|
تتركز مساعي القوى المهيمنة على إحكام طوق الحصار على
شعوب العالم وتيئيسها من أي أفق بديل للرأسمالية
يسلحها بالتفاؤل وأمل الخلاص من عواقب نشاطها الكوني.
فما بين تغلغل الاحتكارات فوق
القومية، في الاقتصادات المحلية وتدميرها، وشن الحروب
العسكرية والثقافيةـ النفسية على مدار الساعة، وتنظيم
حملات الدعاية لقدر الرأسمالية الأبدي، بكل شرورها
الصارخة من مجاعات ومجازر عرقية ومخاطر
تلوث البيئة وفقر تتسع رقعته باستمرار وتقليص خدمات
الرعاية الاجتماعية وغيرها من الكوارث، تغرق
الرأسمالية أوسع القطاعات الشعبية في مستنقع الحيرة
واليأس، إذ تجد نفسها داخل حصار محكم . وانبرى كاتبان
يبددان الحلكة ويكسران طوق الحصار: الأول عالم
الاقتصاد البريطاني ، اشتيفان ميساروش، وضع مؤلفه
"أبعاد التطورات الجاريةـ القرن القادم قرن اشتراكية
أم بربرية؟" والثاني هو الصحفي الأمريكي دانييل سينجر
وعنوان مؤلفه "الصراع في العالم في الألفية الجديدة ـ
ألفية من؟ لنا أم لهم؟". العنوانان يطرحان البديل
للرأسمالية بوصفها مجتمع انتقالي. والاشتراكية أحد
بديلين. ترجم الكتابين الأستاذ مازن الحسيني،
وأصدرتهما دار التنوير في رام الله عام 2003.
البحثان متكاملان، ويسهل بالتالي تناولهما في عرض
واحد. والكاتبان يناقشان الأحداث والظواهر من منطلق
ماركسي، مؤكدين أن النقد الماركسي للرأسمالية ما زال
يحتفظ براهنيته شريطة التعامل مع النظرية الماركسية
طبقاً لروحها الجدلية التي ترفض التحنيط والكسل
الذهني. ركز الأول على تحليل البنية الهيكلية
للرأسمالية المعاصرة، موضحاً عوامل أزمتها وعناصرها،
وكرس الجزء الثالث والأخير من بحثه "تحديات تاريخية
تواجه الحركة الاشتراكية" لعرض القواعد الأساس
لعملية التحول الاشتراكي. وقدم الثاني دراسة تاريخية
للعلاقة التناحرية بين قطبي الصراع الكوني في العصر
الحديث ـ الرأسمال وضحاياه ـ أبرز فيها عوامل أزمة
الاشتراكية والاشتراكيين، موضحاً الطريق للتغلب على
الأزمة الذاتية وولوج رحاب التحرر من استبداد
الرأسمال. كما فصل في الجزء الثالث والأخير سمات
البديل الاشتراكي للعولمة. الكتاب الأول ينذر من مصير
فاجع يواجه البشرية يتراوح بين البربرية ودمار الحياة
على وجه كوكبنا إن لم توفق قوى التقدم في القضاء على
الوحش الكاسر. ويشاركه الكتاب الثاني الرؤية والتقدير،
فينذر في الختام بأن اليسار" إذا فشل في توفير حلول
عقلانية تقدمية للأضرار الاقتصادية والاجتماعية،
فسيتقدم اليمين المتطرف بحلول رجعية وغير عقلانية
تستغل المخاوف التي تثيرها العولمة والتعصب الذي يعززه
التوجس". ولتجنب إرباك القارئ سوف يعمد العرض، لدى
الاقتباس، تمييز نصوص مؤلف الباحث أشتيفان ميساروس
بالرقم (1)، ونصوص مؤلف دانييل سينجر بالرقم (2).
العولمة قرار سياسي
الكاتبان ينفيان أن العولمة والنزعة العدوانية
المتصاعدة تطور تلقائي بحكم تطور التكنولوجيا، ويؤكدان
أنهما قرار سياسي أملته الحاجة للتغلب على الأزمة
البنيوية للرأسمال. "عولمة رأس المال الجارية أنتجت
وتنتج شركات ما فوق قومية عملاقة، ولكن ليس شركات
متعددة الجنسيات وكل حديث عن قيام العمال باقتسام
السلطة مع الرأسمال، أو المشاركة في صنع القرارات معه
هو ضرب من الخيال ، أو للتمويه" ( 1ـ 63) . يميزان
بين مفهومي " ما فوق القومية القومية" و "متعددة
الجنسيات". بقول ميساروش : العولمة متعددة الجنسيات
كلام فارغ ، تسيء عن قصد تعريف الشركات ما فوق القومية
( التي تسيطر عليها بقوة الولايات المتحدة الأمريكية)
وتحسبها متعددة الجنسية، وبالتالي مقبولة عموما".
ويقول سينجر" إدا كانت بضع مئات من الشركات ما فوق
القومية الضخمة تسيطر على شعوب العالم فإن كمية
إنتاجها خارج حدود قواعدها الوطنية ما زالت تشكل نحو
15 بالمائة من إجمالي الإنتاج الصناعي . جدورها قوية
في أوطانها ... وحتى عام 95 19، ومع وجود الصين ، التي
أصبحت المكان الجديد الجذاب ، استوعبت البلدان الغنية
نسبياً ذات الأجور العالية نحو 60 بالمائة من مجمل
الاستثمارات الجديدة"(2 ـ200).
