قصة قصيرة
- أعطني جواز سفرك ...... "
" قلت لك هات جواز سفرك ..... "
· " جواز سفري ماذا تريد به ؟ ….. أوه آسف
" .
وختم
ضابط الجوازات جواز السفر . وامسكته بيدي متلهفاً نعم هذا هو جواز
سفري .... أخيراً عاد إلى وخشيت أن أعطيه لذلك الضابط فيجري لي ما جرى
ولسابقه ، ويه تلك قصتي مع الحظ العاثر والله أعلم بما خفي
.
حينما قدمت لهذه البلد كنت فرحاً للتعاقد للعمل كمدرس مهما كان المرتب
فذلك أفضل من لا شيء. على الأقل سأجد بعض الدنانير التي أوفرها لأرسلها
لأهلي وسأضمن لفافات التبغ على الأقل ، ولكن جواز السفر لم يترك لي
متعة التلذذ بالدنانير التي حلمت بتوفيرها
....
جواز السفر له قصة ، وفي العادة أن يبدأ الناس من بدايتها ولكن أنا
سأبدأ من النهاية .......
ها أنا الآن أحمل جواز السفر مغادراً هذا البلد الشقيق بعد عام كامل
قضيته وأنا أبحث عن لقمة العيش لا بل عن جواز السفر.
حينما
وصلنا المطار انتبه أحد الزملاء كيف أنني أقبض على جواز السفر بكلتا
يدي، وقال" هل ستبلعه الأرض .... لماذا تمسكه هكذا
... "
أوه أنا الآن أتذكر .... " هل ستبلعه الأرض ..... " هكذا قال لي ضابط
الجوازات الذي ذهبت لأراجعه لأول مرة بعد وصولي إلى البلد الشقيق ، فلا
بد من اجراءات للإقامة ، ولا بد أن تتم في أسرع وقت بدلاً من دفع غرامة
التأخير التي يحتاجها أهلي أكثر من خزانة الدولة
قال لي : " هل تظن أن جوازك ستبلعه الأرض .... عد إلينا
في الأسبوع القادم " .
حاولت ان
أفهمه
أن الإيصال الذي في يدي لا يثبت هويتي ولا يثبت أن لدي جواز سفر .
قال لي
:
(
افهم أن هذا الإيصال يثبت أن لك جوازاً ، لكن عد بعد أسبوع.)
حاولت أن أفهمه أنني مدرس في منطقة نائية ، ولكي أصل
إلى المدينة احتاج إلى ركوب الحمار لأجد السيارة تنقلني إلى المدينة
فأقف ساعات طويلة في المس ويضيع النهار كله ويخصم الدولة على مرتب يوم
كامل حتى أصله.
ولكنه قال لي : " عد في الأسبوع القادم
" .
ورجعت إلى المدرسة في تلك القرية النائية وأصبحت قصة
جواز السفر مسألة ملحة تشغل بال زملائي كلهم ، فأوقات الفراغ لديهم
كثيرة و لا يجدون من الموضوعات ما يثير انتباههم أكثر من جواز السفر
.
ولعل ( سعيداً ) كان واحداً من الذين يدركون أهمية ذلك، إذ قال لي : "
لو انتهت قضية جواز سفرك لانتهت مشاكل الأمة العربية ولحررنا فلسطين
... " .
فضحك زميل آخر وقال : " إذا كان جواز السفر يفعل ذلك ... خذ جواز سفري
لعله يسهم في التحرير" ، وضحك الجميع إلا سعيد وأنا
.
كنت أفكر في أمور كثيرة أهمها جواز السفر ، نعم جواز السفر كيف أتحرك
داخل البلد دون أن يكون معي جواز سفر ؟ وفي أي لحظة يمكن أن يوقفني
شرطي أو رجل مباحث ليقول لي : أين جواز سفرك .. وقد يؤدي عدم وجود جواز
السفر إلى رميي في السجن أشهر أو سنوات بدون أن يعرفني أحد أو أن يحقق
معي وقد يقذف بي إلى الحدود ، فأدخل في دوامة من التحقيق التي توصلني
إلى السجن
.
لعل الحظ العاثر يطاردني ، ذلك أمر ما عدت استغربه ، في الأسبوع
التالي غادرت القرية التي أدرس فيها على ظهر شاحنة تحمل الدقيق .
والشمس اللافحة تحرق الأخضر قبل اليابس ، ودفعت لسائق الشاحنة مبلغاً
كبيراً
.
وقبل أن أدخل دائرة الجوازات ، قلت لنفسي ماذا لو ضاعت هذه الورقة التي
تثبت ان لي جواز سفر . فقررت أن أصوّر منها نسخاً تكفي لاثبات وجود
جواز السفر لدى هذه الدائرة.
