|
قصة قصيرة
أشرف الصباغ
من مقامات الألوان والظلال
للون الأسود بهجته. فهو لون
الغم، والهم، والحزن. وإذا كانت لهذه الأحاسيس بهجة، فهى
دوما له، هو المعزول، والمضطهد، والمصاب بالهوس والتوجس،
والملاحقة، والحسد.
-ما هذا الصباح الرمادى
العفن؟!-قال فى نفسه. وقال أيضا أن الصباحات كلها صارت
متشابهة: مليئة بالشرور، ومسيجة بالمؤامرات، وحبلى بمفاجآت
نمل الله المنتشر يسعى لقطع الأرزاق والأعناق، واغتصاب ما
تبقى من ذكريات.
أزاح الستار الأسود. ظهر
العالم من وراء النافذة الزجاجية رماديا فعلا، والسماء
مكفهرة، ولا طير فيها. ضغط على الزر الأسود بالجدار البنى
الداكن. انتشر ضوء خافت، من المصباح الوحيد المعلق فى السقف،
أقرب إلى العتمة منه إلى النور:
-هه، حتى أنت يا بروتس!!
اتجه فى آلية إلى المطبخ.
وفى آلية تمددت العضلات وتقلصت، وانفتحت أبواب وعلب
وبطرمانات، وتعالى صوت غليان مياه، وتصاعد بخار، ثم تقليب.
هنا فقط أصبحت قهوة الصباح السوداء جاهزة.
-ماذا يمكن أن يكون فى الصحف
اليوم؟ تساءل. وأجاب: مثل الأمس، وأول أمس، وغدا، وبعد غد.
-التلفزيون هو الحل-قال فى
ملل واضح، ثم استدرك: أذناى ليس لديهما رغبة فى سماع أى شئ.
حمل فنجان قهوته الأسود
عائدا به إلى الصالة الصغيرة. والصالة الصغيرة هذه عبارة عن
مستطيل بعرض ثلاثة أمتار، وبطول يزيد عنها قليلا. مدهونة
بلون قاتم عجيب بين الأخضر والبنى الفاتح، إلا أن المكتبة
الخشبية ذات الأرفف المعلقة كانت تعطى تلك الجدران لونا
أسود، وخاصة فى الصباح، أو تحت ضوء المصباح الكبير المعلق فى
منتصف السقف، والمغطى بطبق معدنى كان فى السابق ذو لون شفاف
عاكس، وصار أسود بفعل انعكاس صورة السجادة السوداء.
دخل إلى الغرفة. أسدل
الستارة، وأطفأ المصباح. اتجه نحو نافذة الصالة. فتحها. نظر
إلى الشارع، ثم زفر فى ضيق:
-صباح مثل الخراء. أين يذهب
كل هذا النمل فى ذلك الوقت المبكر. هه، يعملون! لا أعتقد.
جر طاولة خشبية صغيرة ذات
لون بنى قاتم. حمل جهاز التليفون ووضعه عليها. وضع إلى جواره
فنجان القهوة. اضطجع على الأريكة الضخمة. مد يده ليضبط
المسافة بينه وبين الطاولة بحيث يكون كل شئ فى متناولها. عقد
ذراعيه على صدره، وبحلق فى السقف الملون.
* * *
فى يوليو 1996 قال لى رفعت
السخاوى أن ماجد الحلوانى يكرهنى. كنتُ أعرف أن ماجد يعانى
من مشاكل أسرية، ومن بعض المصاعب فى العمل. انتهى كل ذلك
بانفصاله عن زوجته، وبطرده من عمله. ورغم العلاقة الطيبة
التى كانت تربطنا، لم أستطع التغلب على غضبى منه، والاتصال
به، أو إبداء أية رغبة فى مساعدته أو حتى التعاطف معه فى
حالته تلك. وفى فبراير 1998، أكد لى على الصاوى أن رفعت تحدث
عنى بشكل غير لائق بين مجموعة من الأصدقاء. واتهمنى بالتزلف،
وبأننى على استعداد لتأجير مؤخرتى مفروشة فى سبيل الحصول على
مصالحى. أزعجنى هذا الكلام، وقاطعت رفعت السخاوى إلى الأبد،
حتى إننى رفضت مصافحته عندما مد يده ذات مرة لمصافحتى. ولكن
كيف يمكن لشخص تافه مثل السخاوى أن يتحدث عنى بهذا الشكل!