ينطلق ميساروش من أن الرأسمال ، وهو يلهث خلف هدفه
الأساس ـالربح، قد أنهى مرحلة "الرفاه" وفقد وجهه
الإنساني، الذي لازمه ردحاً من الزمن، بعد الحرب
العالمية الثانية، وغير جذرياً وبغير رجعة ظروف إعادة
الإنتاج الموسع لرأس المال، فدفع"إلى المقدمة وبشكل
طاغ النزعات المدمرة ورفيقها الطبيعي، الإهدار
المأساوي. والمجمع الصناعي العسكري وتوسعه خير مثال"
. نتيجة لذلك تفاقمت مشكلة البطالة، وانتهت قضية تحديث
أقطار العالم الثالث إلى طريق مسدود. إن " فشل تحديث
العالم الثالث يلفت الانتباه إلى خلل هيكلي رثيس في
النظام"(1ـ17). كما يرز خطر التلوث البيئي، وجرى
بالتدريج تجريد الشغيلة من حقوقهم الوطنية ، الأمر
الذي يعري زيف الديمقراطية البرجوازية. هكذا تتشابك
كالغابة تناقضات التطور الرأسمالي. فحتى في ظروف
العولمة"رأس المال فشل في إكمال نظامه كرأسمالية كونية
، أي كتنظيم اقتصادي شامل لاستنباط فائض العمل على شكل
فائض قيمة. والآن يتعين على نصف سكان العالم أن يقوموا
بإنتاج معيشتهم بطرق تتناقض تناقضاً صارخاً مع ’آلية
السوق‘ التي صورت على أحلى صورة"(!ـ16). وتنطوي سيرورة
الرأسمالية على تناقض آخر يدور بين فرض الخصخصة من جهة
والتدخل المباشر وغير المباشر للدولة لدعم الاحتكارات.
" فالنظام لا يمكنه البقاء على قيد الحياة لفترة أسبوع
واحد دون المساعدة الهائلة التي يتلقاها على الدوام من
الدولة"(1ـ17). وتناقض آخر ينخر النظام يتمثل في نزعة
العولمة مع تواصل سيطرة الدولة القومية، وقولها الفصل
في صنع القرار الاقتصادي الاجتماعي الشامل.
أما دانييل سينجر فيتتبع التطور التاريخي لأزمة
الرأسمالية الهيكلية. فالنزعة العولمية ملازمة
للرأسمال بصورة طبيعية، ولكنها اتخت منعطفاً صاعداً مع
تولي روزفيلت قيادة الولايات المتحدة في عقد
الثلاثينات، بعد الكساد العظيم. . استلهمت الرأسمالية
النظرية الكينـزية الداعية لتدخل الدولة في النشاط
الاقتصادي . كان اللورد جون ماتيارد كينز أول
اقتصادي يقر بعجز الرأسمالية عن تحقيق استقرار داخلي،
أو التناسق الداخلي. وهي عاجزة بدون التدخل الحكومي
عن معالجة اختلالات عملية إعادة الإنتاج. وبانتهاء
الحرب العالمية الثانية خرجت الولايات المتحدة المنتصر
الوحيد بالمفهوم الاقتصادي : تنتج نصف الصناعات
التحويلية في العالم وتصدر ثلثي تجارته، وتمتلك 61
بالمائة من احتياطي الذهب. فجاءت اتفاقية بريتون وودز
تكرس تفوق الولايات المتحدة وتدشن هيمنتها الكونية.
.. التوسع الامبراطوري للولايات المتحدة واستيلاؤها
على الشركات الأجنبية فاق مواردها. ومع منتصف الستينات
أصبحت قيمة الدولارات التي بحوزة الحكومات الأجنبية
أكثر من احتياطي الذهب الأمريكي. وشهدت أوروبا قفزة
تنموية مدعومة بالقروض الأمريكية، ومضت فرنسا وإيطاليا
في الثورة الصناعية الثانية. أما اتفاقية بريتون وودز
فقد عقدت بعد الحرب العالمية الثانية وأقرت تأسيس
البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، وأقرت جعل العملات
قابلة للتحويل والدولار العملة الأساس في العالم،
وشجعت التجارة الدولية. حققت الرأسمالية المتقدمة
ازدهاراً ملحوظاً استمر حتى أوائل عقد السبعينات. في
هذه الحقبة التي سميت حقبة "الرفاه" بات الكثير من
الكماليات أشياء عادية وتحسنت الخدمات العامة الصحية
والتعليمية . غير أن حرب الفيتنام وطفرة الدولار
أثارتا انتقادات من جانب دول أوروبية أقدمت على تحويل
أرصدتها من الدولار إلى الذهب. ردت الإدارة الأمريكية
في آب 1971بفك ارتباط الدولار بالذهب، واعتمدت النظرية
النقدوية التي نزعم ارتباط نجاح الرأسمالية أو
إخفاقاتها بالسياسة النقدية. انكفأت الكينـزية، واضطر
الدعاة الذين كالوا المديح لكينز ومجدوا فيه "العبقرية
التي هزمت ماركس"، اضطروا إلى التحول 180 درجة ودفنوا
الكينزية بصمت كالفضيحة. "انتهت حقبة بريتون وودز، أو
’العصر الذهبي‘. حلت في سبعينات القرن الماضي مرحلة
الأزمة البنيوية للرأسمال. " وهذا ما حملها على تبني
مواقف أكثر عدوانية ومغامرة" (1 ـ 36). على إيقاع هذه
التطورات برز اليمين السلفي في الولايات المتحدة الذي
حمل ريغان وحزبه الجمهوري إلى سدة الرئاسة الأمريكية،
وبدأت موجة التسلح ببرنامج حرب النجوم وجر الاتحاد
السوفييتي إلى المزيد من استنزاف طاقته الاقتصادية.
