|
قصة قصيرة
أشرف الصباغ
أنا وهى ويوسف
كان يقف هكذا.. بجلبابه
الأبيض الذى استحال إلى لون طينى، مُعَلِّقَا جوالا من الخيش
على كتفه الأيمن، وطرفا الربابة بين كفه اليسرى والفخذ، وراح
يطلق نغمات متقطعة، وخلفه فتاتان تجلسان على المقعد أخذتهما
نوبة ضحك. الولد مازال يطلق نغماته، وبين الحين والآخر ينظر
إلى بعيد منتظرا قطاره.
كنتُ أقف على الرصيف المقابل
أنتظر قطارى. وكان الولد يستولد النغمات وينظر إلى الواقفين
لعل أحدا يشترى ربابة صغيرة لطفل صغير . والفتاتان استملحتا
اهتزازات نهديهما فزادت نوبات ضحكهما.
* * *
حين دقت طبول الحرب، كنتُ
أسمعكِ وأسمعهم. كانوا يقولون أنها الخلاص. خرجوا زرافات
ووحدانا على الشاشات الصغيرة والكبيرة ليشيدوا بحب الأم،
ونسوا أشكالنا وأسماءنا. لكنك كنتِ تغنيـن لى، كنتِ ترددين
اسمى لا اسمها، وقلبك المفعم بالحب والخير ينبض بأغنيات كنا
نسمعها ونغنيها معا. لم يكن ابننا قد صار بعد جنينا. كان
بذرة حية أُلقِيَت بعد أمسية نضال فى قاعة مغلقة تبادل فيها
الأصدقاء الكلمات والتحايا، وهتفوا ضد السلطة، ثم انصرفنا
محبطين، وسكن كل منا الآخر، فكان ابننا-ابن الزمن الآتى.
يوم الاستدعاء قال البعض أنه
نداء الوطن. وقلتِ أنه عواء الكلاب تتطاحن من أجل المزيد من
الدم. وهمستِ حين عانقتكِ أن اضغط بقوة على أضلعى.. اضغط،
حتى نزت دموعك من كل مسامات جلدك. ولما صار الوطن أكذوبة،
كنتِ الوطن الحقيقة-الضائعة، وابننا تنمو له يدان فى حجم
فُلَّتين بيضاوين فى جسد بض بحجم الكف، يسكن وطنـه الحقيقة.
* * *
صَفَّرَ القطار من بعيد.
أوقف شرطى المرور سيل السيارات المتدفق. لم يكـن قطارى. قام
المنتظرون على الرصيف المقابل واستعدوا للركوب. احتكت به
إحدى الفتاتين، نظر إليها باسما، فنظرت إلى صاحبتها وتمايلت
ضاحكة. وحجبهم القطار. جاء قطارى. قفزتُ منحشرا بين الأجساد،
وقبل أن يسرع ألقيتُ نظرة، فرأيته يبتسم ويستعد للقفز على
الرصيف الآخر.
( 2 )
كانت المغنية تردد كلمات من
زمن فائت، وآهات تتلظى لها القلوب، فتفرغ كأسها، وكؤوسنا
تهوى. ومن خلف الزجاج ألمحهم معلقين فى خيوط من وهم..
الفتيان فى عمر الياسمين والفتيات نرجسات تتهادى.. تتخلل
كلماتهم لفتات مذعورة، وحين يجلسون متلاصقين على المقاعد
الحجرية، أو فوق الحشائش بعيدا عن بقع الضوء المنسكب من
أعمدة الإضاءة، تمتد أيديهم إلى آجام مجهولة يختبرون أجواءها
بلمسات مرتعشة، وهمسات دافئة، ورغبة وخوف. وتأتى عربات
البوليس، فيهرب من يهرب، وتعود العربات محمَّلة ببراعم الزمن
الحرام. وأقلب الزجاجة، فأجدها قد نضبت، ووجهك الهارب تنبت
ملامحه فى قاع الكأس. وبعد أن يلبى النادل طلبى، تخرجين
مكتملة. وتدور عيناى على بطنك فلا أراه، أفتش بين ذراعيك فلا
أجده . وأجرع سلواى فأسلوكِ، وتتلاشين، وملامحه كما رسمناها
معا تتشبث بقاع الذاكرة.
* * *
قال لى جندى منهم: تركتُ
امرأتى حبلى، وإن طالت غيبتى، سترسل لى صورته عندما يأتى.
