|
انتحار العقارب
أو
لحظات متشردة تداهم القلب
مثلما داهمته-من قبل-السنوات
والخيانات،
وأدماه الحب والكره والحسد،
وعصف به العشق،
وما ظل به سوى الهوى الذى
أضله فأورده مقامات الهالكين
لا تسخر أيها الوغد، فليس
حولنا أحد. أنا وأنت فقط. إنها مجرد مواجهة عابرة بين صديقين
حميمين عاشا معا ما يقرب من الستين عاما، سكرا بالزمن
وبالتاريخ وبعبق النساء، داهمتهما السنوات والخيانات،
وأدمتهما صفاقات النساء والأصدقاء، ولا يمكن لأحدهما التخلى
عن الآخر أو الانفصال عنه. هل تتمرد علىَّ بعد أن أجهزتَ أنت
عليها، وقمنا معا بتشييع جنازتها ودَفْنِها منذ عشرات
السنين؟ هل تتمرد على صاحبك الذى رافقك، منذ الولادة، إلى
أسفل موارد الهالكين؟ هل تريد التخلص منــى-هكذا-بسهولة وقد
عصف بنا يوما ما العشق الذى لا يرتوى؟
لماذا لا تتكلم يا صاحب كل
أعدائى؟ "لا توجد أسرار بعد سن الخمسين"-هكذا قال أحــد
الكُتَّاب. إذن فتكلم، قل شيئا، ناقشنى. أم إنك ما زلت تؤمن
بعدم وجود صداقة بعد سن الثلاثين؟ ولكن هذا خطأ يا صاحبى:
خطأ يقارب الضلال، لأن الصديق الحقيقى هو من تكسبه بعد
الثلاثين. فهو لا يعرف مَنْ أنت، ولا يعرف كيف تكوَّنت
شخصيتك الفردية. لم يلعب معك فى الشارع، ولم يجلس إلى جوارك
فى المدرسة. أصدقاء ما قبل الثلاثين هم مجرد عدد، وتحصيل
حاصل. يشكلون عبئا نفسيا عليك، ويذكرونك بكل ما يجب أن
يُدْفَن من تاريخك. ومع ذلك، لا أستطيع التخلص منك. فأنت
قدرى ومصيرى، وكل منا محكوم بالآخر.
لا تضحك يا وغد..لأنك أنت
الذى وافقت هذا الكاتب وهمست لى فى حكمة: "فعلا، لا توجد
صداقات حقيقية بعد سن الثلاثين". وصَدَّقتُك! لأننى اكتشفتُ
فجأة سذاجتى، أدركتُ أن الأفكار لا تغير شيئا، والمبادئ ليست
هى الدرع الواقى أمام تقلبات الزمن. ولكنك أنت ما زلت أنت:
خبيثا ومراوغا. يمكنك أن تبيعنى بثلاثين فضة كما بعتها فى
يوم ما مجاناً. هل تنوى التوقف، أم تريد التراجع؟ يمكنك أن
تتوقف كما يحلو لك، وفى الوقت الذى تريده فهذا من حقك،
وفى-ربما-مقدرتك. ولكنك لا تستطيع التراجع أو العودة لأسباب
كثيرة!! أهمها، أننى لم أعد أملك غيرك. وإذا توقفت أنت، فسوف
تتوقف حياتى، ومن ثم علينا أن نجد حلا وسطا!
طبعا ما أجمل أن تتراجع
وتعود سيرتك الأولى حتى أعود معك إلى الأمس البعيد… أعود إلى
صور أبى وأمواله ومجده وشرفه. أرى الناس من كل جنس وملة حوله
يهنئونه بقصيدته الجديدة، يهتفون باسمه فى مظاهرات الطلاب
والعمال! ويحتفون بى وباخوتى فى غيابه-بالسجن.
السجن؟!… ما أعذب هذه الكلمة
وما أجمل أن تلفظها مقرونة ببعض الشتائم والأسباب والكلمات
الغريبة حتى يبتسم لك الناس ومعارف أبيك ويقولون: ابن الوز
عوَّام!
لا تضحك يا وغد..