"ولا تعزى مغامرات (الولايات المتحدة ) إلى ما أصاب
خصم الحرب الباردة من ضعف حاسم، بل على العكس إن
الانهيار السوفييتي نفسه لا يمكن فهمه إلا كجزء لا
يتجزأ من الأزمة البنيوية لرأس المال"(1 ـ 37). ويواصل
ميساروش القول برؤية تنبؤية( فقد انتهى من الكتاب عام
)1999: "والموقف من نظام صدام حسين نابع من فشله في
القضاء على النظام الجديد في إيران، فاعتبر حينئذ عنصر
عدم استقرار في منطقة غاية في عدم الاستقرار. إن ترقية
صدام حسين إلى مرتبة عدو خرافي يملك من القوة ما يجعله
قادراً على كل شيء، يهدد العالم بحرب كيماوية
وبيولوجية، إنما يوفر الإمكانية لغزو العراق، إضافة
إلى قتل مليون طفل عراقي دون رحمة... ومن ذا الذي
يستطيع أن يأتي بسبب ما يوضح لماذا لا يمكن تكرار
عمليات الاحتلال العسكري لمناطق أخرى من العالم في
المستقبل(1ـ 37).
"بات العالم يعوم في مجال المضاربات متجهاً نحو
الفوضى. فقد بلغت قيمة (اليورودولار) موضع المضاربات
في أوروبا قيمة احتياطي الولايات المتحدة من الذهب.
فرض حكم رأس المال ، إذ أتيحت له حرية التنقل والتغلغل
في بلدان العالم كافة"(2ـ209). وقد ساعد تطور نظام
الاتصالات الدولي ، من حيث السعة والسرعة على تزايد
أحجام الصفقات المالية للمضاربات بوتائر عالية: ثلاثة
مليارات دولار يوميا بالمعدل عام 1973 ، قفزت إلى 650
مليار في أواخر العقد، ثم24‘1 تريليون دولار عام 1995
. وكان لهذه الطفرة القياسية في توالد الرأسمال
وتوزيع الفائض أثرهما الهائل في تعمق الأزمة الهيكلية
للرأسمال. "بات عدد محدود من الشركات يسيطر على
الإنتاج والتجارة في العالم . ولكنه لم يقم عملياً
بتقسيم العالم . ولا يمكن لهذه الشركات فوق القومية
التوصل إلى سلام وتقسيم اقتصاد العالم فيما بينها،
مثلما لا يمكن للدول الرأسمالية إقامة حكومة عالمية
حتى بمساعدة مؤسسات مثل صندوق النقد الدولي. لقد حكم
على الاحتكارات الرأسمالية بنوع من المنافسة. العولمة
لبست تطوراً تلقائياً، بل نتيجة قرارات سياسية للتغلب
على أزمة الرأسمال البنيوية" (2 ـ221).
الخلاصة أن الحديث عن رأسمالية ذات وجه إنساني قد
انتهى، وأخذت الهوة تزداد وتتسع بين الأمم وداخل كل
أمة. وبات يقال أن العالم لم يعد يتحمل تكاليف دولة
الرفاه والخدمات الصحية المجانية ونظام التقاعد وحد
أدنى للأجور. "وما يقدم للعالم ليس الحلم الأمريكي، بل
الكابوس الأمريكي"(2 ـ266).الرأسمال لا يقبل من شريكه
الاجتماعي إلا الخضوع والامتثال. فعلاقته دوماً فوقية
عمودية . "رأس المال منظم اجتماعي لتأمين الطاقة
الضرورية لعملية إعادة الإنتاج المادي الذي يقرر في
النهاية أيضاً البعد السياسي. وهذه العلاقة المتبادلة
الفريدة في نظام رأس المال بين السياسي والبعد الخاص
بإعادة الإنتاج المادي هي ما يفسر سبب رؤيتنا لتحركات
دورية في أوقات الأزمات السياسية والاجتماعية
والاقتصادية الرئيسة، من التعبير السياسي الديمقراطي
البرلماني إلى مختلف أنواع التعبير المتسلط المتطرفة.
في حالات الغليان يسمح بهذه التقلبات. ثم تعود إلى
الإطار السياسي الذي تنظمه القواعد الديمقرطية الشكلية
للخصومة في الوقت المناسب، على الأرضية الخاصة بعمليات
تأمين الطاقة الضرورية للنشاطات الحيوية الاجتماعية
لرأس المال التي أعيد تشكيلها وتدعيمها من جديد...
