الخطاب الثقافي العربي

من دائرة الاستهلاك إلى أفق الإنتاج

 

د.صالح هويدي

 تسعى هذه المقاربة إلى التوفر على موضوع علاقة الخطاب الثقافي العربي المعاصر، والخطاب النقدي منه على نحو خاص، بالخطاب الثقافي الغربي، بغية تفكيك آليتها، وصولاً إلى إنضاج وعي حقيقي بها؛ يسهم في اقتراح إستراتيجية ثقافية قادرة على الخروج بنا من الإشكالية المستديمة التي يعيشها هذا الخطاب.

يمكن القول إن الخطاب الثقافي العربي لا يزال يطرح على نفسه الأسئلة ذاتها التي طرحها مفكرو عصر النهضة العرب ومثقفوه منذ زمن غير قليل, في محاولة للوصول إلى إجابات من شأنها أن تنهي واقع الإشكالية التي يعيشها الفكر العربي المعاصر.

ولعل مظاهر التطور الحضاري التي تجلت في حياتنا العربية وواقعنا الفكري والثقافي منذ مرحلة النهضة حتى يومنا هذا, لا تعبر تعبيراً دقيقاً عن امتلاكنا آلية إنتاج عناصر التقدم والفاعلية التاريخية, بقدر ما تؤكد يوماً بعد آخر استراتيجية الاستهلاك والعيش على تخوم مرجعية الآخر والدوران في فلكها فكراً وثقافة وسلوكاً. فإذا ضربنا صفحاً عن منتجات التقدم العلمي والتكنولوجي العصرية التي لم يكن لنا فيها يد، فإن الحقيقة التي تبدو لنا عارية ممضة هي تلك التي تقول: إننا معشر المشتغلين بالعلوم الإنسانية والمتخصصين فيها، لا نكاد نلحظ بين أيدينا من مناهج نشتغل عليها ومقولات نفكر فيها ومفاهيم نركن إليها، في حقول العلوم الإنسانية، غير تلك التي أنجزها الغرب وكانت محصلة لمعاناته وجهده المتراكم الحثيث. لا فرق في ذلك بين حقول السوسيولوجيا والسايكولوجيا والفلسفة والتاريخ والجغرافيا...الخ.

ولعل الأمر يبدو أكثر جلاء في حقل (الأدب والفن)، إذ تبدو مظاهر إبداعنا اليوم وكأنها امتداد لإبداع الآخر ومتابعة تياراته واتجاهاته، أو تبنِّ لمناهجه تبنياً لا يتعدى في الأعم الأغلب حدود الانتقاء. فهو نادراً ما يكشف عن مظاهر من الخروج أو الإضافة أو التطوير.

لكن الكشف عن طبيعة علاقتنا بالآخر ( الغرب) لا ينبغي أن يفهم منه أننا ندعو إلى رفض هذا الآخر أو ندعو إلى العزلة عنه. فذلك مما لا يمكن أن يخطر لنا على بال، إلا إذا اعتقدنا خطأ بادعاءات (كليانية) تحتكر القول بالاكتمال – لا بالتكامل – وبالاكتفاء بالذات, وهو موقف أيديولوجي أكثر منه موقفاً علمياً من الفكر والتاريخ. فلا يمكن لأمة أن تعيش بمعزل عن سواها من الأمم والشعوب، مثلما لا يمكن لثقافة أن تستغني عن ثقافة الآخر. فلم يسجل لنا التاريخ أن حضارة ما نجت من واقع علاقة التأثير والتأثر هذه، كما يقول محمد عابد الجابري، حتى ليبدو صحيحاً القول: إن الرقي الحضاري والتقدم الإنساني يفتقران إلى أحد أهم شروطهما، إن هما تنكبا لهذه الحقيقة.

ولعلنا لا نبعد عن الصواب إذا قلنا: إن الثقافة العربية لم تكن في أعلى مراحل نضجها وازدهارها سوى محصلة لذلك التفاعل الخلاق بين تراث الأمة من جهة وتراث الآخر من فرس وهنود وإغريق ورومان، بل وما ترسب في ذاكرة هذه الأمة من عناصر سومرية وبابلية وآرامية وسريانيـة، كما يذهب أدونيس، من جهة أخرى.