فقلتُ: صهيونى آخر صغير..
ولما كانت تأتى نوبات الكى على الأفخاذ
والظهر، كنتُ أصرخ بكل قوتى لعلك تسمعين وتؤمنين. وكان
الجندى يتألم. وعند المقايضة أومأ لى برأسه، وقال هامسا:
ربما يلتقى ولدانا فى..، ولكزنى جندى آخر لكى أتقدم. وفى
رحلة العودة إلى الوطن، كنتُ أعرف أنك ستقرئين اسمى فى قائمة
سلع المقايضة، وربما تريننى فى التلفزيون. وأسمع صوتك تقولين
لابننا: ها هو أبوك..
هذا يا ولد.. إنه ذلك الرجل الطويل ذو اللحية الزاغبة والأنف
المصرى. ولما تختلط أمامه الوجوه العائدة، تشيرين مرة ثانية
وإصبعك على الشاشة، وعلى شفتى: هو ذا يا حبيبى..
شعره أجعد ومغبَّر . ويحملق فى وجهى المتلاشى، أنتزع غلالة
القهر وأرتدى زهو الانتصار. لكنه طفل لم يعف الزمن بعد على
قوى شفافيته ، فيصرخ فزعا، ويلجأ إلى صدرك تضمينه ويضمك،
وتتذكرينك بين ذراعىّ.
لم يتعانق عقربا الساعات والدقائق ليفصلا ما
بين يوم فائت ويوم سيفوت. النادل فى ركن قصى يرقبنى وليس له
شاغل سواى.. أنا الوحيد فى مملكته السحرية. ولما أشرت إليه
وملامحه منصهرة أمامى، جاء وجلس فى تأدب وخجل وقصَّ علىَّ
بعضا من شجونه. وحين سألته عن زبائنه، قال: ذهبوا بعد أن
نفضوا همومهم.. وغدا سيأتون بركام حزن فيتطهرون. فقلتُ وأنا
أنزع السياق من سياقه: استقبلونا بحفاوة وترحاب، فتسامقنا
وصارت العاهات أوسمة، وأثناء الإجراءات أتوا خصيصا بفتيات
جميلات تعلَّمن كيف يبتسمن بحنان وينادوننا بلقب بطل، فكنا
نتسامق هكذا..
وشددتُ جسدى فبرز صدرى كقفص صدئ خرب. ابتسم صاحبى النادل،
وقال: ماذا تقصد؟ فقلتُ: أ لم تهزم من قبل؟ فتَعَجَّب: أ لم
أنتصر بعد ! فداعبته وأثنيتُ على قوة ملاحظته. ونهض ليلبى
إشارة من الخواجة صاحب البار.
* * *
كان لابد أن تنتظرى الظافر
الآتى-زوجك. كل النساء يفعلن ذلك فى زمن الحرب، ومنهن من عشن
أرامل للأخذ بالثأر، وما نضت إحداهن ثوب الحداد إلا بعد
الانتصار. لكنكِ أبيتِ، وخلعتِ عنك رداء التواصل فصرتِ من
علامات زمن الخصيان.
* * *
أقبل منطفئ الملامح وفى
عينيه أسف وشك، والخواجة اللئيم يرمق كلينا بتوجس. ناولتُه
النقود وبقشيشا سخيا، فاستطالت نظرات الأسف والخجل. ولما
انحنى أمامى، تلاشت معالمه. وكان التمثال يدير ظهره لى،
ويُدخِل رأسه تحت ياقة معطفه.
* * *
بعد كل موقعة لابد من استرداد الفاقد
والمفقود، وما سيُفقَد فى المواقع الآتية. فعدتُ لاستكمال
طقس كنا قد بدأناه معا فى هذا الشارع نفسه منذ سنوات طويلة.
ربما يحمل ابننا زميلته كما كنتُ أحملكِ، ويبدآن سويا رحلة
تأجج الأجساد واصطخاب الأرواح فى لحظات سديمية تتمدد فيها
الألسنة وتستطيل حرابا مُشَرَّعَة تشق الفراغ، وتصفع واجهات
المبانى التى بناها كل من أتى إلينا مستعمرا. كنا نختلس
اللحظات فنتكاشف، ونقترب فنتألق، ونسير فوق خط فاصل تجنبا
للوقوع، ونحلم بليلة نضع فيها بذرة ابننا لتنبت مع الصباح.