الرأسمال يستثني احتمال أن يجري تحديه في مجاله
الجوهري، وبامتثال العمال لمثل هذه الأحكام يحكمون
على أنفسهم بالعجز الدائم" (1ـ 65) . في ظل الفردوس
الرأسمالي "تشير الإحصاءات البريطانية إلى أن طفلاً من
بين ثلاثة في بريطانيا يعيش دون خط الفقر. وفي أغنى
البلدان، تحت تأثير الأزمة البنيوية، وبناءً على
تقرير لجنة الكونغرس، وهي ليست ذات توجه يساري، يكسب
أغنى الأغنياء(1 بالمائة من المجتمع) ما يكسبه مائة
مليون نسمة(40 بالمائة) . وهي ضعف النسية قبل عشرين
عاماًـ 49 مليوناً، أو 20 بالمائة. و بنظرة تنبؤية
بفضل عمق اختراقها لجوهر الواقع، يقول ميساروش، "إن
استمرار تدعيم الهيمنة الاقتصادية للدولة الأعظم
الوحيدة الباقية ـ الولايات المتحدة الأمريكية يلقي
بظلال غاية في السواد على المستقبل... وصلنا إلى مرحلة
التطور ما فوق القومي لرأس المال ، مرحلة أصبح من غير
الممكن معها تجنب مواجهة تناقض جوهري وقصور هيكلي في
النظام.إي فشله الخطير في إقامة نظام رأس المال ذاته،
كمكمل لتطلعاته وتعبيراته ما فوق القومية، حتى بتمكن
بالتالي من التغلب على الخصومة المتفجرة بين الدول
القومبة"(1 ـ 23). الولايات المتحدة تحتكر أسلحة
الدمار الشامل، وتحتكر القرار، وتدوس بساطيرها
العسكرية على استقلال أكثر من 65 دولة، وتحتكر
التكنولوجيا والتجسس الإليكتروني، إذ " اكتشف وجود
كود( شيفرة) تمكن أجهزة الأمن والأجهزة العسكرية
الأمريكية من التجسس على كل من يستخدم برنامج ويندوز
التي تصنعها ميكروسوفت والانترنت "(1ـ 31). فمنطق
التسلط الأميركي يتفق مع "منطق رأس المال في المرحلة
التاريخية الراهنة من التطور الكوني. وهو، فيما يتعلق
بالظروف المطلوبة لاستمرار بقاء الإنسانية، أكثر
أشكال اللامنطقية تطرفاً في التاريخ، بما في ذلك
المفهوم النازي للسيطرة على العالم"(1 ـ 32). غير أن
الهيمنة المطلقة مستحيلة . فهناك "عقبتان تحولان دون
النجاح في احتكار الشمس والهواء. أولاً لا يمكن التخلص
من تعددية رأس المال، وثانياً إن تعددية العمل
الاجتماعي المقابلة لا يمكن التخلص منها حتى يتم تحويل
اليد العاملة إلى خدم طيعين لا يفكرون لفئة رأس المال
السائدة المهيمنة"(1 ـ 33) .
حكم الرأسمالية وسيادة الرأسمال
تلوذ دعاية الرأسمال، لكي تحمل الشعوب على القبول بهذا
النموذج الكريه للحياة الاجتماعية في ظل هيمنة
الرأسمال، إلى الحديث المكثف عن سقوط البديل
الاشتراكي، وانتصار الرأسمالية الحاسم ، كما يزعم.
ويرد الكاتبان بأن الذي سقط لم يكن اشتراكياً، إنما
نموذج من نماذج الرأسمالية. "الفرق حاسم بين حكم
الرأسمالية وسيادة الرأسمال. الرأسمالية في شكلها
الكلاسيكي، والتي بكل تأكيد لم يكن لها جذور قوية في
روسيا ، قضت عليها الثورة قضاءً تاما. ولكن ظلت سيادة
الرأسمال، سيادة العمل الميت على العمل الحي، سيادة
الآلة على الإنسان"(2 ـ 244) . تقارب الدراسة
التاريخية للكاتب سينجر التجربة السوفييتية في الجزء
الأول ـ "الإرث"ـ حيث توضح أصل الداء : "خلق ستالين
نظاماً يديره أصحاب الامتيازات."(2 ـ28). و" كمنت
مأساة الاشتراكية في التناقض بين المشروع الاشتراكي
وتخلف روسيا... ويمكن اعتبار الستالينية نتاج ذلك
التناقض في التعبير ’التراكم البدائي الاشتراكي‘"(2 ـ
25). مسخ ستالين ثورة أكنوبر إلى مجرد انقلاب. ألثورة
البلشفية تكمن مفخرتها في التزامها بشرف الكلمة التي
قطعها البلاشفة الروس مع الاشتراكيين الأوروبيين.
و"الالتزام بشرف الكلمة تحول إلى ورطة"(2 ـ 22) . وضع
لينين خطة لثورة ثقاقية تمتد جيلاً، كي يتحول
المزارعون والبرجوازية الصغيرة إلى الاشتراكية. . قال
لينين حينذاك، إننا أنجزنا العمل الأسهل يالاستيلاء
قسراً على أملاك البرجوازية الكبيرة والإقطاعيين.
وبانتظارنا المهمة الأصعب والتي تتطلب ثورة ثقافية
تسفر عن رفع المنسوب الثقافي والكفاءة المهنية
للجماهير وتتعامل بالإقناع مع بناة الحياة الجديدة.
وسلك ستالين الدرب الأسهل، فأنجز ما كان يستغرق جيلاً
في عام واحد فقط، لكن بأساليب مفرطة في الدموية. .
وحدث الافتراق عن نهج أكتوبر الثوري في العام 1929.
"وأي شخص له معرفة بالاتحاد السوفييتي لا بد له أن
يصدم للفارق السياسي والأخلاقي يين فترة لينين وعهد
ستالين"(2ـ25). استن الأخير نموذج حكم البيروقراطية
المنزوية عن جماهير الشغيلة ونمط الإدارة الأوامرية
والتعتيم على الجماهير ، بينما حذر لينين من
البيروقراطية ، وأوصى بإضاعها كلياً للمراقبة
والمحاسبة. ظل يردد أن إخفاء الحقيقة عن الشعب بمثابة
الانحطاط إلى درك السياسة البرجوازية. " أقدم ستالين
عام 1929 على حملة تجميع المزارع قسراً ...تسبب ستالين
في ثورة تكاد تشيه حرباً أهلية، احتاجت الزراعة
السوفييتية عقوداً كي تستعيد عافيتها من تلك
المصيبة"(2ـ26). حتى "التخطيط أصبح عملية إكراه وإملاء
إداري فوقي، بدلاً من أن يكون إحدى أدوات الديمقراطية"
(2ـ27.)."هنا كمنت بذور 1989" (2 ـ 28). لا يمكن إنكار
التوسع الهائل للخدمات الاجتماعية وتوفير فرص التقدم
المهني والعلمي لأبناء العمال والفلاحين، "فقد تكونت
إنتلجنسيا مهنية على نطلق البلاد. وكان الاتحاد
السوفييتي بؤرة حماس الشبيبة التي بنت المصانع
والسدود. فعملية التصنيع السريعة هي التي أدت إلى بناء
المصانع التي أنتجت دبابات ومدافع الجيش الأحمر التي
أنقذتنا من الوحش النازي، ومكنت سنالين، مخترع
الاشتراكية في بلد واحد، من الوصول ب ’اشتراكيته‘ إلى
ضفاف نهر الألب"(2 ـ 27). غير أن إدارة بضعة مصانع أمر
يختلف عن إدارة مجمعات اقتصادية ضخمة . والبنيان
الإداري بقي على حاله دون تغيير.
