إشكالية مصطلح الجيل في المشهد الثقافي العربي


د.صالح هويدي *

يشكل مصطلح الجيل في المشهد الثقافي العربي، إشكالية حقيقية، فهو إلى جانب ما يثيره من لغط وفوضى بين المعنيين بالشأن الثقافي والأدبي عامة، يعكس حالة من دوران الخطاب النقدي في حلقة مفرغة وعجز عن تأسيس رؤية منهجية تسهم في تشكيل أرضية واعدة بمنجز نقدي يمتلك رؤية واضحة ومستوى دلالياً منضبطاً، على مستوى المفهوم والمصطلح.  لقد درج الخطاب النقدي العربي كما هو معروف على اللجوء إلى استخدام مصطلحات جاهزة في تصنيف المسيرة الشعرية إلى أجيال عقدية، وهو مسعى لا يعدو كونه إيثارا لحالة الدعة وركونا إلى ممارسة لون من التصنيف النقدي لا ينطلق من واقع البنية الفنية للنصوص بقدر ماينطلق من افتراضات نقدية واهمة، تفترض حدوث تحولات قسرية في مسيرة هذا الفن كل عشر سنوات، مفضية إلى أجيال متناسلة في كل عقد زمني.

إن اللجوء إلى ما تفشى في الخطاب النقدي من تصنيف لمسيرة القصة إلى مراحل تعتمد على معيار العقد الزمني،للقول بوجود جيل ستيني وآخر سبعيني وثالث ثمانيني ورابع تسعيني، من شأنه أن يجعل هذا اللون من التصنيفات يفتقر إلى الدقة، إذ تعوزه المسوغات الموضوعية والفنية على حد سواء، فضلا عن تكريسه حالة من العزلة بين المبدعين، لتسوير منجزهم الإبداعي العام بأسيجة وهمية تفقس كل عشر سنوات جيلاً شعرياً مختلفاً نوعياً، وتقود إلى إحساس كل جيل من ثم باعتداده بنفسه واستقلاله عن سواه من الأجيال(العقدية) وتميزه عنها، بل تجاوزه لها. وليست بعيدة صيحات السبعينيين، من شعراء وقصاصين، في عالمنا العربي، بأنهم تجاوزوا الجيل الستيني في طروحاتهم وإبداعاتهم، ولا اعتداد الثمانينيين بأنهم جيل لا يدين بأبوّته لأحد، ولا يرى صلة له أو شبها بمن سبقه، في وقت ذهب فيه التسعينيون(جريا وراء المصطلح السائد) إلى القول بحداثوية جيلهم وبمغايرته للأجيال السابقة عليه، وبتكلس تجارب تلك الأجيال وتخلف منظوراتها، وإلى ما سوى تلك الملامح التي ستعاود الظهور في المشهد الثقافي كثيرا، في محاولة لتسويغ المغايرة المزعومة ليس إلا.

لقد أدى هذا الأمر بالخطاب النقدي العربي إلى حالة من الاستسهال حالت دون امتلاك هذا الخطاب آلية للكشف ومنظورا للاستبصار، فلم يكن مصطلح (الجيل) العقدي هذا مصطلحا زمنيا كما فهمه أجدادنا الذين قسموا القرن إلى ثلاثة أجيال هي جيل الجد وجيل الأب وجيل الابن (الحفيد) ليربو الجيل على الثلاثين سنة، ولا كان مصطلحا نقديا(إبداعيا) ممتلكا مسوغات دلالته الموضوعية وحيثيات تجلياته المنهجية.

وإذا كنا في مجال النقد لا نستطيع التعويل على المدلول الزمني في مقاربة الظواهر الإبداعية واستجلاء ملامحها وتحديد اتجاهاتها، فإننا أحوج ما نكون اليوم إلى الدلالة الإبداعية في اشتقاق هذا المصطلح وإطلاقه على ظواهرنا الإبداعية.

والحق فإن الكشف المنهجي عن ملامح التجارب الشعرية ينبغي له أن ينطلق من واقع المعطيات

الفنية لإنجاز هذا الجيل أو ذاك، بعيداً عن الافتراضات القبلية لتمايز الأجيال كل عشر سنوات.