 لكن ثمة فرقاً بين قانون التأثير والتأثر الذي يحكم مسيرة التطور الحضاري للأمم, وتبني إستراتيجية الوقوف عند منجز الآخر في شكله الجاهز، واستيراده والدوران في فلكه دونما امتلاك وعي حقيقي بخلفيته (الإبستمولوجية) وشروطه التاريخية وأصوله الفلسفية. ولا ريب في إن علاقة هذه سماتها لا يمكن أن تكون إلا علاقة غير متكافئة، سلبية ومنكفئة لصالح الآخر.

   لقد تمخضت عن واقع هذه العلاقة المحكومة إلى حد بعيد بالآخر، جملة من المظاهر التي ما فتئت تظلل بنية الخطاب الثقافي العربي المعاصر عامة، والخطاب النقدي العربي منه لى نحو خاص، منها:

1.       فقدان الخطاب الثقافي العربي ثقته بنفسه وباستقلاله, واعتماده اعتماداً كبيراً على تجربة الآخر.

2.       اعتماد هذا الخطاب آلية متابعة التبدلات المتحققة في تجربة الآخر ومحاكاته محاكاة ساذجة.

3.   تكريس هذا الخطاب ضرباً من ضروب التثاقف المنقوص, المفضي إلى فقدان الخصوصية وضياع الصوت والملامح.

4.       فقدان هذا الخطاب فاعليته التاريخية وإنتاجه نشاطاً إبستمولوجيا محاكيا لخطاب الآخر ومتغيرات بوصلته.

5.       إنتاج هذا الخطاب منظومة من القيم والمشاعر تتمحور حول إحساس متلقي هذا الخطاب بالتقزم والدونية.

6.       بسبب من محاكاة هذا الخطاب خطاب الآخر ومتابعة تبدلاته فإنه كثيراً ما يبدو سابقاً على هذا الواقع متقدما عليه.

7.   فشل هذا الخطاب في خلق ظروف استنبات ملائمة للمعطيات المنهجية في المشهد الثقافي العربي، ضماناً لتحقيق فاعليته وامتلاك شرعية الاستمرار والتطور.

8.       افتقار هذا الخطاب إلى القدرة على الحوار الجدلي الخصب مع معطيات الآخر وطمس الإمكانات الذاتية الكامنة فيه.

9.       عجز هذا الخطاب عن مطاولة خطاب الآخر، وعن الارتقاء إلى مستواه، واتخاذه شكل رجع صدى له.

ولعل من شأن استمرار هذه المظاهر أن تدفع بنا إلى طرح بعض الأسئلة، من قبيل السؤال عن البواعث الكامنة وراء ما انتهى إليه وضع خطابنا الثقافي, والسؤال عن الدلالات التي تكشف عنها قراءاتنا لمظاهر هذا الخطاب، أو السؤال عن الطريق الذي يمكن انتهاجه للخروج بالخطاب الثقافي العربي من أفقه المسدود، وغير ذلك من الأسئلة الدائرة في فلكها.

الحق أن العلاقة الهامشية بين خطابنا الثقافي وخطاب الآخر ليست من التبسيط بحيث يمكن تخطيها اليوم أو غداً، ذلك أن مظاهر هذه العلاقة تعود إلى طبيعة المرحلة التاريخية التي تعيشها أمتنا، وإلى أزمتها الحضارية. ولا ريب في أن الأمل في تصحيح واقع هذه العلاقة يبقى مرهوناً بقدرة هذا الخطاب على التحرر من رهق الإحساس بسلطة خطاب الآخر, إلى حد الهيمنة والاستلاب، فضلاً عن السعي إلى إنتاج معرفة حقيقية بواقع الخطاب الثقافي نفسه من جهة، وبخطاب الآخر من جهة أخرى. وهو أمر لا يمكن له أن يتحقق من دون سعي حثيث إلى إنتاج أسئلة جديدة تطمح إلى تخطي الواقع وخلخلته. لكن بين تحقيق هذه الغاية العامة في خطابنا الثقافي والواقع الذي يحياه هذا الخطاب طريقاً طويلاً ومستلزمات عسيرة ليس من السهل تحقيقها.

إن امتلاك الخطاب الثقافي إرادة الخروج من إشكاليته ليست مشيئة مرهونة بالأماني والرغبات، بقدر ما هي مرهونة باللحظة التاريخية وبالفاعلية الحضارية التي تكون عليها هذه الأمة.