لقد لعبناها معا. لا
يمكننى-طبعا-ألا أشكرك. ولكننى-مع ذلك-رددت لك الجميـل
مضاعفا. هل نسيت النساء الجميلات؟ نسيت المصايف والفنادق
والنزهات والسفر والسياحة والأكل الشهى والخمر الزمام؟ أم
تراك نسيت الشهرة والمجد على صفحات الجرائد والمجلات وشاشـات
التلفزيون، وفى الإذاعات؟
لا تغضب يا صاحبى وصاحب كل
أعدائى.. الشهرة والمجد كانا لى، ولكنك يا رفيق عمرى كنت
دائما صاحبى ونديمى وجزء منى. أنا بنفسى قرأتُ لك ما
كانوا-وما زالوا-يكتبونه عنك باعتبارك صاحبى الأقرب الذى
أطلق شرارة الإبداع فاشتعلتُ أنا قصصا وقصائد ومقالات ورسائل
إذاعية وتلفزيونية.. هل تعتقد أننى لم أكن أفهم حيلتك منذ
البداية؟! واهمٌ أنت يا صديقى! لقد أدركتُ أنك تريد التخلص
منها، فالروح بالمعنى الأخلاقى مجرد عائق يمكنه أن يدمر أية
إمكانية إبداعية، والأمثلة كثيرة. الضمير أيضا، بالمعنى
الأخلاقى، مجرد عائق. ولكن، وافقنى يا صديقى، أحيانا نكون فى
حاجة إلى الروح والضمير، وكل تلك الأوهام الأخلاقية، من أجل
إنجاز فترة من حياتنا بالشكل الذى يعود علينا بنتائج يمكننا
أن نستخدمها قاعدة انطلاق للمرحلة التالية. هنا مربط الفرس.
لا تنظر إلىَّ هكذا.. فكل ما
أردته هو أن أفعل مثلما كان يفعل أبى، أن أكمل طريقه الثورى
من أجل الناس، الشعب، البسطاء والمهمشين، مادام الناس هكذا
كانوا-وما زالوا-يقدرونه حق قدره. وبعد ذلك أردتُ فقط أن
أكمل ديكورات الشقة الثالثة، وأثبت لزوجتى الثانية أنها خسرت
الكثير حينما رحلت بالأولاد ولم تقدرنى حق قدرى.
كانت-الملعونة-تظن أنها تعرف كل شئ، كانت ثورية أكثر من
اللازم، وكانت تعيش أوهام المجد والضمير والبسطاء. أ تَذْكُر
يا صاحبى عندما…
لا تضحك يا وغد… فأنت
السبب..
ما ذنبى فى أن
أبى-كان-مناضلا من أجل حقوق الفقراء؟ ما ذنبى فى أنهم
يقدرونه حق قدره كفنان وشاعر وثورى؟ ألا تذكر عندما كانوا
يغلقون فى وجوهنا الأبواب والنوافذ وكل طاقات النور؟ هل تذكر
عندما كان أولاد الأفاعى يسدون كل المنافذ أمام لقمة العيش؟
ولكن السنوات قذفت بأحباب أبى ومريديه إلى القمة: قمة
الجرائد والتلفزيونات والإذاعات ودور النشر، فما ذنبى أنا فى
أنهم بمجرد أن يلمحوا اسم أبى تنفتح الأبواب، وتنفشخ الأفواه
عن ابتسامات عريضة. أعرف-كما نبهنى أبى-أن أكثرهم ينافقون،
والباقى منهم يلعبون لعبة كان أبى نفسه يتقنها. إذن فلماذا
لا أتعامل معهم بنفـس المكيال، والسن بالسن والعين بالعين
والقرش بالقرش والبادى أظلم وما ظلمتُ أحدا أو سلبته شيئا؟!
إنها النسبية التى علمها لى أبى وعلمتك إياها..
أتضحك مرة أخرى!!
هل تريد أن تقول لى إنك تعرف
كل شئ؟ إذن فأنت تدفعنى إلى خيانتك. أمامى الآن كأسان:
الأولى بها ويسكى، والثانية من أجلك أنت: بها دواء القلب.
يمكننى أن أشرب الويسكى فقط، وعندئذ قل على نفسك يا رحمن يا
رحيم. ويمكننى أيضا أن أشرب الثانية بعد الأولى، فنظل صديقين
إلى أبد الآبدين، ومهما تداهمنا السنوات واللحظات المتشردة…
لا تضحك لأنها ليست غلطة. الأمر كله يتلخص فى أن الكعكة فى
يد اليتيم عجبة. هم يحسدوننى على مجد أبى، يحقدون علىَّ بسبب
أشياء كثيرة أنت تعرفها، وهم أيضا يعرفونها: ثلاث شقق فقط-لا
يهم تمليك أم بالوراثة. لكننى والحق-لك
أنت فقط-يقال ورثتُ واحدة عن
أبى واشتريتُ اثنتين بعرق جبينى وجهدى وكدى ليل نهار. وسيارة
لزوجتى الثالثة-التى هى معى الآن-، وسيارتى الجديدة: الأولى
اشتريتها بحر مالى، والثانية هدية من رجل لا أعرفه-أى
والله-قضيتُ له بعض الأشغال بعد أن أعجبته مهارتى الصحفية
وأفكارى الوطنية. ليس لدىَّ أكثر من ذلك. وللأمانة-معك أنت
فقط-فهناك بعض الأموال فى البنك، وبعض الأسهم والمستندات
وبطاقات الائتمان، وربما كريدت كارات أو اثنين. وحتى لا أكون
كاذبا-معك فقط-فهناك كم قطعة أرض لا يتعدى مجموع مساحتها
أكثر من عشرة أفدنة تزرع كلها فواكه فقط.