كنتُ أحملكِ فوق كتفى، وتهتفين..
تهتفـ.. . وعندما يهجمون، تستلين حزامك الجلدى العريض ، وفى
النهاية أعود بك متخفيا فأمرضك، وأستمد منك قوَّتى فأحيا
لنتبادل المواقع فى المرة القادمة.
* * *
نظرات الجيران تحاصرنى، العطف والاستكانة فى
عيون الرجال، والنساء تقطر كلماتهن مرارة. البيت كما تركتِه،
تنقصينه أنتِ وصورة لابننا الحلم. ليست لدى الخبرة الكافية
بأمور المحاكم، وكيفية دعوة الزوجة لبيت الزوج. لم نكن نناصر
تلك الفكرة أيام كنا نتعاطى الورود، ونشاهد طلوع الفجر فى
الطرقات، وحكاياتكِ عن طرازات المبانى ومسخ الهوية
المعمارية. منذ العودة أمارس فى ذاكرتى زراعة أشجار الدوم
والنبق. أعرف أنك لن تغادرى الوطن، لكن الوطن ضاق، والسماء
لا تتسع لتحقيق رغبة-واحدة
فقط-لرجل
يُقال أنه حقق ضمن آخرين
رغبة ملايين أنتِ منهم. ففضلتُ الزراعة فى الذاكرة كما زرعنا
يوماً، فى محاولة شبقية متفردة، شجرة لا أدرى حقيقة وجودها
الآن. فإذا كان ابننا لم يأت بعد، فليس الذنب ذنبك، إنها
مفارقة مضحكة وغير منطقية، لكننا سوف نعيش لنأتـى بغيره.
* * *
لم يعد هناك مكان أذهب إليه،
وأخشى أن نكون قد اندمجنا فى لعبة تبادل الأمكنة والأزمنة،
فعلى حد قولهم.. أنك الآن مع رجل رأوكِ بجواره فى سيارة..
رأوكِ معه فى مكان ما لا يرتاده أمثالنا. ولما سألتهم عن
صغير بصحبتكما. قالوا.. لا.. اثنان فقط: رجل وامرأتك. ورغم
حزنى الشديد، استبشرتُ أملا. فمن المؤكد، إذا كان قولهم
صحيحا، أنك تعرفين إننى عدت. فالأجهزة الحديثة لابد وأن تكون
قد أعلنت عن المقايضة والمزاد. وبيتى ليس المكان الخطأ.
تعرفينه جيدا.. تحت النافذة خلف المنضدة التى تنوء بحمل
الكتب أجلسُ منتظرا. لا يغرنكِ شكل المنضدة الآن، فالكتب
حملتُها منذ زمن فى رأسى، ومن أجل البرد الآتى من كل
الأركان، وغيابك، صارت عامرة بزجاجات متعددة الألوان
والأحجام، وكأسيـن فقط، واحدة منهما ممتلئة من أول زجاجة
اشتريتها بثمنى، وثمنى بضعة جنيهات شهريا.
* * *
من الغريب أنكِ قد ذهبتِ قبل
عودتى، وربما بعد رحيلى. لكن لماذا؟ هل كنتِ تستشعرين
الهزيمة؟ أ لم تكن ثمة وسيلة أخرى أكثر إنسانية بدلا من
هزيمتى للمرة الثانية؟
لم أقد المعركة، ولم أتنازل
عن فكرة الانتثار لحظة واحدة. كنا الكثرة والثمن المدفوع
سلفاً والعدد المفقود. ورغم هذا فلم يكن الأمر بأيدينا.
تعرفين ذلك من مطالعتكِ للتاريخ غير المكتوب لوطننا وحكامنا،
وكنتِ تتقلبين من داخلكِ على أجيج الحلم واستعار اللحظة
وقتما تحين ساعة شواء البشر على أسياخ القادة والحكام.
* * *
البابُ غير موصد، لكنه يبدو
مغلقا. أنتِ التى اخترعتِ تلك اللعبة حتى لا يزعج أحدنا
الآخر بصوت المفتاح. أتركه كل ليلة هكذا لعلكِ تأتين، وعند
النوم أُبقى جفونى مفتوحة، فربما تعتقدين أننى نائم وتذهبين.