من هنا فإن حالة الانسحاب والضعف الحضاري التي تعيشها الأمة العربية اليوم هي التي تحول دون امتلاكنا إرادتنا المستقلة؛ ليستمر خطابنا الثقافي من ثم في إنتاج أسئلة متشابهة، تتراكم منذ عهود، من دون أن تفلح في العثور على آليتها العلمية ومنهجها الجدلي، في الفهم والتفاعل مع الآخر على قدم المساواة.

 ولعل المقارنة بين ما كان عليه حال أمتنا وخطابها المعرفي إبان ازدهار حضارتها، وحالها في مراوحتها في مكانها في أيامنا هذه، كفيل بدعم ما ذهبنا إليه وتوكيده.

لقد عبر الخطاب الثقافي العربي زمن النهوض الحضاري، عن حالة الانفتاح الواعي على حضارة الآخر (اليوناني والفارسي خاصة), والحوار الخلاق معها، في مقابل تكريس خطابنا الثقافي اليوم حالة الاندماج في خطاب الآخر، إلى حد الذوبان فيه وفقدان ملامحه.

 وفي حين أفضى الانفتاح الواعي على الآخر قديماً إلى التجديد والإبداع، انتهى اندماج خطابنا بالآخر اليوم إلى تكريس حالة من المسخ والذوبان في البنية المعرفية للآخر. وفي الوقت الذي أدى فيه الاجتهاد المنهجي والرؤية العلمية لخطابنا الثقافي فيما مضى, إلى إنتاج معرفة مثمرة بخطاب الآخر وبخطاب التراث, فإن خطابنا الثقافي اليوم، يعبر، في أحيان كثيرة، عن جهل بالأصول المعرفية للبنية المستوردة، مثلما يعبر عن قصور في فهم التراث وامتلاك الحس النقدي الحي به.

وفي الوقت الذي حقق فيه توفر خطابنا الثقافي, زمن النهوض الحضاري، على نصوص الواقع المعيش, الوصول إلى إنتاج رؤى خصبة واتجاهات مضيئة, وتيارات متنوعة, قاد خطابنا الثقافي المعاصر المكتفي بالمتابعة واستهلاك الخطاب الجاهز للآخر، إلى الاكتفاء بتبني منتج الآخر، وإن  كان مفارقاً لنبض نصوصنا وملامح شعريتها الخاصة.

إن من أبرز آفات خطابنا النقدي الراهن، على سبيل المثال، وأخطرها في ظننا، تلك التي تكمن في جهله المفارقة التي تنطوي عليها استراتيجية استهلاك البنية المعرفية في خطاب الآخر؛ ونريد بها جهل هذا الخطاب حقيقة مفادها: أن نقل المناهج العلمية والمقولات والمفاهيم، من سياقها في خطاب الآخر إلى سياقنا، من دون تكييفها مع التربة الجديدة وتوظيفها توظيفاً ناجحاً, من شأنه ألا يفرز المعطيات والنتائج ذاتها التي أفرزها خطاب الآخر، ولا يحقق الأهداف المرجوة منها، ولا الثمرات التي حققتها في بيئتها الأصلية. فالمفاهيم أدوات, وهي لا تنتج إلا بفكر يعيد إنتاجها، كما يقول الجابري.

على هذا النحو لا تعدو المفاهيم والمقولات والمناهج في خطاب الآخر كونها صياغات منهجية لهموم العصر، ومواجهة لتحديات الواقع، وإجابات لأسئلته المتجددة أبداً, أكثر منها أطراً خارجية أو إفرازاً فوقياً أو واجهة تزيينية، كما تبدو في اتجاهات خطابنا النقدي أحياناً.

من هنا فإن القيمة الحقيقية للمقولات والمناهج والآليات والاتجاهات التي يتبناها خطابنا النقدي لا تكمن في مدى حضورها المنهجي عند الآخر فحسب، بقدر ما تكمن في فاعليتها في معالجة نصوصنا وحل مشكلاتنا.

 إن العيش على تخوم خطاب الآخر ومعطيات بنيته المعرفية لا بد من أن يقود في نهاية الأمر إلى ضرب من ضروب التبعية لتجربة الآخر، ولهيمنة نموذجه المحوري، ما دامت العلاقة غير متكافئة. وهي تبعية تزري بفاعليتنا وتفقدنا إرادتنا وتعمي بصيرتنا، حين نؤثر الاستنامة وننأى عن ممارسة الحوار الجدلي الذي ينتج حالة من الاستبصار المثمر.

