|
التجليد: فرع من فنون صناعة الكتاب الإسلامية التي
عاشت عصرها الكلاسيكي لدى العثمانيين
تأليف: أحمد صائم آرتان؛
ترجمة سهيل صابان
يطلق الجلد على الغطاء الحافظ الذي يجمع أوراق
مجموعة ما أو كتاب، دون أن تتشتت أو تفقد تسلسلها. وهذا الاسم
العربي الذي يعني الجلد [أي ما يغطي جلد الدواب وبني البشر]، قد
أطلق عليه بناءً على أن التجليد قد تم تصنيعه من الجلد الذي هو
الملائم لمثل هذا الفن.
وقد ظهر التجليد لما حلت محل الكتب - التي كانت على
شاكلة التومار (الرول) – المجموعات (المصاحف) التي قطعت أوراقها
بشكل مستطيل. وأقدم أغلفة الجلود التي وصلت إلينا، يرجع إلى القرن
الرابع الميلادي، وهو ما حفظ مجموعة من أوراق البردي، دون أي مظهر
فني. أما أولى الجلود التي حملت الوصف الفني، فقد ظهرت على يد
الأقباط في مصر، وعلى يد الأويغور في آسيا الوسطى في القرنين
الثامن والتاسع الميلاديين. والتشابه كبير بينها. وفي بدايات القرن
العشرين ظهرت قطعتان من جلد ضمن مخطوطات مانية على يد "آلفرد فون
لو كوك" أثناء حفريات هوجو. وكما كان ذلك في الجلود القبطية فقد
صنعت من الجلود ونُحتت بالسكين وزينت بمختلف النقوش. يضاف إلى ذلك
أن الأقسام المنحوتة من الجلود قد ألصقت بها من الداخل قطع جلود
أخرى، ما أدى إلى إضفائها بطابع السطح المزدوج المنقوش وكذلك
باللون المزدوج عليها.
وأقدم النماذج المعروفة لفن التجليد الإسلامي ظهر
في مصر وتونس، ويبدو أنها ترجع لبني طولون (868-905م). ويظهر تشابه
كبير في كافة فنون التجليد الإسلامي المصنوعة في القرن العاشر إلى
الثالث عشر الميلادي. وقد استمر هذا الوضع – نسبياً – في القرن
الرابع عشر الميلادي أيضاً. وعمل السلاجقة الذين حكموا الأناضول
بدءاً من أواخر القرن الحادي عشر الميلادي، أسلوباً في التجليد
رائعاً في القرنين الثاني عشر والثالث عشر الميلاديين. وهذا
الأسلوب الذي يطلق عليه رومي، أسلوباً للتجليد عند السلاجقة في
الأناضول، استمر في الإمارات التركية بالأناضول، وعلى رأسها
المماليك في النصف الثاني من القرن الثالث عشر الميلادي،
والإلخانيين والقرمانيين بدءاً من القرن الرابع عشر الميلادي، وهذا
الأسلوب هو الذي مكن للانتقال إلى فن التجليد العثماني. والحقيقة
أن التساوي بين فن التجليد المملوكي والتجليد العثماني كبير للغاية
في القرن الخامس عشر. وقد ظهرت أغلفة تجليد جميلة في هذا العصر وفي
العهد التيموريين وقره قيون وآق فيون. أما بدءاً من القرن السادس
عشر الميلادي فإن فن التجليد الكلاسيكي العثماني، أصبح أكبر ممثل
لصناعة التجليد التركي والإسلامي، واستمر هذا الوضع إلى القرن
العشرين الميلادي.
أساليب التجليد
يختلف التجليد من حيث الملازم والتزيينات أكثر من
حيث الخصائص الفنية. وهذه الأساليب تسمى بأسماء المجالات الثقافية
التي تتبعها. ومن خلال التطور التاريخي فإن الأساليب المتبعة في فن
التجليد الإسلامي هي: الخطاي، العربي، المملوكي، المغربي، التركي
(العثماني)، البخاري الجديد.
1 – إن أسلوب الخطاي الذي يرجح في كافة الطرز
النباتية التي يطلق على تزييناته الخطاي، ينقسم فيما بينه إلى عدة
أقسام داخلية مع فروق طفيفة بين قسم وآخر، وهي: الكاشي،
والخراساني، والبخاري والدهلوي.
2 – الأسلوب الهراتي: وقد تم تطوير هذا الأسلوب في
عهد التيموريين (1370-1506م) في أكبر مركز لفنون الزخرفة هرات،
وغيرها من المراكز المهمة، مثل شيراز وإصفهان، على يد المعلمين
الأتراك والمغول والفرس. ومن أهم نماذجها التي جلدت في قصور تيمور
وأحفاده والوزير الشهير علي شير نوائي، ملئت بطون الشمسات والزوايا
بطرز نباتية، ووضعت رسوم آدمية وحيوانية وثعابين وطيور وتنين وغير
ذلك من الحيوانات الأسطورية في الأماكن المناسبة من التجليد. وقد
وضعت في داخلها أيضاً السماء الصينية. أما في داخل الغلاف فنرى
استخدام طريقة فن القوطي بكثرة. وهذا الأسلوب من التجليد إلى جانب
التيموريين يصادف في تجليد الجلايريين وقره قيون وآق قيون
والصفويين وفي تجليد العهد العثماني المبكر. والعهد الأخير من
أسلوب الخطاي يصادف الفترة نفسها لأسلوب هرات.
3 – الأسلوب العربي: وقد تطور في بلاد الجزيرة وحلب
والشام. وجلود التجليد وزخرفتها بارزة. والحقيقة أن هذا الأسلوب هو
المتأثر بالأسلوب التركي الذي بدأ مع العباسيين. ومستلهم من
الأسلوب الأويغوري [تركستان الشرقية].