إنه وغد، وابن..
-آلو.. آلو.. صباح الخير..
رفعت موجود؟
هذا الحقير لا يرد على
التليفونات. أنا أعرف إنه بالبيت الآن. لا يهم، سأتصرف.
-آلو.. آلو.. صباح الخير.. كيف حالك يا
على؟ عندك رقم تليفون رفعت
السخاوى فى العمل؟
-خير اللهم اجعله خير؟
-هل تذكر ما قلته لى عام 98
عن السخاوى؟
-لا.
-كيف؟ لقد قلت لى إنه تحدث
عنى بشكل سيئ، وسبنى.
-عام 98 هذا كان فى القرن
الماضى. وأنا شخصيا لا أذكر إننى قلت لك كلاما على لسان
رفعت.
-لا، قلت لى. وفى يونيو 2003
أكد هذا الكلام أحمد رأفت.
-إذن اتصل بأحمد رأفت ليعطيك
رقم تليفونه.
كنتُ أعرف دائما أن على
الصاوى كذاب ومنافق. وعموما فقد تأكد الكلام، ولا بد من
تأديب هذا السخاوى الحقير.
-آلو.. آلو.. كيفك يا أحمد.
على فكرة، أنا فى حاجة إلى رقم تليفون رفعت السخاوى فى
العمل.
-رائع جدا. طلبك جاء فى
وقته، لأن والدته توفيت فى الشهر الماضى.
* * *
-آلو.. آلو.. الأستاذ رفعت،
موجود؟
-أنا رفعت.
-هل هذه هى الصداقة،
والمودة؟
-من يتحدث؟
-ولا تعرف صوتى أيضا؟
-أنا الذى لم يتحدث عنك بأمر
سيئ أبدا، وأنا الذى كنت أصمت دائما عندما يسبونك.
-أرجوك، من يتحدث؟
-الآن فقط، تأكدتُ أنك حقير
ووغد. هل نسيت صوتى؟
لم يبق الآن إلا الكلب
الآخر، على الصاوى، الذى أنكر ما قاله. يجب أن أمسح به الأرض
على حقارته أيضا. ولكن الصاوى له علاقات جيدة، ويمكنه أن
ينفعنى فى بعض الأمور. إذن فليتأجل قليلا حتى يأتى وقته.
ولكن يمكننى الآن الاتصال بماجد الحلوانى ومعرفة أخبار
الصاوى منه. وطبعا لا يزال الحلوانى غاضبا من الصاوى بسبب أن
الثانى تخلى عنه عندما جلس 4 سنوات بدون عمل، وتشتت أسرته.
معنى ذلك أن الحلوانى هو الوحيد الذى يمكنه أن يخبرنى بكل
أحواله السيئة.
* * *
يتفتح اللون الأسود قليلا
عندما تزول عتمة كوابيس الليل، وتأثير قهوة الصباح السوداء.
ويصير الأسودُ أسودَ أقل قتامة بعد دهس هذه الصراصير
الحاقدة.
نظر بإمعان فى بقايا القهوة
السوداء المترسبة فى الفنجان. اتجه نحو دورة المياه فى بطء،
فتح الباب. تركه مفتوحا وجلس. شعر بأن القاعدة البلاستيكية
غير مستقرة فى مكانها. هز رأسه فى ضيق وشعور بالمؤامرة.
ارتفع قليلا بمؤخرته. عدَّل القاعدة. جلس. انزلقت القاعدة من
مكانها، وتكسرت. انفصلت تماما وكادت بعض أطرافها المدببة
تدخل فى مؤخرته:
-كل هذا بسببهم، هؤلاء
الأوغاد الحاقدين.
مع أول ضرتة تذكر أن السيد
الزناتى الذى كان فى يوم من الأيام مجرد نكرة، أصبح اليوم
كاتبا معروفا. وسيد الزناتى، على ما يذكر، كان من ألد أعداء
الصاوى والسخاوى. كان يكرههما لانتهازيتهما وصفاقتهما. وكان
الصاوى والسخاوى يسخران منه ومن كتاباته. وعندما بدأت صوت
المياه يقرقع، قال فى نفسه:
-ولكننى لم أقرأ شيئا لهذا
الزناتى الذى يتصور أنه أعظم كاتب فى العالم.