كان على خروشيف الاضطلاع بمهمات الإصلاح ، وتخليص
الاقتصاد والحياة الاجتماعية والنظام الإداري في
الاتحاد السوفييتي من عاهاتها، التي بدأت آثارها تتجلى
بسطوع في إعاقة النمو. برزت أستلة المرحلة و"فشل
خروشيف في تقديم أجوبتها.: كيف يمكن حمل الناس على
العمل بدون أسلوب الإكراه الستاليني؟ أي مؤسسة يتعين
اختراعها كي يصبح التخطيط أداة تنظيم ذاتي ديمقراطي،
وأداة إحلال المساواة بين المناطق والطبقات والأفراد؟
كيف ينم إقناع الشغيلة بأنهم يملكون مصانعهم
وكولخوزاتهم ، والعمال لم يحصلوا على مستوى من الوعي
يجعلهم يطالبون بذلك؟"(2 ـ 30). والأسوأ أن النظام
الستاليني مثل قدوة سيئة لفصل النقابات العمالية عن
القرار السياسي، والفصل بين القرار الاقتصادي والقرار
السياسي . يقول ميساروش، ملقياً الضوء على واحدة من
السمات الأساس للديمقراطية الاشتراكية، "ستالين حط من
قدر النقابات وأوصلها إلى مكانة ما
أسماه
"أحزمة
النقل والتوصيل"
للدعاية الرسمية، معفياً بذلك في الوقت نفسه، النمط
المتسلط لصناعة القرار السياسي في بلدان ما بعد
الرأسمالية من أي إمكانية رقابة، من قبل القاعدة
الطبقية العمالية. فمن المعلوم ، ونظراً للتجربة غير
السعيدة مع النوعين من الأحزاب السياسية (يقصد
الشيوعيين والاشتراكيين الديمقراطيين)، ليس هناك أمل
للحركة الاشتراكية في إعادة التعبير عن نفسها بشكل
راديكالي، دون الجمع بين
"الذراع
الصناعي"
و"الذراع
السياسي".
من خلال منح سلطة حقيقية للنقابات في صناعة القرار
السياسي. ومن ناحية أخرى بجعل الأحزاب السياسية نفسها
نشطة بشكل يتسم بالتحدي في
"النزاعات
الصناعية".باعتبارها
خصم رأس المال الذي لا يلين ويتحمل مسئولية النضال
العمالي، خارج البرلمان وداخله."(1 ـ 57).
وسقط خروشيف. أبعده البيروقراطيون أصحاب الامتيازات
عن الحكم وتسلم بريجنيف السلطة ، فأهدر سبعة عشر عاماً
في "خمول وتبلد سياسيين، بلغ خلاله الركود الاقتصادي
حداً لم يعد ممكناً تحمله سياسياً"
(2 ـ 31).غيرت حقبة بريجنيف ميزان القوى لصالح البيروقراطية. وبينما لم تستقر
أوضاعها زمن ستالين فقد استقرت وراحت تطالب بالتملك .
ومن صفوفها خرج لصوص القطاع العام ، غايدار وتشوبايس
وتشيرنوميردن وأضرابهم. كان غورباتشيف منذ البداية
يسير طبقاً لبوصلة الرأسمالية. لكنه لم يتحرك بالسرعة
المطلوبة باتجاه الرأسمالية .. فانحاز هؤلاء لخصمه
اللدود ييلتسين، وبدأت مرحلة العلاج بالصدمات،
المرتبطة برأس مال المضاربة الدولي. "حدثت في هذه
الأثناء أكبر عملية نصب واحتيال في التاريخ. تقاتل
شركاء الجريمة وفضحوا عمليات الرشاوى والصلات
المشبوهة"(2 ـ45). "تمكن اللصوص من الاستحواذ على أكبر
شركات البترول في العالم وعلى غيرها من الشركات ، وعلى
خيار امتلاكها في المستقبل . وبرز بيريزوفسكي وأعوانه
(السبعة الأشرار) يمتلكون نصف ثروات روسيا" (2 ـ 46)
. "حل قانون الغاب الرأسمالي محل الرياء الستاليني، في
السابق كانت المافيا ظاهرة هامشية، فباتت مركزية .
تقوم المافيا مثل الفساد باختراق الجميع"(2 ـ 48).
أما الطبقة العاملة فقد تبلبلت، واعترتها الحيرة،
ومزقتها التناقضات: هي تعرف أنها ليست الطبقة الحاكمة.