سأشرب حتى يلوح اللون البنى لعينيك السوداوين، وأظل شاخصا
إليهما حتى تجلجلان بضحكة بيضاء، وتتشاكس الغمازات بخديك،
ولن يشبعنى سوى هبوط أهدابك كجناحى قُبَّرَة اطمأنت فى عشها.
* * *
كأسك مازالت منتظرة. زجاجتى
فرغت، وزايلتنى الرغبة فى النوم. غريبة تلك الليلة. ليست
ذكرى ميلاد أو موت، ربما تأتين فى لحظة خلت من دونها سنوات
عجاف قد مضت؟ وربما يكون الزمن قد تسلل خلسة وسطا على ما
تبقى من سنوات آتية؟ فلأجرع كأسكِ ولتكن الأخيرة، وأشرع فى
ترتيب أشيائى لعل السفر يغسل، مع مياه البحر، عاركِ وعارى.
( 3 )
ـ لا تسافر ، فمن سيبقى لى ،
ولمن ستترك الوطن؟
كانت مفردة متعددة المعانى،
وكنتِ تدركينها كمعنى خاص بكِ، وغير قابل للتأويل: كان
الخلاص وجب يوسف معا. وأنا لستُ بيوسف، لكنك والوطن عنصران
متلازمان. فلما انفصلتما صار الوطن ماخورا، وأنتِ صورة صماء
إطارها زجاج ملون لسيارة فخمة، والجب طريق الهزيمة ووهم
الانتصار.
مرة واحدة رأيتُكِ بعينى
اللتين كنتِ تعشقينهما يوما. أ صدفة منطقية أن أراكِ فى لحظة
انطلاقى فى الطريق صوب الميناء؟ أم سبب قهرى لأفكر مَلِيَّا
فى رحلتى إلى جب يوسف؟
* * *
ـ لو تركتَنى سأضيع. أرجوك..
طوال الطريق أراكِ بجواره
سروالاً متهرئا نال منه الزمن، وما به من بقع دامية، ليست
لكِ. فدمكِ الأحمر فُقِدَ من زمن، لكنها دماء ضحاياكِ
وفرسانكِ الذين تصنعينهم وتأتين عليهم فى لحظة الميلاد. ليس
أشجع منى ولا أشرف كى يأخذك. أنا فارسك الذى نضا عن نفسه
رداء العهر فصار خطية اقترفتيها وتحاولين التكفير عنها على
طريقة بنى إسرائيل.
* * *
ـ لن أسافر طالما أنتِ معى..
الطريق سلم خشبى يفصل بينك
والوطن وبين وطن آخر مجهول. السفر ليلاً أو نهاراً لا يعنى
أن هناك شمس تختلف عن شمسنا، ومعرفتى بساعة إلقاء يوسف فى
الجب ليست دقيقة. فالميناء مظلم كما الجب رغم وسائل الإضاءة
المتقدمة، والعيون تتفحص الأوراق وكلاهما مظلم. لكن الشئ
الوحيد المُحَاصَر تحت كل أضواء العالم، هو مشهدكما معاً خلف
زجاج سيارة، وضحكة بلا معنى خلف عينيك الزجاجيتين.
* * *
ـ لنخرج ونخبر الأصدقاء
بقرارِكَ.. سيفرحون وسنحتفل الليلة بذلك..
ـ لم أر أمى منذ زمن..
لنسافر إلى قريتنا..
ـ لم أرها من قبل.. وربما..
ـ لا.. فهى طيبة.. فى قريتنا
المجهولة ، كنا نسمى ما نعبر عليه فوق الترعة بالمعدية أو
القنطرة، والسلم الخشبى الآن طريق بأكمله. وانبعاث صوت
المغنية من مكان ما على رصيف الميناء يصدح عن الفتاة التى
جاءت من بيتها العتيق.. وقال لها حبيبها: انتظرينى. وتنتظر
على الرصيف. وتمرق الأيام. والصيف والشتاء زمنان لا يلتقيان،
إنما يبتلعان زمن العودة للذى رحل ووعد بالعودة.. وجاءت
رسائله.. لكنها متآكلة الحروف.. والصيف والشتاء زمنان لا
يلتقيان.. ومازالت تنتظر خلف الفصول.
* * *
ـ اليوم جاءكَ خطاب استدعاء
من الجيش..