وضع رأسه تحت سيل المياه
المتدفق. تذكر أن الزناتى أهداه يوما مجموعة قصصية كتب
عليها، على سبيل الإهداء، "إلى صديقى العزيز، ورفيق طفولتى..
أتمنى أن تعجبك هلوساتى". كانت هذه هى الجملة الوحيدة التى
قرأها، وألقى بالمجموعة بعد ذلك فى مكان ما.
قضى بعض الوقت فى التفتيش
والتنقيب. وفجأة تذكر أن مجموعة الزناتى بين الصحف والكتب
الموجودة فى دورة المياه. وعلى الرغم من رائحة خرائه التى لم
تكن قد تبددت بعد، راح يقلب الصحف التى تحول لونها إلى
الأصفر والبنى إلى أن عثر عليها.
اتجه نحو الأريكة. تمدد بشكل
مريح. تعلقت عيناه بالإهداء لفترة طويلة. أخذ يقلب الصفحات
فى عشوائية
-ما هذه الهلوسات؟! كلام
فارغ.. كيف يمكن كتابة هذا العبط؟! وكيف يمكن نشره؟ لم تعد
هناك أية فائدة، لا الأدب، ولا الفن يمكنهما التأثير. حتى
الثورة لم تعد مجدية..
سيطر عليه غضب داخلى. شعر
بارتفاع الضغط، تبعته حالة غثيان. تلاطمت الأفكار فى رأسه:
إنه الفساد.. فساد الأنظمة السياسية، والمثقفين، انحطاط الفن
والأدب.. لم يعد هناك أى شئ مجدى أو نافع. ولكن كيف يمكن
الخروج من هذا المأزق التاريخى! لابد من طرح الأسئلة.. أين
الناس؟ وأين المثقف العضوى؟ الله يرحمك يا جرامشى!!
تعالت ضحكة من الشقة
المجاورة. قذف بالمجموعة فى عصبية:
-لا أدرى لماذا يضحكون؟! هل
هناك ما يدعو إلى الضحك فى هذا العالم؟! حيوانات!!
وتعالى صوت موسيقى من الأعلى
حيث يسكن أحد رسامى الكاريكاتير بإحدى الصحف المتواضعة.
انتفض واقفا. وضع رأسه بين كفيه فى توتر بالغ:
-وهذا العربيد أيضا يستمع
إلى الموسيقى الكلاسيكية! ماذا يمكنه أن يفهم منها؟! إنه
حيوان، كل يوم مع فتاة جديدة، وكل يوم يغنى ويرقص ويسكر، بل
وأحيانا يقرأ الشعر بصوت عال. حيوان!!
* * *
فتح باب الثلاجة فى آلية.
امتدت يده إلى لفافة. وضع قطعة جبن فى رغيف وراح يقضم فى
تأفف. تذكر أن سيد الملوانى كان قد وعده فى أغسطس 2002
بمساعدته فى العثور على عمل بأجر كبير. قال:
-هذا الحقير وعدنى، ولم يتصل
بى بعد ذلك. ربما يكون قد أخذ المكان لنفسه. أو أعطاه لماجد
الحلوانى. سمعتُ مؤخرا أنهما شوهدا يسيران معا. ولكن هل سأظل
أمارس تلك الأعمال الحقيرة التى لا تثمن ولا تغنى من جوع؟!
هل سأبقى هكذا أعيش على تلك القروش القليلة؟! كلهم يعملون
ويحصلون على الآلاف، ولا أحد منهم يتذكر بأننى فى حاجة إلى
عمل مثل أعمالهم؟! أوغاد!
اقترب من النافذة. كانت
السماء مكفهرة، وغيوم سوداء تعربد على وجهها. نظر إلى
الشارع:
-النمل والقرود والبغال لا
تكف عن الحركة! لا أدرى ماذا سيجنون من ذلك؟! بهائم لا يحسون
ولا يفقهون.
تعالت ضحكة نسائية من شقة
رسام الكاريكاتير. صاح صوت رجالى:
-يا حبيبى، هذه هى الحياة..
رد صوت آخر ببيت شعر، غنجت فتاة ثانية غنجة صاعقة، وتعالت
الموسيقى.
