار النهاية التي يراها مناسبة
للبنية الروائية.
وفي روايته الأخيرة (المقامة البصرية) تهيمن الرؤية
التخييلية على الرواية، من واقع كتابة الروائي روايته في حب
مدينته البصرة، ليستعرض مجدها، وليعلن عن ندمه غير المباشر
على اضطرار هجرها (إلى بغداد)، مستحضرا فيها رموز البصرة
جميعا؛ القدماء والمحدثين، الأحياء والأموات، من شعراء
وعلماء وأدباء وقادة وولاة وفقهاء. ومنهم صاحب المقامات
الشهير أبو محمد القاسم بن علي الحريري البصري الذي يلتقيه
الراوي في الرواية مصادفة، ويتفقان على أن يكتب الثاني رواية
عصرية عن البصرة، ويستكمل الأول مقاماته الخمسين بمقامة
جديدة، تنشر جنبا إلى جنب مع الرواية، لتخرج رواية الصقر إلى
القارىء مذيلة في خاتمتها بمقامة متخيلة للحريري، يكتبها في
حب البصرة بعد أن فارق زمنه القديم وعاش أحداث العصر وسمع من
الراوي ما طرأ على مدينته من متغيرات وأحداث وقصص وأحوال، لم
تخطر له على بال.
مات المبدع الذي ما انفك يسرد ما يزيد على ربع قرن بصدق
وذكاء، وسط حالة من الإهمال واللا مبالاة من الساسة الذين
سيظل ديدنها تهميش الإبداع الذي يتوسل بأساليب الكشف والنقد
والتعرية والرفض غير المهادن، وإن بطرق غير مباشرة. مات
الصقر بعد ليلة حزينة واحدة وصلتني فيها رسالة بالبريد
الإلكتروني من الناقد الدكتور نجم عبد الله، تقول لي إنه زار
وزوجه القاصة ميسلون هادي أمس بيت الصقر وتحدثا مع زوجه، من
دون أن يستطيعا للأسف محادثته، لعدم قدرته على الكلام. مات
بعد أن أعلمني ابنه قبل ذلك بشهر أنه بدأ يقاوم رغبة في
الكلام أو الاستسلام لرغبتهم في المشي والترويح، معلنا بذلك
رغبة في الاستسلام لحالة من اليأس تجاه الواقع المحبط الشاذ.
لن أقول شيئا لوزارة الثقافة، لكني أتوجه إلى اتحاد الأدباء
ورئيسه الناقد الصديق وبعض من تحدثوا طويلا عن كرامة المبدع
وأمنه ومكانته الرمزية، فأقول: أين أنتم مما حاق بالصقر من
مصير مؤلم؟ وهل ستكون الندوات التي ستسارعون إلى إقامتها
كفيلة بالاعتذار عن مسؤوليتنا ومسؤوليتكم حيال ما يجري؟
|