الشاعر والمدينة

الشاعر و الناقد سامح كعوش

إن ّ الكون يضيق ُ ، و إن ّ أشياء هذا الوجود تتضخم كالقهقهة الفارغة . يصير ُ العيش ُ كئيبا ً و غريبا ً ، و تتداخلُ الموجودات ُ بعضها ببعض ٍ كما لو أنها تبحث ُ في ذلك التداخل عن خلق ٍ جديد ٍ ، غريب ٍ و مريب ٍ أيضا ً . و تصير ُ العوالم ُ المتداخلة ُ بوتقةً لصهر ٍ جديد ٍ يُحيل ُ الموجودات ِ كلّها إلى مادتها الخام الأولى ، الخام اللزج ، الطري ، الـ ما قبل تشكله .

إذا ً ، نحن أمام خلق ٍ عابث ٍ ينشد ُ تغيير الوجود ، يعبث ُ  بتفاصيلنا الصغيرة ، و يصيّرها جمعية ً مفتوحة ً قابلة ً للتحوّل و التبدّل بحيث ُ أنها تصير ُ مجانية ً أيضا ً و ليست ملكا ً لنا أو لأحد . هو هذا الخلق العابث الذي يتحدى القدرة الأولى التي أوجدت الكون و رتبت له طريقة عيشه و سلوكه و سيرة حياته و صيرورته .

هذا الخلق الزمكاني الجديد يصير ُ أقدر على التأثير الكلي ّ بالشاعر كجزء من وجود ٍ قابع ٍ في مكان ٍ ما ، لأن المكان مسرح الجريمة / الاحتفال بهذا الخلق . المكان كصدمة ، المدينة كانتحار عذرية القروي في الاكتشاف العُري لتفاصيل وجه الشاعر في تركيبته الجديدة الغرائبية في الإسفلت و غابات الإسمنت و ناطحات السحاب و المصعد الكهربائي الذي يتسع لمليون عشق و لا يحتمل زهرة واحدة .

هذا الاكتشاف / الارتطام أحيانا ً كثيرة ً ، وإن كان لا يليق بإنسانية هذا الكائن الرخوي المسمّى إنسانا ً و ليس شاعرا ً بالضرورة ، فإنه مساعد ٌ على اكتمال وعي هذا الـ هو بالمكان الذي يقصيه ِ ولا يحتويه .

في المدينة الحديثة ، التي تخلو مما أدهش البحتري و أبا تمام ، و أرعن َ أبا نواس و والبة بن الحباب ، و أطرب َ بشارا ً بن برد ٍ ، يتسنجب الإنسان / الشاعر ، يصير ُ أقرب َ إلى بدائيته الموغلة في القدم ، يعود إلى " الدغلية و البعلية " بمعنى أنه يتغلب بطبعه ِ على كل تحضر ٍ لاحق به ، يعود ُ برّيا ً متوحشا ً ، في الافتراس و الاقتناص . ينتهز ُ الفرصة و يتحيّنها كي يعتلي مناكب أي ٍّ كان َ كي يصل هو إلى أعلى ، و الأعلى هو السقوط بمقاييس المدينة الحديثة / المدنية المريضة بالضيق و الاختناق . لأن المدينة مساحات إسمنت على إسمنت في إسمنت ، نوافذ لا تنفذ منها الروح ، و أبواب مقفلة ٌ على مفاتيحها ، و أبواق سيارات تصيح في آذان هذا الكائن الذي صار غريبا ً عن ذاته و قريبا ً إلى التبعثر و التشظي . و لأن المدينة أفقية الامتداد ، تبشر ُ بهذا الاختناق ، " لولا فسحة الأمل " .

هذا الأمل الذي يصير نظرية ً و افتراضا ً ، حين الشاعر  يتحول كائنا ً فضائيا ً غرائبيا ً لا يشبه شكله الماضي الذي تشكله ُ عبر الآلاف السابقة من عمر وجوده على هذا الكوكب السائر بسرعة ٍ عجيبة ٍ إلى نهاياته .

و لكم أن تتصوروا شكل هذا الإنسان / المخلوق الغرائبي ، أرأيتم إنسانا ً تنـزرع ُ شجيرات ُ الورد على ثيابه و فوق هدب عينيه ِ ؟ أو تتدلى عناقيد العنب من عرائش جمجمته ِ ؟. أرأيتم ُ وجعا ً جائعا ً يمشي على الأرض و بلا وجه ٍ ؟ . هو إنسان ُ الدهشة و الفراغ الذي وقف خارج المكان ، ثم ّ عندما تقمصه ُ أضاع هويته الأصلية ، فلا هو بعد ُ و لا المكان مكان .