استنسخت خمس صور وترحمّت على النقود التي دفعتها ثمناً لها . كنت أخشى
أن تضيع الصور وزعت كل صورة في جيب من جيوبي ، وشعرت براحة وأنا أضرب
على جيبي الخلفية اليمنى ثم اليسرى فأسمع خشخشة الأوراق فأطمئن وتهدأ
نفسي قليلاً ، ودخلت متفائلاً إلى دائرة الجوازات , وهناك قابلني
الرجل نفسه .... كان مكتبه صغيراً إلى حد ما ، فيه مكتبان ويجلس
قبالته مباشرة موظف آخر ، وحينما رأياني بادرني أحدهما بالقول : "
أهذا أنت ... " فخفق قلبي ... قلت : إنها الفرحة ، فهما يتذكراني
ولعلهما وجدا جواز السفر أخيراً .
سألت أين جواز السفر ؟ ... فضحكا معاً ضحكة شعرت معها بعدم الراحة
وخشيت ان يقولا لي موعدك في الأسبوع القادم ، فسألت هل وجدتما جواز
السفر ؟
فصرخ بي الضابط : " ومن قال لك انه قد ضاع هل تظن أن الأرض ستبتلعه ،
ولكن الإجراءات تأخذ وقتها" " .
لم أعرف ماذا أردّ عليها ، فسألتهما هل أعود الأسبوع القادم ، فقالا لي
عد الأسبوع القادم .
مضى علي شهر وآخر وثالث ورابع وأنا أطارد جواز السفر وكأن الأرض قد
بلعته هكذا قلت في نفسي وفي المرة الأخيرة التي ذهبت فيها لأسأل عن
جواز السفر وجدت شخصين جديدين في
الغرفة ...
سألني أحدهما : ماذا تريد ؟
فتحت محفظتي وبعناية استخرجت مهنا الوصل ، وقلت لهما أنني انتظر جواز
سفري من أربعة شهور وسألت : أين الضابط فلان . وفلان فهما يعرفان
مشكلتي ؟
فأجابا رحمهما الله
.
استغربت .. لقد كانا شابين لا يتجاوز الواحد منهما الثلاثين عاماً ..
هكذا يموتان سريعاً ، تأسفت عليهما ، لست أدري لماذا ، لقد كانا جزءاً
من عذابي اليومي ، وكانا جزءاً من الروتين الأسبوعي الذي تعودت عليه
.
قال أحد الموظفين الجديدين : " ماذا تنتظر ... عد في الأسبوع القادم
" .
حينما قالها لي خرجت بدون أن أفكر . قابلني الساعي وهو رجل عجوز ،
فسألته عن الضابطين . فهز رأسه آسفاً على ميتتهما الشنيعة ، التي حدثت
نتيجة انقلاب سيارتهما في واد سحيق وهما في حالة سكر شديد
.
قررت أن أبدأ حياتي من جديد بدون التفكير في جواز السفر . ولم أذهب
في ذلك الأسبوع لأتابع اجراءات جواز السفر، إلا أن عيوناً كانت تترصد
ني كما يظهر . أوقفني رجل وأنا في طريق عودتي من المدينة .. وضع يده
على كتفي وكأنه يصطاد صيداً ثميناً ...
- " أنت أين إقامتك " .
* " أنا .. أنا مدرس ... في مدرسة ... هاهي أوراقي .... " ومددت يدي
لاستخراج تلك والورقة ,,, وأريته إياها ... وأخذ يضحك بصوت عال جمع
المارة حولنا
...
وقال لي : " تريد أن تضحك علي يا ... ما هذه الورقة
.... " .
كان يمسك الورقة بالمقلوب ... عفواً .... لماذا يظل أمياً والأموال من
حوله ليس له فيها نصيب ؟
قلت له : هذا وصل جواز السفر ...
- جواز سفر هذه الورقة جواز سفر ... أين صورتك ؟
وامسك خناقي .. وكان يدفعني دفعاً أمامه . وسمعت بعض الهمسات.. حرامي
...
حرامي ... وقادني إلى مخفر الشرطة .... بقيت ساعات طويلة بانتظار أن
يسألني أحد في المخفر أي سؤال ....قابلت وجوهاً كثيرة .. ولست أدري ما
الذي جمع كل هؤلاء ؟ ولكن شيئاً واحدا كان يجمعهم ... لعله الفقر .
بعد ساعات طويلة أخذت أصرخ .. جاء أحد حرّاس الحجز في المخفر ، وسأل عن
الذي يصرخ ، تقدمت لأقول له أريد أحداً يحقق معي ، فعالجني بلكمة على
فمي ، وبعصاه الثقيلة على جنبي ... وبرفسة في بطني فوقعت على الأرض
.....ثم قدم ضابط المخفر ، وكأنه جاء يتسلى بالمنظر ، ثم أشار إلى بأن
أتبعه . دخلت خلفه الحجرة ، وحينما أصبحت في منتصفها . دار وجهه ثم
عالجني بصفعة على وجهي .. صارخاً : " يا كلاب لا تجدون ما تأكلونه في
بلادكم ... وتأتون بلادنا .. ثم تصرخون ولا يعجبكم العجب " .