فى غفلة منه اتفقوا وألقوا
به فى الجب. كان صغيرا وجميلا، لكنها كانت خدعة.
* * *
ـ لا تذهب.. ربما كانت
الحرب…
ما أنا بيوسف رغم جماله
الأنثوى، أنا رجل يا امرأة، والحرب حربى. النساء فى مصر
يطربن لهذا الجمال، لكنهم يعشقوننا نحن. أنا رجل يا امرأة ،
وسوف أذهب. أما هو فقد حسبها جيدا، وأدرك أنه الرابح والملك
المنتظر، والحائز على امرأة العزيز.
* * *
ـ أخشى ألا تعود.. أكاد
أموت..
ـ سأعود…
وتتضافر أسباب القبح. ينحسر
النور، ويمتد الظلام بامتداد الزمن المقطوع فى القاع الأسود.
وأعود، فينفلت الزمن، ويعود معى زمن الورق الأخضر المُشَرَّب
بدمائى.
* * *
ـ ضمنى بقوة.. بقوة..
سأنتظرك..
زليخة امرأة فاتنة. فُتِنَت بيوسف بعد أن
عاشت زمناً لا تنجب فيه من العزيز. لم تكن عاقرا، لكنه أكد
تواطئه وادَّعى أن التغاضى عن شئ فى الحرام ما هو إلا ضرب من
الحلال. وتستمر لعبة الحرام والحلال، والرغبة تأكله، وتحرق
أحشاء المرأة العاشقة. وما أنا بيوسف، وما أنتِ بزليخة،
وعزيزك لم يرسم لكِ-قَطْ-وردة،
أو يضمد لكِ جرحا، ولم يعرف كيف يحرث أرضكِ ويبذر فيها.
زليخة امرأة احترقت بلهيب العشق والرغبة، لكنها لم تساوم
خادما أو حاجبا ، ولم تضاجع وزيرا أو فارسا. لا تصدقى أنها
كانت تستسلم ليوسف لو استجاب، فنساؤنا يستهويهم الجمال
الأنثوى. كانت لعبة لصنع يوسف، وما أنا بيوسف، فهو مجرد مفسر
للأحلام، يتطلع للسلطة، وبلعبة يتقنها يعتلى العرش. وأنا
فارسكِ الوحيد الذى سار على شفا خطاياكِ ولم يهو. زرعتُ فيكِ
ولكِ، وقطفتُ منكِ وإليكِ، ولما تركتُكِ على أمل
الحصاد، ورحتُ أحصد معهم الرقاب، فهمتُ اللعبة.
* * *
ـ إذا جاء ولد سأسميه…
ـ لا تبكِ… فربما تكون بنتا…
ـ سننتظركَ سويا..
ـ سوف أعود.
يوسف هو الذى ذهب إليهم يا
امرأة، لا تصدقى أنهم أتوا إليه. كان يريد العرش، فاستولى
عليه بخدعة. منذ زمن وهو يخطط لذلك، والعزيز مغفل، ويوسف
خائن. سنوات عجاف عشناها، وسنوات عجاف نعيشها. ذهب إليهم
وادَّعى العكس، صاروا أسيادا ونحن العبيد، هم أخوة يوسف ونحن
الرعاع. ولما قلناها.. لا. خرجوا وهم يتوعدون، ثم عادوا
فطوبى لهم بيوسفهم.
* * *
-اعتنِ بصحتِكِ .. سوف أعود
.
موجات اللحن الشفاف تتدفق
صوب أدق الأجهزة الحساسة فى جسدى. من بعيد تتسامق الأمواج فى
صخب، يلمع زبدها تحت انسكابات الضوء المندلق من مصابيح أعمدة
الميناء، ووجهك ليس على موجات اللحن أو البحر، لكن ملامحه
تتطابق ومساحات الليل القاتمة. وأُفاجأ بكِ بين الأوراق.
أعرف أنه وجهك، لكنه ليس الوجه الذى عشقت. يدقق الضابط فى
وجهى، وينظر إلى الصورة.. الفتاة مازالت تنتظر على الرصيف..
الفصول تتوالى الصوت ينبثق كالميلاد.. أغوص فى أعماق اللحن
والذاكرة . الضابط لا يزال ينظر مستسلما إلى وجهى.. المغنية
تؤكد أنه راح ونسيها.. وذبلتْ فى الشتاء…
|