4 – الأسلوب الرومي: هو وهو التجليد المتبع في
إمارات الإلخانيين والإمارات الأناضولية التي استمرت في تأثرها
بالسلاجقة بعد الاستيلاء السلجوقي والمغولي على الأناضول.
5 – الأسلوب المملوكي المخلوط بالأسلوب العربي الذي
مارسه الأتراك المماليك في مصر، وهو يشبه في العديد من الأوجه
للأسلوب الرومي. فهو يتوازى للأسلوب العثماني في القرن الخامس عشر
وبدايات القرن السادس عشر الميلاديين. والعدد الأكبر من التجليد
المصنوع على هذا الطراز أهدي إلى قايتباي (1468-1496م) وقانصو
الغوري (1501-1516م).
6 – الأسلوب المغربي: تطور هذا الأسلوب في الأندلس
وصقلية والمغرب. وهو يوحي الأسلوب العربي. وقد أثرت في صناعة
التجليد الأوربي من خلال إسبانيا وصقلية. واللون بشكل كثير هو
البني بمختلف درجاته، والأسود. والشمسات الدائرة والرسوم الهندسية
المتشابكة كثيرة. وفي زوايا التجليد لابد من وجود زينة وإطار
للزخرفة.
7 – الأسلوب التركي: وقد ظهر في دياربكر وبورصا
وأدرنه وإستانبول. وهو على ثلاثة أنواع: شقوفة وباروك والحديث.
وبينها اختلافات يسيرة. والمدن المذكورة هي أكثر المراكز تقدماً في
تطوير التجليد العثماني. والأسلوب المسمى اللاك، يدخل ضمن هذا
الأسلوب.
8 – البخاري الجديد والخطاي. وقد تشكل من المزج بين
الخطاي والدهلوي والأوربي، وهو آخر صفحة من صفحات تطور التجليد
الإسلامي.
أنواع التجليد
يمكن تقسيم أنواع التجليد الذي تطور معظمه في العهد
الكلاسيكي للأسلوب التركي، من حيث الأدوات وفن التزيين إلى
مجموعتين اثنتين: حسب الأدوات: الجلد، والقماش، والمجزَّع،
والمرصع، واللاك؛ وحسب فن التزيين: ذو شمسة، وذو بهار، ويك شاه،
وزردوز، وجاركوشه.
1 – جلد التجليد:
الجلد هو أكثر الأدوات استخداماً وأساساً في عملية التجليد. وجلود
التجليد على مختلف الأنواع:
أ – جلد ذو شمسة:
ويأخذ اسمه من الشمسة التي توضع على الجلد. وتسمى هذه الجلود
بمختلف الأسماء حسب طرز وصم الجلد بها. منها: 1- الشمسة المفصولة
من الأسفل. وفيها يترك الجانب البارز من الجلد على لونه. وتذهّب
الأرضية. 2- الشمسة المفصولة من الأعلى. وفيها تترك الأرضية على
لون الجلد، وتذهب النقوش. 3- الجلد ذو شمسة ملمّعة. وفيها يتم
تذهيب النقوش والأرضية كلها. وفي هذه الحالة يمكن استخدام لونين من
التذهيب. 4- الشمسة الملونة. وفيها يتم تغليف الشمسة والكعب
وغيرهما من الجوانب بتجليد من لون آخر، غير التجليد الأساسي
المستخدم في الغلاف. وفيها طرز، مفتوحة من الأعلى والأسفل. 5-
الشمسة الباردة. وتطبع الشمسة فيها على غلاف الجلد دون استخدام
الذهب. ولذلك فلا يكون التجليد بلون مخالف عن لون الجلد. 6 –
المشبّك بشمسة (قطعية). وتظهر الشمسة على الأغلب في الجانب الداخلي
من الجلد. فبعدما يتم نحت الجلد مثل الدانتيل، يلصق على الغلاف
الداخلي من أرضية الجلد أو القماش المختلف في لونه.
ب – جلد ذي البهار
. وقد أخذ اسمه من نوع التزيين الذي يطلق عليه أيضاً في الأوساط
الشعبية "شمسة قفص"، والذي ظهر في أواخر القرن الثامن عشر، ولا
سيما في القرن التاسع عشر الميلادي. حيث يتم وضع خطوط على شاكلة
الورق المشرح على أربع قطع على الغلاف. وهذا التزيين يمكن أن يضم
وسط الجلد والأرضية بالكامل. والفجوات الموجودة بين المستطيلات
التي شكلت فيما بعد، تملأ بنجوم، ما يضفي على الغلاف ثراءً في
المظهر.
ج – جلد يك شاه:
تتم النقوش من خلال الضغط بمعدن حاد - يسمى يك شاه – على الجلد.
ويتم أحياناً إجراء هذا الطراز من النقوش على شمسات ذي البهار
أيضاً.
د – جلد زردوز:
وهي الجلود التي يتم نقش الإطارات باللون الأصفر والوردي والأخضر
عليها بطراز واقعي.
2 – تجليد جار كوشه [بأربع زوايا]
وهو نوع من التجليد المخملي أو المطرز، مغطى
بالقماش المطرز أيضاً، شكلت الجوانب مثلثات في الزوايا مغطاة
بالجلد. ويأخذ اسمه من الزوايا.
3 – تجليد القماش:
وهو التجليد الذي يتم باستخدام الكتان أو الحرير أو
القماش المخملي على الورق المقوّى وتغليفه به.
4 - التجليد المجزع:
من المعلوم أن تاريخ المجزع يعود إلى القرن الخامس
عشر الميلادي، وله مكان مهم في صناعة التجليد. وحتى يتحمل التجليد
المجزع أكثر، فإنه كان يستخدم فيه فن الزوايا الأربع. وكما يستخدم
المجزع في الغلاف الخارجي والداخلي للتجليد، فإنه كان يرجح على
غيره في صناعة محافظ الكتب.