لقد تعدت لعبة الجيل حدود إطلاق هذا المصطلح إطلاقا مجانيا، وتجاوزت في حضورها مستوى الظاهرة، لتغدو عدوى سريعة الانتشار والتأثير في حياتنا الثقافية التي يعوزها كثير من قيم الجدية والتأمل والاحتراس. فعلى سبيل المثال نجد اليوم أكثر من محاولة نقدية من المحاولات التي تصدت لدراسة القصة القصيرة الإماراتية وهي تجهد لتصنيف هذه المسيرة القصصية إلى أجيال تفاوتت ما بين الباحثين، تبعا لاختلاف زوايا نظرهم، ما بين ثلاثة وأربعة أجيال. وهي محاولات، على تقديرنا لمسعاها ومشروعية اجتهادها، لا تخلو من اصطناع وتمحل لا تحتمله مسيرة القصة الإماراتية التي لم يتجاوز عمرها الزمني العقود الثلاثة بكثير، فضلا عن كونها لما تزل تشهد حالة من التداخل بين كتابها.

ولا شك في أن هذا الطرح المنهجي لا علاقة له بأية نظرة فوقية، يمكن أن تتوهمها النظرة المتعجلة. فنحن في عمق تشكل عطاء هذه المسيرة إحاطة ومتابعة وإدراكا لإمكاناتها، ونعلم أن نماذج منها قد غدت جزءا من النموذج القصصي العربي الحداثي، وأن عددا من كتاب هذا الفن يمتلكون قامات تدعو إلى التقدير والإعجاب، وأن في واقع هذه المسيرة أساليب فنية مختلفة واتجاهات قصصية متنوعة. لكن الأمر في النهاية لا يعدو كونه تحفظا على مسعى الباحثين في البحث عن أجيال قصصية في مسيرة لم تحقق شرط زخمها وتراكمها الذي يسوغ ولادة مثل هذه الأجيال.  

لقد ظهرت في الأدب الغربي مصطلحات نقدية للدلالة على إبداع الأجيال الأدبية المتلاحقة، فكان هناك(جيل الغضب) في الأدب الأمريكي، و(الجيل الضائع) الذي ظهر بين الحربين العالميتين، وسواهما من الاتجاهات والتصنيفات الأدبية والشعرية التي تؤشر تحولات في بنية الخطاب الأدبي، شعرا وسردا. فلم لا نبحث عن مصطلحات دالة على ظواهرنا الإبداعية وأجيالنا الأدبية؛ تنطلق من واقع مكوناتها الإبداعية وتجلياتها الموضوعية؛ في (الريادة) مثلا أو (النضج) أو (المغايرة ) أو (التحول) أو (التجريب) أو (الارتداد) أو (العبث)، لنتخذ من سيمياء هذه الظواهر منطلقا لاشتقاق المصطلح النقدي الدال على الجيل الأدبي المراد التوفر على دراسته؟

إن أمر اشتقاق المصطلح النقدي الدال على الحال الإبداعية أو على إنتاج جيل أدبي ما ليس أمرا سهلا بالقطع، فهو محاولة نقدية تقتضي إحاطة كافية بالظاهرة الإبداعية، ودرجة من رهافة الحس بها، وقدرة على استجلاء خصائص بنيتها الداخلية ومكوناتها الموضوعية، ما يقتضي أن يتوافر للخطاب النقدي قدر من الفاعلية ومستوى من الديناميكية المفارقة لروح الكسل والاستسلام.

لقد نجح ادوار الخراط يوما في إشاعة مصطلح ما عرف ب (الحساسية الجديدة) في حياتنا الثقافية، للدلالة على الجهد الإبداعي المفارق لجيل الستينيات.

وسرعان ما شاع هذا المصطلح في دراساتنا النقدية وتناقلته الألسن والأقلام حتى غدا من المصطلحات النقدية المألوفة في معجمنا النقدي، فكان بذلك استجابة لدواع موضوعية واضحة، وتلبية لحاجة فعلية في حياتنا الثقافية.