لم تكن غلطة-يا صاحبى-فهم يبالغون فى الموضوع. يتصورون أننى
خنتُ المبادئ التى عمل من أجلها أبى، وضَيَّعْتُ أنا عمرى فى
سبيلها. يظنون أننى خنتُ الفقراء والجماهير العريضة، بل
ويشيعون أننى انتهزتُ الضربة الأخيرة للعراق وأذعتُ بعض
الرسائل لحساب إذاعة "الحرية".
أرجوك لا تضحك هكذا..
القضية أن العالم قد تغيَّر، وأن الصحافة-كما علمنى أبى-شئ
والمبادئ والنضال شئ آخر، والحياة الشخصية وتسليك الأمور شئ
ثالث تماما. ومع ذلك فلو كنتُ أعرف أن أمريكا ستضرب العراق،
لرفضتُ العمل-وأقسم لك برأس أبى الطاهر-مع هذه الإذاعة.
أنظر… ها هو العقد الذى وقعتـه معهم، أنظر… لقد فسخته. نعم،
أوافقك على أننى اشتغلتُ معهم بعض الوقت، لكننى اكتشفتُ أنهم
لا يحافظون على وعودهم، ولا يحترمون العقد، بل ويخصمون حتى
عمولات التحويل من المكافأة. عالم عفنة!
-إذاعة الكويت يا حمادة..
-أنا مشغول، أكتب الآن قصة..
... "ولما انتهت الضربة الأمريكية المفاجئة
التى وإن دلت على شئ فإنما تدل على عشق الشعب العراقى لزعيمه…
"
لا تضحك يا وغد..
المسألة إننى لم أكتب قصصا
منذ زمن طويل. اللعنة على تلك الصحافة والمراسلات التى أبعدت
الوحى عنى وجعلته يهبط على غيرى من هؤلاء الأولاد المفاعيص
أصحاب الحداثة وما بعد الحداثة. هم أيضا أوغاد يقلدون
كونديرا وإدوار الخراط وهذا الإيطالى إيكو ، ويحكون عن
أشياء غريبة. الأدهى والأمر أنهم اخترعوا أيضا كتابة البنات.
أى بنات وأية عفاريت!! الواحدة منهن تكتب عن، لا تضحك يا
عفريت…
-تليفون يا حمادة..
-مَنْ؟
-إذاعة قطر..
-اللعنة على كل تلك
الإذاعات..
عشرة أسابيع لا أستطيع إنهاء
القصة. إن البداية مباشرة جدا وإنشائية. اللعنة على الصحافة
وأيامها السوداء. لا يمكن أن تبدأ قصة قصيرة بهذا الشكل. كيف
يكتب هؤلاء المفاعيص؟! ومن أين يأتون بالأفكار، أو بتلك
اللغة والكلمات؟ إنهم، أولئك الأوغاد، يستخدمون العامية
ويدَّعون أنها لغة مستقلة، يريدون تدمير العروبة واللغة
العربية، لديهم توجهات عولمية صهيونية، والعجيب أن البنات
أيضا-حتى البنات-يكتبن بشكل…
لا تضحك يا حقير.. هل تريد
أن تقول لى إننى لا أستطيع كتابة القصة القصيرة؟ هل تريد أن
تدخل فى رأسى أنهم أوهمونى-كرامة لمجد أبى ونضاله-إننى فنان
وكاتب ومفكر؟ هل تعتقد أن لقب "الكاتب والأديب" الذى يسبقون
به اسمى فى الصحف والمجلات غير صحيح؟ لا تريد ذلك؟.. إذن
فماذا تريد يـا خبيث؟
ماذا؟! الأولاد يكتبون بشكل جيد؟ حتى البنات أيضا؟! لا يهم،
أعرف أنك تمزح. ولو كنت أشك لحظة فى ذلك لشربت كأس الويسكى
هذا وقذفتُ بك إلى الجحيم.
-تليفون يا حبيبى..
-من؟
-إذاعة دبى..
-هذا غير ممكن..