5 – التجليد المرصع:
وهذا النوع من التجليد يتعلق في الحقيقة بصناعة
الذهب أكثر من فن التجليد؛ إذ إنه نوع من التجليد الفاخر للغاية،
وقيمته المادية عالية. وله أنواع، منها ما هو مصنوع من العاج
المحفور، ومنها ما هو مغطى بالذهب، والموزائيك، والبارز النافر،
ومنها ما هو مزين بالياقوت والزمرد، واللؤلؤ والألماس. وقد نفذ هذا
النوع من التجليد على الأغلب في أغلفة المصاحف الشريفة.
6 – تجليد اللاك:
أخذ اسمه من كلمة اللاك (ورنيس)، وهو صقل الورق
المقوى الذي يشكل الجلد المسمى روغاني أو أدرنه كاري. حيث يتم نقش
هذا السطح الملمع بمختلف النقوش من الذهب والصبغ إلى أن يصل إلى
مستوى القزاز في لمعانه، ويصقل بالورنيس عدة طبقات. وأولى نماذج
هذا النوع من التجليد ظهر لدى العثمانيين والتيموريين في القرن
الخامس عشر الميلادي. وقد طبق بعد ذلك العصر لدى الصفويين
والبابوريين.
وإضافة على ما سبق ذكره، يمكن تناول التجليد الخاص
بمحافظ الكتب و"جلدبند" ضمن التجليد أيضاً. فجلدبند هو تصنيع
غلافين من الجلد مثل الكتب، وله مدخل داخلي، يتم وضع الأوراق فيه؛
حتى لا تبلى أو تتمزق وتتلف. ويمكن عدّ هذا النوع من المحافظ من
الشنط التي توضع [أثناء الحمل] تحت الإبط، دون أن يكون له ممسك.
أما محافظ الكتب، فهي العلبة الخاصة بحفظ الكتب المخطوطة، بحيث
يوضع فيها المخطوط بالطول. وعلى الرغم من وجود ما هي مغلف بالكامل
بالجلد، إلا أن الأغلب على هذا النوع من المحافظ ما صنع من المجزع.
ويلصق شريط من داخل المحفظة، بحيث يبقى بمسافة 1سم، إلى 5ر1 سم في
الخارج، فإذا أريد إخراج المخطوط من المحفظة سُحب الشريط، فخرد
الكتاب من المحفظة.
المجلدون ونقابة التجليد
بناءً على أن المجلدين – على الأغلب – هم نقاشون
ومذهّبون ومصورون [رسامون] أو معلمو المجزع، ونظراً لعدم العثور
على توقيعاتهم على التجليد، إلا نادراً، فيصعب الإحاطة بمعلمي هذا
الفن كلهم. والنموذج الأبكر للتوقيع ضمن تجليد القرون الوسطى
الإسلامي، يحمل عام 654هـ (1256م). ويظهر التوقيع على التجليد في
الأناضول وسوريا أكثر من الشرق الأوسط. والتوقيعات على بُعد 5-6 مم
في شكل أختام مدورة. والتوقيعات التي تم التأكد منها هي: مصطفى بن
محمد، مجد الدين، أمين، إبراهيم، يوسف القونوي، محمد الشريف (أو
السيد محمد)، سرمدي، أسعد، حسن، المغربي، أحمد. كما يوجد منها بعض
الأختام كختم سليمان، المزين بوُرُود، مكتوب فيها عبارة "حسبي
الله" التي يُعتقد أنها رمز للمجلد. وقد شكل من تلك الأختام عنصراً
لتزيين التجليد أيضاً، حيث وضعت في الزوايا، أو في الشمسات، أو في
الكعب أو المِقْلب (اللسان). وكل ختم (كليشة) من تلك الأختام طبع
من مرة إلى 30 مرة. وما يعود منها إلى العهد العثماني، يعرف أكثر
من غيره من الأسماء، سواء بمساعدة التوقيع أو من خلال دفاتر أهل
الحرف. وقد تم التحقق من سبعين مجلداً عاشوا بين القرن السادس عشر
والتاسع عشر الميلادي.
إن حب السلاطين العثمانيين لقراءة الكتب، قد أدى
إلى نشأة بيئة صالحة لتطور فنون الكتاب. وقد أنشئت في القصر ورش
للخط والتذهيب، والمنمنمات والتجليد، عمل فيها أبرز المتخصصين،
المحليين والأجانب، في عهودهم في تلك الفنون. وقد تم استقدام
الأجانب في ورش مستقلة؛ حتى لا يبقى فن الكتاب التركي تحت التأثير
الأجنبي من جهة، والحفاظ عليه وتطويره دون تغيير من جهة أخرى.
وأول نقابة للتجليد أنشئت في عهد بايزيد الثاني
(1481-1512م). وبذلك فإن مجلدي القصر الذين شكلوا فئة مثل الفئات
المهنية الأخرى، قد انقسموا في البداية إلى معلمين وصبايا.
والمعلمون انقسموا فيما بينهم إلى عدة أقسام حسب خبرتهم وقدمهم
ورتبهم ومواقعهم في هذه المهنة. مثل رئيس المجلدين، رئيس الفرقة،
رئيس الغرفة، مدير أعمال، رئيس مدراء أعمال. وقد اتضح من دفاتر أهل
الحرف في قصر طوب قابي أن عدد المجلدين الخواص قد بلغ في وقت من
الأوقات خمسين مجلداً. وكان الصاغة والحبارون أيضاً تابعين لنقابة
التجليد الخاصة. كما أن المجلدين قد عملوا أيضاً في خارج فرقتهم،
مع الكماخيين والجلنكيريين وكُتّاب الديوان. لكن كان عملهم في هذه
الفرق أيضاً محصوراً في فن التجليد. أما المجلدون العاملون خارج
القصر أحراراً، فقد كانوا يجتمعون في السوق الواقع الآن محله كلية
الآداب بجامعة إستانبول. وقد ذكر أوليا جلبي أن ثلاثمائة مجلد
كانوا يعملون في مائة دكان صغير بجوار جامع بايزيد في القرن السابع
عشر الميلادي. وقد احترق كل تلك الدكاكين في الحريق الكبير الذي
تعرضت له إستانبول في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي.
