قصة قصيرة

أشرف الصباغ

المُبْتَسَرون

قال سميح ومنتصر وأنس الديب إنهم التقوا معه مساء الأمس. وقالوا إنه كان مرحا خفيـف الظل، حكى ثلاثين نكتة دون توقُّف عن الجنس والسياسة والحشاشين واللوطيين، وتكلَّم بعد ذلك عن الحداثة وما بعد الحداثة والواقعية السحرية وإبراهيم فهمى، ودمعت عيناه عندما عرف أن عمر نجم قد مات. قالوا أيضا إنه ظل يضحك طوال الليل، وقرب الفجر عانقهم جميعا كما لم يفعل من قبــل، وانصرف.

أكَّد زكريا عبدالحميد ضاحكا، رغم الحادث المؤسف، أنه اندهش عندما رآهم مجتمعين لأول مرة منذ عشر سنوات. وأضاف فى حزن بأنهم كانوا قد تفرَّقوا، انفرط عقدهم، فذهب واحد إلى السعودية، وسافر الثانى إلى موسكو، ورحل الثالث إلى الصفحة الدينية بجريدة الوفد. أما الرابع فانشغل بمرض القلب الذى أصابه فجأة وترك السينما إلى أجل غير محدد. ولكن-قال زكريا عبدالحميد-أن أراه مع سميح ومنتصر جابر وأنس دفعة واحدة، فهذا ما لم أكن أتصوَّره إطلاقا. وردد زكريا مبتسما فى أسى: يبدو إننى حسدتهم. فى هذه اللحظة بالذات، عندما اصفر وجه زكريا الرفيع الطيب، أبعد ممدوح السجينى مبسم الشيشة عن فمه مُطلِقا خيط دخان رفيع متوتر دون أن يتكلَّم، وراح يفكر فى إخراج فيلم وهمى بالاشتراك مع سميح منسى المشغول بمرض القلب ويوسف شاهين وتاركوفسكى، وبأشياء أخرى أكثر وهمية.

قال محمد جبريل .. كان عندى بالبيت عصر الأمس-ونظر إلى زوجته التى كانت تبكى فى صمت مذعور-عاتبتُه على بعض الأشياء، وعلى تشتيت طاقته، وصياعته على القهاوى، وظننتُ أنه فهمنى عندما أوضحتُ له بأنه ليس المسيح المُنتَظَر ... مش كده، يا زينب؟! ردت زينب العسَّال من بيـن دموعها: كان عارف إنك بتحبه، يا محمد. واستغرقتْ فى نشيج مكتوم. أضاف جبريل بأنه ظل يضغط عليه حتى جاء الضغط بنتيجة إيجابية. وردد فى عصبية: شئ غريب .. حاجة تقرف. أما سعد القرش فقد هز رأسه فى هدوء وقال: رأيته مرة واحدة، كان طبيعيا للغاية، حتى إننا تحدثنا عن الأسرة والمستقبل والناس، بينما انصرفت فاطمة نصر بين البكاء والاكتئاب قائلة: جاءنى صباح الأمس مكتئبا وحزينا، كان الألم باديا على ملامحه، لكنه لم يفصح .. اتفوو.. ه . وراحت تمسح دموعها على الدرج .

الشىء الذى لم يعرفه أحد أنه ظل طوال الفترة الأخيرة يشم روائح غريبة وكريهة ومقززة ويسمع أصوات شخللة معادن أثناء نومه ويقظته، يرى أشياء غريبة، وأشكالا بشرية عارية وممسوخة فى صحواته وأحلامه. أما الشىء الذى لن يعرفه أحد إنه بعد أن ترك أصحابه قبيل الفجر بقليل، سار إلى البيت، فهاجمته الرائحة بشدة، وتعالى صوت شخللات المعادن، كاد يصم أذنيه ويدفعه إلى الصراخ فى نفس الوقت الذى تجمَّعتْ فيه كتل بشرية عارية بوجوه ممسوخة، بدون جماجم، وبعضها بجماجم كأنما داست عليها قطارات ثقيلة، حاصرته من جميع الجهات، سدتْ عليه الطريق، مزَّقتْ جسده، تسللتْ إلى الداخل، قفزتْ إلى رأسه، غرستْ مخالبها، انتزعتْ ما بداخلها، ألقتْ بها على كومة قمامة من الأكوام المتكدِّسة على الرصيف، وراحت تبول عليها فى سعادة غريبة.

فى عتمة الفجر الكاذب الموحشة، وفى هدأة الظلام المُخَيِّم على الشقة الصغيرة الضيِّقة، وعلى الأجساد المستلقية كيفما اتفق، هبتْ زوجته من نومها على رائحة شياط واحتراق لحم حى، وكانت النار تتسحب فى هدوء نحو رأسه الكبير الضخم، وفى عينيه اللامعتين تعبير لم يره أحد من قبل.