لا تظن يا صاحبى، وصاحب كل
أعدائى أننى أكره المرأة أو أحتقرها. معاذ الله. لقد كان أبى
دائما-وأنا طبعا من بعده-من أنصار المرأة وحقوقها. أ لا تذكر
مغامراتنا مع النساء! ولكن هؤلاء البنات اللعينات يكتبن
الشعر والقصة والرواية ويترجمن، بل ويكتبن أيضا رسائل
الماجستير والدكتوراه. الغريب أنهن صغيرات السن، بلا تاريخ
أو ثقافة. أما أنا… فتاريخ أبى يشهد لى بالموهبة. ليس فقط
تاريخ أبى وسمعته، وإنما كل أصحابه من الكتاب المشهورين. لقد
بدأتُ الكتابة فى سن السادسة عشرة..
ماذا ؟! ماذا يا خبيث؟!
يبدأون الكتابة فى سن السادسة؟
أ لم أقل لك إنك حقير وتصطاد
فى الماء العكر! إننى أقصد كتابة الشعر والقصص وليس القراءة
والكتابة الأبجدية..
عليك اللعنة، لقد نسيت عما
كنتُ أتحدث. آه، نعم تذكرتُ.. عن هؤلاء الأولاد والبنات
الجدد الذين يتصورون أنهم يضيفون إلى الأدب العربى،
ويَدَّعون أنهم لم يتربوا على نجيب محفوظ وتوفيق الحكيم
ومحمد حسين هيكل والعقاد والفطاحل الكبار، وأفسدوا الأدب
العربى والقومية العربية بتلك الأساليب والنزعات التى تمثل
غزوا ثقافيا وانحطاطا إمبرياليا لا يخدم سوى العولمة
والصهيونية وسوف يزول كله مع الزمن. ولكن ماذا لو كان هذا
الزمن قد أدار ظهره؟! ماذا لو كان العالم قد تغيَّر بالفعل؟!
يا خبـر أسود!
ماذا؟ لا تضحك يا حقير، كرر،
ماذا قلت؟
المسألة ليست فى ذلك، ولكن
العالم يتغيَّر. وبالله عليك، ماذا فى إذاعة الحرية؟ وما
العيب فى العمل الصحفى الخالص بدون أفكار أو توجهات؟ هل هناك
ما يثبت أن المخابرات الأمريكية هى التى تموِّل هذه الإذاعة؟
إنها مجرد إشاعات أطلقتها أبواق وسائل الإعلام المغرضة،
وربما سربتها المخابرات الأمريكية نفسها من أجل أن توهم
العالم أن كل شئ بيدها. صحيح أن الكونجرس الأمريكى قد وافق
على مائة مليون دولار لإسقاط النظام العراقى، ولكن ليست هناك
وثيقة واحدة تشهد بأنه قد تم تخصيص جزء من هذا المبلغ لإذاعة
الحرية. هذه الإذاعة مثل أية إذاعة أجنبية أخرى. وبالطبع،
فهناك فرق بينى وبين هؤلاء الذين يتعاملون مع السفارات
الأجنبية والمراكز الثقافية. فأنا عملتُ براتب ولمدة غير
طويلة: أديتُ عملا مقابل راتب. أما هؤلاء الذين يذهبون إلى
تلك السفارات والمراكز الثقافية، عملاء حقيقيون يقبضون
الأموال. والأسوأ منهم، هؤلاء الذين يتعاملون مع المؤسسات
الأجنبية التى يمولها اليهود، ولا يخفى عليك أن اليهود
يمولون: العولمة والمؤسسات المدنية وحقوق الإنسان والتطبيع.
ولكن لا عليك يا صاحبى، أ لم يقولوا أن عصر الأيديولوجيات قد
انتهى وعفا عليه الزمن؟ ومع ذلك فبعد أن تركت العمل بهذه
الإذاعة نظَّمتُ مظاهرة ضخمة أمام السفارة الأمريكية احتجاجا
على ضرب الشعب العراقى وحصاره، حتى لا يدَّعى عملاء السفارات
والعولمة والمؤتمرات الدولية والمؤسسات المدنية وحقوق
الإنسان أننى تنازلتُ عن مبادئى أو خنتُ القضية. وإذا كان
عملى بهذه الإذاعة الملعونة خطأ، فاشتراكى فى المظاهرة لا شك
خطوة صحيحة، والحسنة دائما تمحو السيئة.
-حمادة، يا حبيبى، إذاعة
مونت كارلو، والخط الثانى عليه الجريدة من لندن..
يبدو أن هذه القصة لن تتم.
ربما يكون الوقت غير مناسب. الأفضل أن أضع المسجل الصغير تحت
المخدة حتى يمكننى اصطياد الأفكار التى تهبط علىَّ أثناء
النوم.
|