صناعة التجليد
أول عمل يتم القيام به في تجليد كتاب ما، هو وضع
الأوراق بعضها على بعض وخيطها. وقد استخدم الأتراك في الخياطة
الخيط الأصفر. وكعب الكتاب في التجليد التركي يصنع بشكل مستقيم.
ولا يترك محدّباً. ولأجل مسك الكتاب من أعلى الكعب وأسفله، ومنع
تفتت الأوراق، تنسج له شاش. وتوضع تحت هذه القطعة وسادة من الجلد.
ويمكن لصق قطعة قماش على الكعب [الحبكة]. وتحلق زوايا الكتاب بآلة
حادة، وتعدّل.
والمادة غير المرئية لأغلفة التجليد السفلية هي
[الكرتون] المقوّى. وهذا المقوى الذي يعدّ بشكل خاص، يقطع حسب
أبعاد الكتاب. وحتى لا تخرب الشمسات التي توضع على الجلد وكذلك
التزيينات الأخرى مع مرور الأيام، ينحت القسم الذي يقع تحتها من
المقوى، فيوضع الأرق منها لدى العثمانيين. وهذه العملية التي تجري
للغلاف الأمامي والخلفي، تجري كذلك على المقلب الذي هو امتداد
للغلاف. ويتم ترقيق أماكن الطي من الجلد الذي يغطى به الغلاف، ثم
يغسل ويجفف ويغطي به المقوّى. وهذه العملية تجري على نوعين:
1 – نقل الجلد بالكامل على الغلاف ويضغط على فراغات
المقوى من خلال القالب الخارجي، بحيث تبرز النقوش.
2 – إذا كانت الشمسات والزخارف الأخرى ستغطى باللون
الواحد من التجليد، فإن جلد الغلاف يقطع مع زيادة 3-5 مم عن حجم
المقوى، ويلصق. ويتم وضع الجلد بمختلف الألوان. وحتى يتم إبراز
النقوش التي توضع على الجلد بالضغط بكل تفصيلاتها، فإنه يتم صقل
المقوى بالمعجون. وبناءً على أن هذه الطبقة من المعجون ناعمة، فإنه
يدخل إلى كافة الحوافر الموجودة في المقوى، ويساعد بذلك على إبراز
النقوش البارزة. ويتم تجفيف الأغلفة المنتهي منها في أماكن الظل
المعتدلة في الحرارة.
ويتم فتح الغلاف الأمامي إلى اليمين، والخلفي إلى
الشمال مع المقلب. ويطلق على الفتحة الموجودة بين الغلاف والكعب
المساعدة لفتح الغلاف بيسر وسهولة "حصة المقعد"، والفراغ الموجود
بين الأغلفة والمطلب والرأس اسم "دوداق" [الفم]. فالرأس يحفظ مقدمة
الكتاب. أما المقلب الذي يشبه رأسه المثلث، فإنه يمسك الرأس ويدخل
بين الكتاب وبين الغلاف الأمامي. كما أنه يستخدم إشارة للوصول
بسهولة إلى الصفحة التي تقرأ.
الأدوات
1 – الجلد:
وهو أكثر الأدوات استعمالاً في أغلفة التجليد. وأكثر ما يستخدم
منها جلود الغنم (مشين) والماعز (سختيان)، والغزال (راق)، وبشكل
نادر جلود الأبقار (كوسه له). وتوجد كافة درجات اللون البني في
الجلود التي استخدمها سلاجقة الأناضول والمملوكي. وإضافة إلى
استخدام البني في العهد العثماني بدءاً من القرن الخامس عشر
الميلادي، فقد استخدم اللون العنابي والأخضر والأسود. والمعلمون
السلاجقة كانوا يستخدمون اللون الواحد لداخل الغلاف وخارجه، أما
غيرهم فقد رجحوا استخدام لونين مختلفين، وإن كانوا لم يستبعدوا
استخدام اللون الواحد، على غرار الأولين. وقد استخدم الجلد برقة
تامة في داخل الغلاف، على نحو يراه غير المتخصص أنه ورق عادي.
وعملية الترقيق التي كانت تجرى سابقاً باليد، تتم اليوم من خلال
الأجهزة الخاصة.
2 – المقوى المرقع:
كان التغليف يتم بالخشب الرقيق في الأزمان التي لم
يكن للورق وجود فيها، وكذلك في التجليد الإسلامي الأول. إلا أن
المقوى قد حل محل الخشب بعد فترة قصيرة من الزمن. وهذا المقوى
يتشكل من وضع الأوراق بعضها على بعض بحيث يلصق مع الأخرى بصورة
معاكسة، وضغطها بالمشط.وبعد أن يجف يصبح مثل الخشب قاسياً، ولم يكن
يطوى. وفي الوقت الذي كان يتم فيه إعداد أدوات الغلاف، كان يخلط
بالصمغ الذي يلصق الأوراق بعضها في بعض، بعض المواد السامة، مثل
الشاب، وتنه كار، وعصير التبغ وغير ذلك؛ حتى يمنع التجليد من
الأرضة.
3 – الحرير والخيط والخيط الحريري:
لقد استخدم الخيط الأصفر الحريري الرقيق، لمسك أوراق الكتاب وتواؤم
لونه بلون الورق المصقول، كما أن الحبكة التي توضع في أعلى الكعب
وأسفله لجعل الكتاب متيناً وقوياً، قد استخدم فيه الحرير الملون.