 لا بد من التوكيد هنا على حقيقة أن تبني خطابنا الثقافي المعاصر معطيات الخطاب الثقافي للآخر تبنيا جاهزا وكليا، إنما يعكس مظهرا من مظاهر اتجاهات خطابنا العربي المعاصر؛ ذلك الاتجاه الذي يجد نفسه في حالة من القطيعة مع التراث، مؤثرا الانتظام الحلولي في إطار مرجعية الآخر.

وثمة اتجاه آخر يقف على النقيض من هذا الاتجاه، يعبر عن نفسه من خلال رفضه مرجعية الآخر، لينتظم في إطار مرجعية تراثية، تمجد الماضي وتضفي عليه ملامح صنمية واكتفاء ذاتيا وكليانية مطلقة.

وإذا كان الاتجاه المنتظم في مرجعية الآخر ينطلق من غربة المكان ومن استلاب إرادته الفردية المستقلة، فإن الاتجاه الداعي إلى عدم الخروج من مرجعية "الأنا" التراثية والتماهي الكلي معها، إنما ينطلق من غربة الزمان ومن استلاب إرادته الفكرية المستقلة؛ وذلك لأن المرجعيتين قد أصبحتا اليوم منفصلتين عن ذاتنا ومنتميتين إلى عالمين آخرين، لا يعبران عن حاضرنا الذي نحياه ولا عن صورة المستقبل، كما هو عند الآخر في الوقت نفسه.

أما الاتجاه الثالث من اتجاهات خطابنا الثقافي المعاصر فهو الاتجاه التوليفي الذي يسعى جاهداً إلى تحقيق حالة من الجمع والموازنة بين المرجعيتين السالفتين. وهي محاولة كثيراً ما تنزلق إلى ضروب من الانتقاء والتهجين، لتقديم (توليفات سيليفونية) براقة، مفرغة من شروطها التاريخية ومسوغاتها العلمية.

ويمكننا رد مظاهر الاتجاه المنتظم في إطار مرجعية الآخر إلى حالة الانقطاع والتوقف التي شهدها الفكر العربي منذ زمن طويل. ويذهب الجابري محقا، إلى تفسير بواعث انتظام الاتجاه الثاني لخطابنا الثقافي في مرجعية "الأنا" والماضي، فيردها إلى ما يسميه ب (ميكانزم الدفاع عن الذات)، إذ تلتجئ الذات, زمن زحف نموذج حضاري متقدم على نموذج حضاري آخر, إلى الاحتماء بالماضي وتمجيده طالما ظل الخطر الخارجي قائماً ومهدداً إياها, في وقت تغيب هذه الآلية ولانراها، زمن التقدم الحضاري للأمة.

ولعل من الطبيعي أن نتوجه، بوصفنا مثقفين، إلى السؤال عن سبل الخروج من هذه العلاقة غير المتوازنة بالآخر، وإلى السعي لامتلاك خطابنا الثقافي محمولاته الخاصة، المعبرة عن معاناة الفكر العربي ورؤيته.

 من المفيد أن نقرر بادئ ذي بدء أن علاقتنا بالآخر وحضور خطابه فينا أمر طبيعي ولا ينبغي أن يقلقنا، إن لم نذهب إلى أبعد من هذا فنزعم أن هذا الحضور وتلك العلاقة عامل من العوامل المهمة في تفعيل آلية النهوض؛ ذلك أن هذا الحضور القوي كثيرا ما يمثل ضربا من ضروب تحدي الآخر لنا، ووسيلة من وسائل تفعيل العوامل الذاتية للأمة، وبما يفضي إلى الانبعاث والنهوض الذي ينبغي الحرص عليه والإفادة منه, بدلاً من الفزع منه.