لم يكن هناك أى داع للنظر إلى الساعة. فقد انضبطت حواسه فى
السنوات الأخيرة على حركة الناس فى الشارع، وأصوات انفتاح
وانغلاق أبواب الشقق المجاورة، وأصوات رنين جرس التليفون عند
الجيران، وتصاعد صوت الموسيقى أو الضحكات الصادرة ممن حوله.
فى السنوات الأخيرة انضبط إيقاعه على القيل والقال،
والاتصالات التليفونية مع الأعداء والمعارف والكارهين
والحاقدين، والاستفسارات الدائمة عن أخبار الآخرين. وهذا
النشاط الموسيقى الشعرى الغانج فى شقة العربيد ينبئ بأن
النهار قد انتهى، وبدأت الحلقة الثانية من اليوم الذى لا
يختلف عن سابقه أو تاليه. نسى الأصدقاء والمعارف والزملاء
الخونة والمتآمرين. شعر بهدوء لذيذ، وسكينة نادرة. تذكر
الطفولة والصبا. فانتقل إلى حالة من الوجد والطمأنينة
الروحية. توقف عند فكرة المسرحية التى اقترحها يوما على فريق
التمثيل بالجامعة. وتذكر خالد السايح الحقير الذى التقط
الفكرة وقام بعمل العرض المسرحى، وأعطاه دورا صغيرا على عكس
ما كان يأمل. قال:
-ومع ذلك فقد كان العرض سخيفا وفاشلا. هذا الحقير لم يفهم
فكرتى. سرقها وعملها بطريقته. لماذا صفقوا له، وأعطوه جائزة،
لا أدرى! حيوانات!!
الفكرة ببساطة كانت تدور حول مجموعة من الأصدقاء يجلسون فى
غرفة..
الأول: مساء الخير يا
جماعة..
لا أحد يرد (فهم دائما مع
بعضهم. يعرفون بعضهم البعض جيدا. إذن لماذا الرد؟ ولماذا
أصلا إلقاء التحية؟)
الثانى: أريد تدخين سيجارة.
أين علبة السجائر؟
الثالث: إلى جوارك.
الثانى: يااااه.. ليس لدى
رغبة فى مد يدى، ثم فتح العلبة، وبعد ذلك إخراج سيجارة، ثم
وضعها فى فمى.
الرابع: إذن وفرت علينا عناء
إشعالها. بل ووفرت هذا الجهد على نفسك أيضا.
الأول: أود أن أنام.
الثانى: وماذا يعيقك؟
الأول: عيناى مفتوحتان.
الثالث: أفهمك، هذا أمر صعب.
الرابع: إذن أغلق النور،
ووفر عناء إغلاق عينيك.
الأول: أنهض من مكانى، وأسير
كل هذه المسافة، وأمد يدى، وأضغط الزر! هذا أصعب.
الثانى: ولكن فى تلك الحالة
عليك أن تغلق عينيك.
الأول: سأنام بدون إغلاقهما.
ولكن المشكلة فى النوم أيضا. لا أريد أن أنام، وأريد أن
أنام..
الرابع: أنا أحسدكم.
الجميع: لماذا؟
الرابع: لديكم قدرة عجيبة
على الكلام..
الجميع: تعالوا نصمت..
صمت
(انتهى)
* * *
أما فكرة خالد السايح فكانت تافهة، لأنه أطلق
على العرض اسم "الكسل". بيد أنى فكرتى المسرحية كانت بعنوان
"الملل". ورأى أن الاسم لابد وأن يجسد الفكرة الرئيسية
للمسرحية. وانطلق السايح من أنه لا حاجة إلى أى ديكور. ولا
حاجة أيضا إلى أثاث أو أدوات أو ملابس. ثم تطورت الفكرة
وأصبح العرض لا يحتاج إلى مكان، وبالتالى، أصبح الجمهور غير
ضرورى. ولما كانت الفرجة المسرحية تستلزم متفرجين، أصبح على
الممثلين أن يتفرجوا على أنفسهم. ولكن المشكلة التى واجهتهم
فى ذلك، كيف يمثلون ويتفرجون على أنفسهم فى نفس الوقت!
والسؤال الثانى الأصعب، كيف يمكنهم أن يتفرجوا على أنفسهم
وهم فى ذات الوقت لا يستطيعون الحركة!
|