4 – الذهب المضروب والورق المذهب وماء الذهب:
إن ما يعثر عليه بكثرة على الجلود، وله سُمك معين، ويظهر تساقطه
أحياناً من نقاط ذهبية، يوضح أن أدوات مهمة من الأدوات المستخدمة
في التجليد الإسلامي في القرون الوسطى ولا
سيما التجليد السلجوقي بالأناضول، كان من الذهب المضروب. وقد
استخدم في تجليد العهد الأخير للسلاجقة نقاط من الذهب المضروب، كما
استخدم في الجداول والتحريرات ماء الذهب. وظهر في العهود التالية
له استخدام الذهب بالفرشاة في سطح الغلاف كله، أو لصق ورق الذهب
وطبع النقوش عليها.
الأدوات التي تستخدم في صناعة الجلود
القوالب الصغيرة والكبيرة:
يطلق القالب على الآلة التي تساعد على طبع النقش على الجلد بشكل
بارز [الكليشة]. والقوالب المصنوعة من المعدن والخشب والجلد، تسمى
"قالب شمسة" و"قالب الزاوية" حسب موقعه من الغلاف. ونظراً لكون
القوالب الخشبية والمعدنية كانت تخدّش الجلد أثناء الطبع، فقد رجحت
في التجليد التركي قوالب من جلود الإبل. واستخدم في بعض أنواع
التجليد ولا سيما في الشمسات ونقوش الزوايا وفي داخل المقلب
والغلاف قوالب كبيرة من قطعة واحدة. ويتضح هذا الأمر من وجود أكثر
من تجليد للنقوش ذاتها في الأبعاد نفسها. أما في غير ذلك أي في
البرواز وفي الزوايا وفي الحشو الداخلي للشمسات وفي كعوب المقلب
[اللسان] فقد استخدمت فيها القوالب الصغيرة. فمثل ذلك طُبعت لمرة
واحدة، كما طبعت عدة مرات: جنباً إلى جنب، أو بعضها تحت بعض أو فوق
بعض بدرجة التغطية على الغلاف تماماً. وبعض تلك القوالب قطع صغيرة
للغاية على بُعد 5-6 مم. فعلى سبيل المثال التوقيعات المدورة
والتوقيعات الوردية هي من هذا القبيل. ويمكن إدخال "مسمار البرواز"
الذي يشكل البرواز مع جمع بعضه على بعض، في نفس التصنيف.
الأدوات الأخرى:
ويطلق على هذه الأدوات "كور آلت" [الآلة العمياء] و"يك شاه"
و"تَبَر". ويبدو أنه بسبب تغير لون الجلد من تأثير الحرارة عليه،
كانت تلك الأدوات تحمر في النار فتطبع على الجلد. ولا سيما الأشكال
الهندسية والروميات الكبيرة على الأغلفة، حيث صنعت بتلك الآلات؛
لأنه لا يمكن رؤية الانتظام الذي شكله القالب في كل من مكان من
الغلاف. والفرق في النقوش المتقابلة أكثر وضوحاً. وعلى الرغم من أن
تلك الأدوات قد صنعت لوضع الأطر على الأغلفة ونقش الزخارف البسيطة
على أن تستخدم لوحدها [أي في المهمة التي صنعت لها]، إلا أنها في
أغلب الأحيان كانت يستخدم بعضها في محل الأخرى. وسواء أكانت قوالب
كبيرة أم قوالب صغيرة فقد سخنت على الجلد دائماً وطَبعت. فإن كانت
الطباعة بدون الورق المذهب، كان يطلق عليها الطباعة الباردة.
التقنية:
لقدم استخدمت في صناعة التجليد منذ بدايته وحتى يومنا الحاضر
تقنيات الطبع والضرب والصبغ. ففي تقنية الطبع يتم إجراء عمليتين
اثنتين بالقالب مع الأدوات الصغيرة. في الأولى يتم نحت الأشكال على
القالب (أنثى)، ويعمل على إخراجها ناتئاً بارزاً في نهاية الطبع.
أما الأشكال الصغيرة فيتم تشكيلها من خلال الضرب بالشاكوش. وفي
تقنية الضرب يتم وضع الورق الذهبي أو الذهب الأسمك قليلاً من الآخر
في شاكلة لوح مستوي، يوضع على الجلد الذي مسح بالصمغ بقوة، ويضرب
بالجلد من خلال آلة معدنية محفورة في الوسط حادة مدورة في الحوافي.
وإذا رفع الذهب في هذه التقنية المزخرفة يظهر أثره على الجلد. أما
تقنية الصبغ فهي ضرب ورق الذهب - الذي تحول إلى سائل من خلال السحق
-، بالفرشاة على الجلد. فإذا جف يتم تلميعه بالمُهرة. وإلى جانب
استخدام الذهب في التجليد العثماني والمملوكي بدءاً من القرن
الخامس عشر الميلادي، فقد استخدم الصبغ الأزرق أيضاً. أما في
التجليد التيموري، فيظهر تعدد الألوان أكثر تنوعاً.
التجليد في عهد سلاجقة الأناضول وفي عهد الإمارات
[التركية]
إن أبكر نموذج لتجليد عهد سلاجقة الأناضول يعود إلى
أواخر القرن الثاني عشر الميلادي. ولا يظهر أن فرق في الأقسام بين
غلاف مجلد من عهد سلاجقة الأناضول، وبين مثيلاته من التجليد التركي
أو الإسلامي. فالفرق لا يكمن في تكوين الجلد، وإنما في مفهوم
التزيين وتطبيقه على الجلد. وإذا حقق النظر في تجليد عائد لعهد
السلاجقة، وفي تجليد متبع للأسلوب السلجوقي يتبين أن الزخارف كانت
متلائمة كثيراً مع الأشكال الموجودة في الأخشاب والقاشاني والمعدن
وفي فن المنمنمات في ذلك الزمن. ومثل كل تجليد إسلامي، فإن تجليد
سلاجقة الأناضول يتكون من الغلاف الأمامي والخلفي، والمقلب،
والظهر، والرأس، والغلاف الداخلي.