أما على المستوى المنطقي، فلا مشاحة لنا من الاعتراف بالآخر، إذا ما سلمنا بأن رؤيتنا للآخر والأشياء من حولنا، تظل نسبية، لا يمكن أن تكتسب مصداقيتها من دون امتحانها برؤية الآخر، وإلا سقطنا في وهم الاعتقاد بامتلاك خطابنا الثقافي وحده ناصية الحقيقة وخروجه من شرطه التاريخي إلى بنية إطلاقية، وهو أمر يبتعد عن منطق العلم ليهوي بنا إلى أحضان رؤية دوغماتية. فقد لا نغالي إذا قلنا إن إدراك الأمة كثيراً من تفاصيلها وملابساتها لا يتحقق تماماً إلا في ظل جو من التنافس والمواجهة والحوار الجدلي المتكافئ. لكن ما يقدح في علاقتنا بالآخر أنها علاقة تفتقر إلى عنصر التكافؤ، إذ هي تكتفي بالاندماج الكلي والاستهلاك السلبي والاستخذاء المهين والمحاكاة الفجة والتعكز الهامشي، من دون أن تفلح في إنضاج مناخ يعين على حدوث نوع من الحوار الجدلي الذي يسهم في إفراز معطيات جديدة، فيها من الاستبصار الخلاق والإضافة الجادة والإدراك العلمي لممكنات الذات والآخر، بما يضئ هذه العلاقة ويعيد اكتشاف الوجه الآخر للمنجز الذاتي.

ولا ريب في أن تصحيح علاقتنا بالآخر ليس بالأمر الهين، إذ لا بد قبل الوصول إلى ذلك من إدراك جملة من الحقائق والمسلمات منها:

1.   إن الإنجاز الحضاري والإبداعي للأمة ملك إنساني مشاع، فهو نقيض للعزلة والإقليمية ومناف لمختلف ألوان الوصاية والعنجهية والتهميش.

2.   إن الإنجاز الحضاري والفكري ليس فعلاً آلياً أو حركة عفوية، بل هو حاجة موضوعية تستند إلى الوعي بمتطلبات الواقع الإشكالي ومتغيرات الحساسية الإبستمولوجية.

3.   إن الإنجاز الحضاري معاناة حقيقية وقراءة علمية تترجم أسئلة تاريخية وليس نقلاً لمرجعيات الآخر واجتراراً محضاً لتجاربه.

4.   إن البراءة من التراث والهروب إلى الآخر، وعكسه الانكفاء عليه ونبذ الآخر, كلاهما يعكس تبسيطاً علميا للميكانيزم الحضاري، وتجزيئاً مخلاً للموقف العلمي. فليس ثمة حضارة، كما يقول الجابري، قامت خارج تراثها أو عاشت بمعزل عن التأثر بسواها من الحضارات.

5.   إن التقدم الحضاري يمكن أن يتحقق إذا ما توافرت القدرة على فهم التراث الثقافي واستيعاب تجاربه وإنجاز وعي حقيقي به, وذلك بقراءته قراءة حية، إلى جانب قراءة منجز الآخر المتقدم وإنجاز وعي حقيقي به؛ عن طريق الانفتاح عليه والتفاعل الحقيقي معه.

 ولعلنا لا نبعد عن الصواب إذا قلنا : إن الرؤية التوفيقية تجانب الصواب هي الأخرى، حين تخون نفسها من خلال ممارسات لا تفضي إلى نتائج ذات بال. فالإشكالية الحضارية التي يعاني منها خطابنا الثقافي المعاصر أكبر من أن تحلها اختيارات تقفز فوق السياقات، وتهجينات تتجاوز الظروف التاريخية المختلفة ومستويات التطور المتباينة.

إن الاعتصام بتلابيب الذات والتراث من شأنه أن يقود إلى استلاب الإرادة والى استقالة العقل والانغلاق على الذات، كما أن الاندماج بالآخر اندماجا كليا، من شأنه أن يقود إلى حالة من الغربة والتبعية والتهميش.

ومن أجل الخروج من الإشكالية التي يعيشها الخطاب العربي المعاصر، ومنه الخطاب الثقافي، لا بد من تحرير هذا الفكر من غربته المتأتية من استلاب سلطة الآخر له من جهة، ومن وصاية الماضي والتراث وهيمنة سلطتيهما عليه من جهة ثانية. فكلاهما يحيل إلى الأسر، ويصادر الإرادة المستقلة، ويحول دون المغايرة والإفصاح عن الإمكانات الحقيقية للذات وتفجيرها.