وإذا كان ليس ثمة مصطلح يخلو من أوجه ضعف، أو يحوز الرضا الكامل والوفاء التام، فإن ضعف هذا المصطلح الجديد إنما يكمن  في ظني في عموميته وافتقاره إلى التخصيص. فإذا كانت (الحساسية الجديدة) قد جاءت تعبيرا صادقا عن المنجز الإبداعي لجيل مفارق، امتلك حساسية مغايرة وعبر عنها بتجليات جديدة، فما المصطلح الذي يمكن اجتراحه للدلالة على جهد الجيل الإبداعي الذي يرهص بملامح حساسية أخرى مختلفة عما سبقها ؟ هل يمكن أن تكون (الحساسية الجديدة) على إطلاقها حكرا على جيل محدد أو تعبيرا عن منجز إبداعي ما من دون سواه؟

إن لشيوع مصطلح (الحساسية الجديدة) وانتشاره في حياتنا الثقافية أكثر من دلالة.

فهو فضلا عن توكيده الحاجة الحقيقية للتبصر بالمنجز الإبداعي، يؤكد الحاجة الماسة لتضافر الجهود الإبداعية(الجمعية)، لاجتراح توصيفات نقدية لها، ففي ذلك إنقاذ لخطابنا النقدي من الوقوع في براثن البلبلة ومظاهر القصور والتخبط.

بهذا وحده، لا تغدو ولادة الأجيال الأدبية مرهونة بالعقود الزمنية، بقدر ما تكون محكومة بشرعية إضافتها الإبداعية بدءا؛ وضمور عطائها انتهاء، وهو ما قد يمتد إلى عشرين أو أربعين سنة أو ينطفئ في سنوات معدودة، ما دامت العبرة تكمن هنا في حقيقة الإبداع، لا في تلمس الأبعاد الزمنية للمصطلح، وحينذاك فقط سنشهد ولادات طبيعية للأجيال الأدبية، من دون أن نشغل أنفسنا بهموم ولادات (قيصرية) تحمل جرثومة ضعفها وعجزها عن مواجهة الحياة طويلا.

لقد اقترن جيل السياب مثلا بما حققه من إنجاز نوعي، انتقل بالقصيدة من شكلها القائم على نظام الشطرين إلى نظام التفعيلة، فضلا عن اختلاف لغة القصيدة وزاوية التناول وطبيعة التوظيف الفني للصور والرموز والأساطير والموروث، وسوى ذلك من المتغيرات التي جعلت من هؤلاء الشعراء جيلا متمايزا ممن سبقهم من شعراء المراحل السابقة.

واستنادا إلى ما سبق فإن شعراء الستينيات- لا الستينات- في العراق على سبيل المثال، نجحوا في تقديري في إنجاز ملامح مشروع شعري متمايز من مشروع جيل السياب، بغض النظر عن دقة التسمية العقدية التي كان ينبغي لها أن تنطلق من واقع الخصائص الفنية المتحققة فعليا.

لكن تمايز شعراء الستينيات لا ينبغي له أن يدفعنا إلى استمراء لعبة التقسيم العقدي لتكريس أوهام الأجيال العقدية، ما لم يستطع الخطاب النقدي تحديد مفاصل التحولات الفنية في مسيرة الشعر العربي المعاصر، سواء على المستوى المحلي أو مستوى القصيدة العربية.

من هنا فإن مشروعية تسمية السبعينيين أو الثمانينيين أو من تلاهم من الشعراء والمبدعين تظل مرهونة بمدى قدرتهم على تقديم منجز إبداعي يتوافر على قسمات وملامح وقيم، تجعل منه مشروعا مفارقا لسواه أو متميزا منه. ومن دون ذلك فإنه لا يحق لنا الجري وراء لعبة الأجيال الموهومة، التي لا تعدو كونها تعبيرا عن حالة الاستسهال والكسل النقدي، في حياتنا الثقافية.

* ناقد وأكاديمي من العراق