الأغلفة:
إن الغلاف الأمامي والخلفي في تجليد سلاجقة الأناضول، كثيراً ما
يكونان على الغرار ذاته. فعلى سبيل المثال نجد أن أحدهما يتكون من
شكل هندسي، والآخر صنع بالرومي أو ذو شمسة، أو أن شمساتها مدورة أو
بيضاوية. وعلى الرغم من ذلك فيوجد من التجليد ما كان غلافاه على
الطراز ذاته. وبسبب تزيين داخل الأغلفة في تجليد العهد السلجوقي
وطباعته بطراز الطباعة الباردة، من خلال النقوش الناتئة والبارزة،
فإنها تحمل في نفسها خصائص مميزة. وفي هذه التزيينات وعلى أن تكون
الكثافة لدى الروميين، فإنه يظهر ثراء في الأشكال النباتية
والهندسية.
المقلب [اللسان]:
إن المقالب عادة ما تكون مزينة على نمط الغلاف الخلفي الممتدة له.
ومنها ما لا يكون له علاقة بزينة الغلاف. وأكثر عناصر الزينة
استخداماً في المقالب ما عدا الشمسات الشبيهة بشمسات الأغلفة، هو
الهلال ومهر [ختم] سليمان. كما توجد أيضاً نماذج حبكت أرضيته
بالكامل وملئت بالأشكال المتداخلة.
الظهر:
يكون الظهر عادة في التجليد السلجوقي مستقيماً وناعماً. ولا يُعثر
على نماذج محدبة فيها.
الرأس:
لا توجد زخارف في رأس العهد الأول. إلا أنه صنع زخرف فيما بعد.
وبعض منها في حالات نادرة تحوي كتابة.
تزيين التجليد:
تظهر أنماط الزخارف نفسها – تقريباً – في جلود سلاجقة الأناضول، ما
استخدمت في سائر فروع الفنون التركية. ويمكن ترتيب أهم عناصر
الزينة تلك على النحو الآتي:
1 – الشمسة:
إن الشمسة التي استخدمت بكثافة في أغلفة التجليد، والتي تنقسم إلى
الرومي والخطائي والمتداخل، والتي تعرف بأنها تعكس شكل الشمس
المشرقة، يمكن وصف أشكالها على النحو الآتي: المستقيم المدور، ذو
أربع شرائح مدور، ذو ست شرائح مدور، ذو ثماني شرائح مدور، ذو عشر
شرائح مدور، ذو اثنتي عشرة شريحة فأكثر مدور، ذو ختم سليمان مدور
مستقيم، ذو ختم سليمان ساده، مدور وبداخله 5-8-10-12 ذراع بنجم مع
أرضية هندسية بمركز واحد أو أكثر، ذو الرومي، ذو الخطائي، الممهد
للانتقال من المدور إلى البيضاوي، مستقيم رقيق بيضاوي، بيضاوي أقرب
إلى الكلاسيك، ذو برواز وسعادة، مثمن، مكعب.
2 – الرومي:
إن هذا العنصر للزينة المستخدم من القديم في كافة الفنون التركية،
ونظراً لتطويره من لدن سلاجقة الأناضول لإعجابهم الشديد به، فقد
أطلق عليه رومي؛ الذي يعني ما يتعلق بالأناضول. وهو ينبع من رسوم
الحيوانات في فنون أتراك آسيا الوسطى. وبعد قبول الإسلام عدلت فيها
بحيث قضيت فيه تماماً على الجانب الحيواني، فأصبح نمط زينة مجرداً.
واستخدم الرومي في تجليد السلاجقة بالأناضول في خارج الأغلفة وفي
داخلها وفي المقالب مغطياً على الأرضية كلها. كما استخدم في
الأنماط المزنجرة [البرواز] وفي مراكز الشمسات وفي غير ذلك من
عناصر الزينة. وأقدم مجلد استخدم فيه هذه الزينة يعود إلى عام
592هـ (1196م). وهذا الإجراء الذي بدأ في بدايات القرن الثاني عشر
الميلادي يمتد في داخل الأسلوب السلجوقي حتى النصف الثاني من القرن
الخامس عشر الميلادي.
3 – التزيين الهندسي:
من المعلوم أن منشأ التزيين الهندسي الذي استخدم في أكثر أعمال
الزينة لدى الأتراك والسلاجقة والذي يطلق عليه "آرابسك"، يعود إلى
فنون الترك في آسيا الوسطى. وقد استخدمت الأنماط الهندسية في مختلف
أماكن الجلد أو على شاكلة مجموعات نجمية مغطية على الأرضية. وعلى
الرغم من أن مبدأها ونهايتها غير واضحين، ويظهر أنها مخلوطة
للغاية، إلا أنها في حقيقة الأمر مبنية على نظام متلائم ومتناغم،
دال على نظام الكون، وعلى الإرادة الإلهية التي هي فوق كل شيء،
وأبدية تلك الإرادة، كما هو المعتقد. وأقدم نماذج الجلود المزينة
بالزينة الهندسية الممتدة من السلاجقة والأسلوب السلجوقي، يعود إلى
النصف الثاني من القرن الثاني عشر الميلادي. وأما أجددها فيعود إلى
النصف الثاني من القرن الخامس عشر الميلادي.