هي ضد الحزب الشيوعي لأنه السيد، تحبذ السوق بشكل مبهم
لأن ذلك يعني انهيار النظام، لكنها كانت ضد كل ما
تمثله الخصخصة وتعنيه ـ عدم ضمان فرص العمل، وفوارق
هائلة في الأجور وازدياد سلطة الأسياد... إن القول
بأن المعارضة الاشتراكية مازالت تحبو ينم عن مبالغة
متفائلة. هل ستنمو المعارضة بنفس السرعة التي تتفتح
فيها الأعين في الفترة الراهنة على إعادة توزيع
الثروة؟ أم أنها ستضطر للانتظار إلى أن يحس الناس
بالآثار الكاملة للخصخصة؟"(2 ـ 50). ينفي سينجر عن
الحزب الشيوعي الروسي صفة المعارضة الاشتراكية ، وكذلك
الحزب الاشتركي الديمقراطي البولوني." فالوثيقة
المتضمنة برنامج زيوغانوف الانتخابي(عام 1996) لم تقدم
حلاً اشتراكياً . هي مجرد إدانة لسجل خمس سنوات من حكم
ييلتسين ...يكتنفها غموض لم تستدعه الرغبة في إخفاء
نواياه عن الدائنين الأجانب، أو بدافع الحاجة إلى
التوفيق بين فئات متنازعة من ناخبيه، ضحايا النظام
الجديد"(2 ـ 106). أما الحزب البولوني" فمن المفارقات
أن نواب حزب الفلاحين(الحليف التقليدي للشيوعيين
البولونيين) كانوا أقل حماساً للانتقال إلى الرأسمالية
من شركائهم الشيوعيين سابقاًـ الحزب الاشتراكي
الديمقراطي"(2 ـ138). كانت بلدان أوروبا الشرقية أيضاً
ضحايا التخلف التاريخي. "تخلف الاشتراكيون
الديمقراطيون في أوروبا الغربية عن إنجاز تحولات جذرية
في المجتمع في الوقت المناسب، الأمر الذي أفضى إلى
مأساة الماركسية في أوروبا الشرقية"(2 ـ 78). أسفرت
التحولات الدرامية في روسيا عن رأسمالية مشوهة
وديمقراطية أكثر تشوهاً . استبدلت الإدارة الأوامرية
بالشعوذة السياسية والاقتصادية. "الطيقة الجديدة يتمتع
أفرادها بعنجهية محدثي النعمة، وليس الثقة بالنفس التي
يتمتع بها الواعون طبقياُ بأنهم يؤسسون نظاماً جديداً.
وحسب قول ماركس، ’ إنهم ما زالوا في مرحلة تراكم
الأفراح وليس تحقيق التراكم، وسماتهم المميزة هي
الاستهلاك الملحوظ وتهريب رؤوس الأموال إلى الخارج‘.
ولا بد أن القادرين منهم سيتذكرون ما تعلموه على مقاعد
الدراسة قول ماركس’ يدرج الرأسمال على مسرح الحياة وهو
ينز من رأسه حتى أخمص قدميه صديداً وقذارة‘"(2 ـ 49).
وبصدد الديمقراطية، التي من أجلها حدثت كل هذه
الإنهيارات، تاتي دراسة دانييل سينجر على الصلاحيات
المطلقة التي خولها ييلتسين لنفسه لدى وضع الدستور
الجديد وفرضها بالقوة، ثم قصف البرلمان بالمدفعية،
وبدد المجلس الذي أبدى معارضته لإجراءات ييلتسين، أمرٌ
" يبين بجلاء أن دول الغرب لم تكن معنية بتحقيق
الديمقراطية ، بل بالأرباح" (2 ـ 42). ثم يتساءل بصدد
انتخابات عام 1996:"هل فكر ييلتسين وزبانيته بالتخلي
عن الحكم لو أن حكم الشعب جاء ضدهم؟ رددت الدعاية
الرسمية ’ ان فوز زيوغانوف ينذر باندلاع حرب أهلية‘،
وهذا يعني أن المنتفعين من الحكم ومن هم على شاكلتهم
سيلجأون إلى السلاح لإحباط مشيئة الشعب لو انتخب
شيوعياً"(2 ـ89). ويسرد الباحث حيثيات التدخلات
المالية والإعلامية والسياسية المتحيزة بصراحة ،
لدرجة أن "معهد الإعلام الأوروبي المتعاطف مع ييلتسين،
استنكر في تقرير أصدره بعد انتهاء الانتخابات التغطية
الإعلامية للانتخابات الروسية عام 1996 باعتبارها تشكل
خطوة إلى الوراء. واستنكر عدم حيادية لجنة الانتخابات،
وكذلك عدم تصوير المتنافسين تصويراً ايجابياً في
القنوات التلفزيونية"(2 ـ 98). ويعلق سينجر بالقول،"
هناك الكثير المشترك بين الكاريكاتير الروسي وما يمارس
بمهارة في الغرب. إنهما لا يختلفان من حيث الجوهر. فما
يهم في الواقع هو الحفاظ على المجتمع القائم على
الربح. وفي كلتا الحالتين فاسم اللعبة واحد: كيف يمكن
الضحك على غالبية الناس واستغفالهم طيلة الوقت؟"(2 ـ
102).