 على هذا النحو يصبح إطلاق الفكر العربي من أسر الأنا والآخر شرطا لازما من شروط تحرر هذا الفكر وامتلاكه أسباب نهوضه. لكن إعادة الفكر العربي النظر بهاتين المرجعيتين لا ينبغي أن يفضي بنا إلى تزييف وعينا، باختيار بديل يلجأ إلى ضروب من الانتقاء والمواءمة غير الحقيقية وغير المسوغة. إن مفتاح تصحيح علاقة الخطاب الفكري العربي بالثنائية المرجعية للأنا والآخر والتحرر منهما، إنما يكمن كما أسلفنا، في مدى قدرتنا على تأسيس وعي حقيقي بهما.

وإذا أردنا أن نقترب خطوة أخرى نحو تحديد مستلزمات إنجاز هذا الوعي الجديد بالمرجعيتين لقلنا: إن على الخطاب الفكري العربي ألا ينجز قراءته لحاضر الأمة في ضوء مرجعية الماضي (الأنا)، أو في ضوء مرجعية الآخر (الغربي)، بل على هذا الفكر، كيما يحقق وعيا حقيقياً، أن يؤسس لإنجاز قراءة معطيات كلتي المرجعيتين،(الأنا ) و (الآخر)، من منطلق رؤية المعطيات الحية للحاضر الذي يعيشه واللحظة التاريخية التي يمر بها. أي أن على هذا الفكر أن يتخذ متطلبات الحاضر وعناصره المضيئة مقياساً للنظر إلى ماضي الأمة، مثلما يتخذها نقطة انطلاق للتفاعل مع مرجعية الآخر وفهمه، إذا ما أردنا لهذا الفكر أن يكون أميناً لماضيه ووفياً للحظته التاريخية في آن معا.

وبهذا لا يكون الوفاء للتراث، تبعا لهذا الفهم، محصلة لمحاكاته أو التماهي معه أو اتخاذه إطارا مرجعيا لحاضرنا، بل إن الوفاء له يكمن في استقلال هذا الفكر وهو ينظر إليه، ونأيه عنه، إلى الدرجة التي تتيح لهذا الفكر تحقيق استقلاليته وإدراك عناصر المغايرة فيه.

ولعل من المهم التوكيد هنا على حقيقة أن النيات الحسنة والمشاعر الصادقة لم تعد سبيلاً ناجعاً لتحقيق ما نسعى إليه وننظر له. فإشكالية الخطاب الثقافي العربي ليست ترفاً فكرياً ولا تجريداً ذهنياً. إنها موضوعة واقعية وتجربة معاناة حية، يستلزم حلها تحمل الدول والحكومات العربية- إلى جانب جهود المثقفين- لمسؤولياتها، إعداداً وتخطيطاً وتوظيفاً، إذ هي قضية لا قبل للأفراد بتحمل أعبائها الجسيمة.

وبكلمة فإن على الدول ومؤسساتها خلق الأرضية الواقعية والمناخ القادر على توفير شروط التخلق الجديد، بدءاً من إشاعة الأجواء الديموقراطية وروح التعددية والحوار وإتاحة الفرصة للرأي والرأي الآخر, والسعي الجاد إلى القضاء على الأمية ونشر التعليم وتسهيل فرصه أمام أبناء المجتمع، وتأسيس قاعدة صلبة حقيقية، لثقافة علمية تحارب الجهل والخرافة وألوان التخلف والخزعبلات، فضلا عن توجه دولنا نحو وضع استراتيجية حقيقية لبناء قاعدة زراعية وصناعية، من شأنها خلق فرص نمو اقتصادي يحقق التطور والاستقلال .

ولا ريب في أن قيام قاعدة واقعية كهذه شرط أساسي من شروط توفير المناخ الموضوعي الملائم لتحقيق فرص من الحوار المثمر مع الآخر، والتفاعل القادر على استئصال كثير من المظاهر المعششة في أذهان أفراد مجتمعنا، كتحويل الرؤية المعرفية إلى عقيدة أيديولوجية مغلقة في كثير من ممارساتنا, وكالشعور بالدونية وبعقدة النقص إزاء الآخر، أو الانطلاق من عقدة الثأر منه، على حد تعبير سالم حميش. وكلاهما وجهان لحقيقة واحدة، تجد التعبير عنها في واقع التخلف الذي نحيا فيه وإن اختلفت مسمياته وتعددت مظاهره.