4 – الزخارف النباتية:
ويطلق على هذا الأسلوب الذي يصادف أقل من غيره "خطائي". والأنماط
النباتية التي تستخدم في كثير من الأحيان على نحو تراكمي دون أن
يتضح أصلها، عادية في مظهرها لدى سلاجقة الأناضول. وقد استمر هذا
النمط من الزينة في تطوير نفسها في عهد الإمارات [التركية]، ووصل
إلى قمة ثرائه في العهد الكلاسيكي للفنون العثمانية. وتصادف
الأنماط النباتية - التي تستخدم أكثر ما تستخدم في داخل الأغلفة في
جلود السلاجقة - في المقالب أيضاً. وأقدم النماذج في ذلك يعود إلى
أواخر القرن الثالث عشر الميلادي.وقد استخدم في المقلب ومع الرومي.
5 – الزخارف المتداخلة معقدة الحبك:
بالمقارنة بالجلود التركية الأخرى، فإن زينة تظهر بكثرة في تجليد
سلاجقة الأناضول، هي الحبك المعقد والمتداخل. وهذا النمط من الزينة
الذي توجد أشكال متعددة منه، يظهر في أرضية الشمسات، وفي الحوافي
والبراويز، وبين مجموعات النجوم الهندسية، ولا سيما في المقالب وفي
الزوايا.
6 – الزخارف الكتابية:
إن الأتراك الذين أصبحوا أكبر ممثل للفنون الإسلامية بعد قبولهم
بالإسلام، رأوا كتابة القرآن الكريم عنصراً للزينة في التجليد، كما
في الفنون الأخرى. وقد استخدموا على وجه خاص خط الثلث والنسخ
والكوفي في داخل الشمسات، وفي الجنازير، أو في الزوايا، وفي الرأس،
وفي داخل الأغلفة.
وإضافة إلى تلك الأنماط الأساسية في الزينة، هناك
أنماط أخرى أيضاً. مثل: النقطة، خرشفة السمك، الصليب المعقوف، وجرق
فلك، وجنزير السعادة، الهلال، وكلجه، زقزاق، لقمة البقلاوة، فرفر،
دورة الشمس..إلخ.
التجليد في العهد العثماني
في القرن الخامس عشر الميلادي (العهد المبكر):
إن القرن الخامس عشر الميلادي هو المرحلة
الانتقالية من تجليد سلاجقة الأناضول إلى التجليد العثماني. وأولى
نماذج التجليد العثماني باقية من عهد السلطان محمد الفاتح. ويظهر
عليها تأثير سلاجقة الأناضول بشكل واضح. إلا أن الكتب التي كتبت
بشكل خاص لمكتبة السلطان محمد الفاتح، تشكل أسلوباً مستقلاً، أضفى
على فنّ الكتابة التركية في ذلك العهد ذلك الطابع المستقل، بخطها
وتذهيبها وتجليدها بل حتى بورقها، وأصبح ذلك باكورة لفن جديد. وعلى
الرغم من أن تجليد عهد السلطان محمد الفاتح شبيه بما صُنع في عهد
التيموريين وقره قيونلر وآق قيونلر والعهد الأخير من المماليك، إلا
أن الأسلوب مختلف. وعهد السلطان محمد الفاتح هو عهد الارتقاء
للتجليد التركي. وأول نقابة التجليد أيضاً أنشئت في عهد بايزيد
الثاني متزامنة مع ذلك الارتقاء. والنقوش البارزة على غلاف إحدى
كتب نماذج هذا العهد المذهبة، والزخارف المحددة بـ[آلة] التبر،
تبين بوضوح نتاج ذلك العصر من فن التجليد الرائع الذي لا يمكن
العثور عليه لدى الآخرين على الإطلاق. وقد استخدمت تقنية مختلفة في
عمل الغلاف الداخلي لهذا العهد. وهذه التقنية هي تزيين الغلاف
الداخلي – المضاد في لونه للغلاف الخارجي - بالصبغ أو الذهب. كما
توجد أغلفة داخلية من نوع القطع. إلا أنها ليست ذات ألوان كثيرة
مثل التجليد التيموري أو الصفوي؛ بل تحوي في الأرضية لوناً أو
اثنين فقط. وعلى الرغم من وجود الشمسات المدورة أيضاً إلا أن
الغالبية العظمى بيضاوية.
وإضافة إلى وجود جميع درجات اللون البني في هذا
العهد، استخدمت أيضاً جلود من اللون الأحمر، والعنابي، والكحلي،
والبنفسجي، والنفطي، والزيتوني، والطحيني، والأسود. ويصادف بعض
منها بشكل خاص في الأغلفة الداخلية. وكان يزين تلك الجلود - على
الأغلب – المتداخلات من نوع: الأوراق الثلاثية (سبرك)، والبراعم،
وورق العطر، والغيم، والتلة، والبنج، والخطائي، وأورتاباغ،
والأسياخ، والزنبق، والورد، وغير ذلك من المتداخلات. ولا توجد
المناظر ولا الزخارف المعقدة ولا المنمنمات. وإضافة إلى صناعة
الجلد في القرن الخامس عشر الميلادي، فقد صنع فيه أيضاً تجليد من
اللاك والقماش.
القرن السادس عشر الميلادي (العهد الكلاسيكي):
إن القرن السادس عشر الميلادي، هو القرن الذهبي للدولة العثمانية
في صناعة التجليد، كما هو كذلك في سائر المجالات الأخرى. ولذلك فقد
أخذ لقب العهد الكلاسيكي. والتطور الذي حصل في فن التجليد، مرتبط
بالتطور الذي أحرزته صناعة الجلود العثمانية التي تمكنت من إنتاج
كافة الألوان. وفي هذا العهد الذي نشأت فيه أساليب محددة، لا تغطي
الزينة كافة السطح، على عكس التجليد الإيراني. وقد أصفي نوع من
الجمال على التجليد من خلال الشمسات المفصولة من تحت أو فوق.