ترك اختفاء الاتحاد السوفييتي آثاراً متضاربة على
الوضع الدولي، نظراً لتضارب تأثيره في الحياة الدولية:
"وقف الاتحاد السوفييتي على رأس قوة عملاقة من العالم
ليس من السهل على رأس المال العالمي أن يتغلغل فيها
سعياً وراء الربح. وكان بالفعل يحمي الساعين للانسلاخ
عن النظام الرأسمالي الكلاسيكي.. وبالمقابل أتاح "
الخطر الأحمر" الفرصة لحكومات الغرب كي تواصل التسلح
بنفقات متزايدة حركت اقتصاداتها، ودفعت الحاجة إلى
الوحدة المتنافسين الرأسماليين إلى رص الصفوف تحت
الزعامة الأمريكية" (2 ـ 62) .." والكتب التي تتناول
فظائع الستالينيين يقـلل مؤلفوها من فظائع الرأسمالية
ومن أزمتها العامة، وما رافقها من انتشار البطالة
الواسعة ، والنزاعات الاجتماعية وحروب التدخل
الامبريالي. بمقدور من عاشوا تلك الفترة أن يؤكدوا أن
الشيوعيين كانوا القوة الأساس في العديد من المعارك
الحيوية"(2 ـ 58). "أما بلدان العالم المتخلف فالآفاق
أمامها أشد قتامة للخروج من فلك الرأسمال لأن الاتحاد
السوفييتي وضع حدوداً للتدخل الأمريكي، ما مدى جدية
هذه الحدود؟" (2ـ 58). بسبب بطء التطور لم يوفر
الاتحاد السوفييتي السوق البديلة للسوق الرأسمالية
التي ورطت بلدان العالم النامي في العجز التجاري وعجز
المدفوعات، ثم أخضعتها لمديونية لا ترحم . وهذا ما وفر
الربيع الحقيقي للسوق الرأسمالية كي تهدر ثروات
البلدان النامية من خلال مقص الأسعار. فكانت الحاجة
إلى السوق البديلة على رأس الأولويات لتحقيق التنمية،
كي يتم "تحول النضال المناهض للامبريالية إلى نضال
مناهض للرأسمالية" حسب الفرضية اللينينة. قدم الاتحاد
السوفييتي لبلدان عدم الانحياز مساعدات وحماية أغرتها
بتفتيت الجبهات الداخلية، ونقلت عن الاتحاد السوفييتي
عدوى نظام الحزب الواحد وكبح المعارضة وإدمان الفساد.
إلا أن "من الواضح أن الرأسمالية قد أطالت في عمرها،
وتمددت حتى فلاديفوستوك. وبغض النظر عن الصعوبات
الراهنة فإن تمدد الرأسمال سيقطع به الحبل وبذور
الهزيمة كامنة في الانتصار"
(2 ـ65).
والاشتراكية الديمقراطية خمدت جذوتها
يخصص سينجر فصلاً من كتابه لتأبين الاشتراكية
الديمقراطية . فقد انهارت قبل انهيار الاتحاد
السوفييتي، مع غروب شمس حقبة "الرفاه"، حيث جرى تقديم
الرأسمالية "كنظام يوصل إلى سر الشباب الدائم. ولعل
المؤرخين سيذكرون بشيء من السخرية أن شيوعيين توصلوا
إلى طريق ’المصالحة التاريخية‘ عند انتهاء حقبة ازدهار
الرأسمالية. .. المهم أن على خلفية إعادة هيكلة
الرأسمال بدأ تحول نحو اليمين، أيديولوجي وسياسي استمر
حتى الوقت الراهن"(2 ـ 70). " ثمة دلائل تشير إلى أن
الرأسمال أخذ يفقد قدرته على خلق فرص عمل جديدة. وهذا
يقربنا من الحقبة التي تنبأ بها ماركس، في كتابه
المخطوطات، حيث " ’تبدو فيه سرقة وقت العمل المغترب ـ
ركيزة الثروة الحالية ـ قاعدة بائسة في مقابل هذه
القاعدة الجديدة التي خلقتها الصناعات الكبيرة نفسها‘
. تقدمنا التكولوجي مقرون بتخلفنا الاجتماعي "(2 ـ
74). حصلت حملات احتجاجية ، "لكنها عجزت عن توحيد
الصفوف،في هجوم مشترك. كان الانتقال إلى الهجوم عملاً
خطيرا ًفي عرف سدنة الرأسمال. تقدم الفكر الرجعي إلى
المعركة، ولم يقدم شيئاً جديداً، تدرج هجومه من ’أي
قطيعة مع الرأسمالية خطر‘ ، إلى ’ ليس من بديل
للرأسمالية‘ ثم ’التاريخ وصل نهايته‘ "(2 ـ 71). إن
أحجام تحرك الرأسمال، وأحجام المضاربات دليل على ضعف
الحكومات النسبي، وكذلك تضاؤل نفوذ الهيئات التشريعية
حيال نشاط الرأسمال الاحتكاري. فالرأسمال وهيئات
التجسس السرية والميديا، قلصت إلى حد يشبه الشلل قدرات
الديمقراطية البرجوازية. فتمثيلها للشغيلة يتقلص إلى
حد كبير. وكثير من الاتفاقيات الاقتصادية والعسكرية
يجري تمريره بسرية. علاوة على ذلك، "فكل حكومة تدرك أن
سياستها المالية والضريبية مقيدة خوفاً من هرب رؤوس
الأموال. وانتقلت بلدان أوروبا إلى نظام التجارة الحرة
، من خلال توحدها ، أي إلى حكم الرأسمال(2 ـ 72), وما
يطلب الآن من زعماء الاشتراكية الديمقراطية " أن لا
يكونوا مدراء إصلاحيين للمجتمع، وليس حتى إدارة
المجتمع بدون إصلاحات ، كما هو عليه، بل التخلص من
مكاسب حقبة الازدهار. ومصيرهم معلق بها. وهذا يفرض على
زعماء الاشتراكية الديمقراطية قطع العلاقات العضوية مع
النقابات وتحويل أحزابهم من تجمعات مناضلين إلى مجرد
أجهزة انتخابية بحتة، والتراجع عن جبهة القضايا
الاجتماعية."( 2 ـ 75). عليهم أن ينتُقوا كل ما كسبته
الاشتراكية الديمقراطية في حقبة الازدهار. ولكن ذلك من
شأنه أن يعجل في النهاية. "إذا حدث ولم يستطع رأس
المال، تحت ضغط أزمته البنيوية، تقديم شيء لمحاوره
المنطقي، لا وبل اضطر أيضاً إلى التراجع عن بعض ما قدم
من تنازلات، فهاجم بعنف ’دولة الرفاه‘ وكذلك الضمانات
القانونية لحماية العمال والدفاع عنهم ، مستخدماً
قوانين متسلطة مناهضة للنقابات،’يسنها ديمقراطياً‘ فلا
بد حينئذ من أن يفقد النظام السياسي مشروعيته"(1 ـ
58).