كان بودي أن أقول له أن هذه بلادنا أيضاً ... ولكننا معلقون بمشنقة
اسمها جواز السفر .
قلت له :
" هناك سوء فهم .. أنا مظلوم ... أنا مدرس ... " .
التفت إلى : " ماذا ؟ أنت مدرس .. ؟ " .
قلت له : " نعم .... " .
ومدت يدي لأعطيه صورة إيصال جواز السفر ... وجلس على طرف مكتبه ...
وأمسك بالوصل ... ثم قال لي اجلس .... أحسست بالراحة بعد ذلك ... فشكوت
له مرارة الظلم الذي عانيته أثناء اعتقالي وضربي بلا سبب... فضحك وقال
: " أنت متعلم ... ويجب أن يكون بالك طويل .. هذه اجراءات اعتيادية
... يجب أن تتحملها أنت وغيرك من الأبرياء وإلا فكيف يمكن أن نقبض على
المجرمين إذا لم يكن هناك ضحايا
" .
وحدّثتُ نفسي ، منطق سليم .. ضحايا ... ولماذا نحن دائماً الضحايا ..
لكن هل يقبضون على المجرمين الحقيقيين ؟
.
وحكيت له قصة جواز السفر .. قال : " طوّل بالك .. ما دمت قد سلّمت جواز
السفر ... لا تخش شيئاً ، الأرض لن تبلعه.."
عدت إلى القرية حيث التم الزملاء ليسمعوا مني حكايات جواز السفر ، وما
استتبعه من مشاكل ... قررت أن أعود في الأسبوع القادم ... وألا ارجع من
غيره مهما كلفني ذلك
.
واستدعاني مدير المدرسة في اليوم التالي واخبرني أنه لم يعدْ يستحمل
سفري الدائم من اجل جواز السفر ، لأن ذلك يؤثر على أدائي واجبي وان
غيابي بعض الحصص ... لا يمكن أن يظل إزاءه صامتاً دون أن يخبر إدارة
التعليم
...
حاولت أن أفهمه أن ذلك ليس بإرادتي ... وان أفهمه أن حياتي ... مربوطة
بجواز سفر ... وان فقدته يُسبب لي من المتاعب أكثر مما لو فقدت وظيفتي
....
وقلت له : " لماذا لا تساعدني من خلال معارفك في المدينة تريحني وأريحك
من إزعاجي ..". برهة ... وقال :
- إذن انتظر ... بعد أسبوعين لي رحلة إلى المدينة سآخذك معي .
مر الأسبوعان وكأنهما شهران ثقيلان ، ولم تستطع نكات الزملاء ولا قصصهم
أن تزيح ثقل الأيام ، ولا ان تنسيني خوفي من فقدان جواز سفري .
وحينما ذهبت مع مدير المدرسة .. كان علينا أن نمر أولاً على مدرسة
التعليم لينهي بعض الإجراءات ... ثم بعدها توجهنا إلى إدارة الجوازات ،
دخلنا المبنى .. وقدته إلى المكتب ، هناك وقف أحد الموظفين
:
"
أوه عقاب أهلاً ماذا جاء بك .. " واحتضنه .. وسلم على الموظف الآخر ...
وقدم إليه زميله عبد الله . وسلّما عليّ ... وتخلى الموظف عن كرسيه
ليجلس الأستاذ عقاب مدير المدرسة وتحدثا طويلاً عن انقطاع أخبارهما عن
بعضهما البعض
.
ثم قال الأستاذ عقاب : " يا فيصل لماذا تفعلون هكذا بالأستاذ ؟ لقد تعب
وتعبت المدرسة كلها معه ... أين جواز سفره..؟ " .
جلس فيصل على طرف مكتبه في مقابلة زميله عبدالله واصدر صوتا ...
وانطلقت ضحكة مكتومة من عبدالله ... وعيناه تنظران إلى أسفل المكتب ...
نظرت حيث تتوجه عيناه .... أوه ... هل ما تراه عيناي يمكن أن يكون
حقيقياً ؟
هل ذلك هو جواز سفري الذي يثبتون به أحد قوائم المكتب لئلا يهتز ؟
وصعق قلبي ... كأني أقابل حبيبة طال انتظاري لغيابها .
وقلت له : " ها هو " ...
وهجمت على المكتب أحاول انتزاع جواز السفر ... من تحت المكتب الذي
يجلس فيصل .. ونزل عن المكتب ورفعت المكتب وسحبته .... قبلته وأنا أصرخ
أنه هو .. وكنت أقفز وأقول:
جواز السفر ..... جواز السفر .

|