والشمسات في هذا العهد بيضاوية فقط. وعلى الرغم من أن المساحة
الواقعة بين الشمسات الناتئة البارزة وبين الزوايا أبقيت فارغة على
الأغلب كما هو الأمر في تجليد القرن الخامس عشر الميلادي، إلا أنه
قد صنع في بعض الأحيان تجليد ملئت فيه تلك المسافات الفارغة
بالزخارف الناتئة والمذهبة الملمعة الشمسات. والملفت للنظر في هذا
العهد الأغلفة المصنوعة من القماش التي توحي بأنها من الجلد،
والأغلفة المصنوعة من الجلد التي توحي بأنها من القماش. وداخل
الأغلفة استمرار للتقليد المتبع في القرن الخامس عشر الميلادي.
وتوسعت الزخارف الجانبية في هذا العصر، ووضعت في داخلها الأشكال
المدورة أو البيضاوية. وعلى الرغم من استخدام أشكال القرن الخامس
عشر الميلادي في الزينة، إلا أن الأغلب الأعم فيه هو استخدام ما
كان متحكماً في كافة فنون العهد الكلاسيكي، وهي وردة الرمان،
والوردة السداسية، والغيم، ولا سيما ورق الشنيل.
القرن السابع عشر الميلادي:
وقد تزامن مع توقف الدولة العثمانية توقف في الفنون والصناعات، كما
يُحس ذلك في فن التجليد أيضاً. ليس هناك أي تغيير في التقنية. إلا
أن التأخر واضح؛ سواء في تركيب العناصر، أو في تزيين الأشكال. وقد
ألغيت في قسم من الأغلفة الزوايا والإطارات، وتحولت الشمسات إلى
مستطيلات، وفي بعضها إلى أشكال بيضاوية، وبدلاً من وضع الإطارات في
المحيط، وضع فيه الجنزير. أما النماذج التي بقيت تابعة للطراز
الكلاسيكي، فقد كبرت فيه سعلبك [أي الفراغات] واقتربت من الزوايا.
وقد وجد فيها عدم التلاؤم بين الزخارف المنقوشة على الشمسات
والزوايا وبين المنقوشة على الإطارات. ويظهر في هذا العصر أيضاً
تأخر في العمالة. إلا أنه على الرغم من كل ما سبق فإن تجليد هذا
العصر قد حافظ على أصالته من حيث مفهوم اللون. ولم يستخدم فيه
اللون الذهبي والألوان الندية الأخرى بشكل عشوائي، ولذلك فلم يبتعد
عن التذوق الفني.
القرن الثامن عشر الميلادي:
وفي هذا العصر وبعد عهد التوقف الفاصل، رُجع إلى نماذج العهد
الكلاسيكي الجيد. وصدرت أعمال رائعة في عهد السلطان أحمد الثالث،
ولا سيما بتشجيع داماد إبراهيم باشا نوشهرلي. وإضافة إلى الأسلوب
الكلاسيكي فقد ظهرت تقنيات وأساليب جديدة للتجليد في هذا العهد.
منها: تجليد اللاك: وهذا النوع من التجليد الذي ظهرت نماذج
جميلة منه في القرن السادس عشر الميلادي، وتعرض مثل غيره من أساليب
التجليد لعهد التوقف في القرن السابع عشر الميلادي، ظهر إلى الساحة
من جديد بنماذج كثيرة ومتنوعة بدءاً من الربع الأول من القرن
الثامن عشر الميلادي. وأكبر معلّم لأسلوب اللاك هذا هو علي
الأسكوداري، الذي يلقى القبول بين الباحثين. تجليد النقوش
الواقعية: وظهر من هذا النوع من التجليد أسلوبان، أولهما:
زردوز، والثاني بالتقنية الكلاسيكية – والنقش الواقعي. والنقوش
والزخارف في هذا الأسلوب الثاني كلاسيكية في طرازه. تجليد يك
شاه: وعلى الرغم من أن هذا الأسلوب كلاسيكي إلا أن التقنية
جديدة. والتجليد المزخرف بذي البهار قد صنع بهذه التقنية في القرن
السابع عشر والثامن عشر الميلادي. تجليد باروك – روكوكو:
بدء في النصف الثاني من هذا القرن بصناعة تجليد يعرف بـ باروك –
روكوكو ذي تأثير الزخارف الأوربية. وقد رسمت هذه الزخارف على الجلد
بالفرشاة. ويظهر في بعض نماذج هذا الأسلوب مسحات من الكومباظ
المعروف بـ تَبَر. وقد حافظت الشمسة - التي هي الشكل الأساسي على
أغلفة تجليد العهد الكلاسيكي – وكذلك الزوايا على أهميتهما، وبدلاً
من الزخارف الاعتيادية، ظهرت زخارف الورود الواقعية والأوراق، كما
ظهرت نماذج معاكسة له تماماً.
القرنان التاسع عشر والعشرون الميلاديان:
وفي الوقت الذي استمرت فيه صناعة الأغلفة الجلدية
الكلاسيكية في القرن التاسع عشر الميلادي، فإن تجليد أسلوب يك شاه
وباروك-روكوكو للقرن الثامن عشر لقي رواجاً أكثر. وفي الحقيقة فإنه
لا يمكن الحديث عن أي نوع من الأساليب أو مدارس التجليد للعهد
الأخير من التجليد التركي الذي انقطعت فيه الصلة بين الأصول
الجديدة للتجليد وبين العهد الكلاسيكي. والزخارف الموجودة على
الأغلفة صنعت بعض منها حسب الأساليب التركية القديمة، والأغلب منها
بقي متأثراً بالتجليد الألماني والفرنسي. ومن أنواع التجليد التي
ظهرت في الفترة الأخيرة من خلال استخدام أدوات الضغط الحديثة في
أغلب الأحيان: جلد أبليكة، جلد روليف، قماش نصف جلدي، نصف جلدي
مجزع أو منقش، الجلد الصناعي، المغلف بالورق.
|