البديل الاشتراكي
خرج الكاتبان، من إمعان النظر في أوجه القصور التي
اكتنفت إرث التجربة الماضية، باستخلاصات تتعلق
بالتحول الاشتراكي. التحول الاشتراكي موقف أممي ،
ونضال من أجل الديمقراطية، وضد كل تمايز أو تمييز بسبب
العنصر أو الطائفة أو اللون أو الجنس. كلاهما يرى
التحول الاشتراكي تجمع روافد من التحركات المناوئة
للرأسمال. "النصر لا يتحقق إلا من خلال تحالف عريض
تحتل الطبقة العاملة فيه مركز القلب. وتوجد مع الطبقة
العاملة ’حركات‘ تتكون من أناس عاملين، ،ولكن لديهم
قضاياهم الخاصة،التي يعتبرونها قضايا هامة، مثل النساء
والملونين وحماة البيئة"(2ـ 267). "عولمة رأس المال
الجارية أنتجت وتنتج شركات ما فوق قومية عملاقة، ولكن
ليس شركات متعددة الجنسيات وكل حديث عن قيام العمال
باقتسام السلطة مع الرأسمال ، أو المشاركة في صنع
القرارات معه هو ضرب من الخيال ، أو للتمويه" ( 1ـ 63)
.. ميساروش يجد محتماً اقتران النضال الاقتصادي
بالنضال السياسي: " فمن الضروري تفحص فشل اليسار
التاريخي في التجاوب مع التوقعات المتفائلة التي تحدث
عنها ماركس عندما اشترط عام 1847 الجمع بين النقابية
وتطور سياسي لاحق للطبفة العاملة يوازي التطور الصناعي
في مختلف البلدان الرأسمالية" ( 1ـ54). وأشار إلى أن
"الطبقات العاملة والمنتجة الأمريكية هي وحدها
القادرة على إنهاء التوجه المدمر للامبريالية الكونية
المسيطرة. فليس بوسع أي قئة سياسية ـ عسكرية على وجه
الأرض أن تحقق من الخارج ما يجب تحقيقه من الداخل على
يد حركة توفر بديلاً إيجابياً للنظام القائم في
الولايات المتحدة الأمريكية. وهذا لا يعني أن على
الآخرين الركون والانتظار... لا بد من معالجة جذور
التناقضات المتفجرة في كل مكان، بمشروع دولي حقيقي
يقوم بموجبه ’زبائنه‘ بمواجهة نصيبهم من شبكة تناقضات
الرأسمال الشبيهة بالغابة..."(1ـ 50). أما سينجر
فيتنبأ بأن العمال الأوروبيين هم المؤهلون للمبادرة .
وكل منهما ينطلق من رؤية تاريخية. ويحدد سينجر مراحل
النضال من أجل البديل : ديمقراطية تحقق المساواة.
فطالما الرأسمال يكرس الإجحاف والتمييز، حيث نصيب
العشرين بالمائة الأكثر ثراءً في العالم ازداد من 70
إلى 85 بالمائة من الدخل العالمي، وانخفض نصيب الخمس
الأفقر من 3‘2 إلى 4‘1 يالمائة، وحيث سكان البلدان
النامية ويبلغ عددهم3‘1 مليار نسمة، هم أشد الناس
فقراً، ويقدر معدل دخل الفرد منهم أقل من دولار
واحد... وبما أن القهر العنصري لم يفقد شيئاً من سمومه
والتمييز ضد الأجانب اخترع أساليب جديدة وجند في خدمته
المزيد من الأشخاص، أصبحت المساواة عنصراً حيوياً لا
غنى عنه من عناصر أي مشروع يسعى إلى تغيير حقيقي
للمجتمعات القائمة. ويقودنا مشروع المساواة إلى مشروع
الديمقراطية "(2ـ 167) . والرؤية الجدلية تقـضي تجميع
روافد التذمر. "البيئة الحالية لا تسمح بتوسيع أنماط
الاستهلاك السائدة في أقطار الغرب بحيث تصبح أنماطاً
عالمية. .إن نشر نمط الحياة الأمريكية في العالم كلام
فارغ، والمخرج يتمثل في البحث عن طريق للتعاون مع
البلدان النامية والقيام سوية بإعداد نمط إنتاج جديد
وأنماط استهلاك جديدة. وبالتالي التأكيد مجدداً بضرورة
التفكير بشكل أممي. ففي نهاية المطاف لا يمكن للقوى
التقدمية الادعاء بالقضاء على اللامساواة أو الظلم في
بلدها والسكوت في الوقت ذاته عن اللامساواة في
العلاقات الخارجية" (2 ـ228) . القضاء على حكم
الرأسمال يعني القضاء على الربح كهدف لعملية الإنتاج،
ومن ثم الانتقال إلى تلبية الحاجات الاجتماعية
المتنامية باستمار."هذا ما يقتضيه التحول من توسع
يحركه الربح إلى بديل يحدد المنتجون فيه أهداف الإنتاج
استناداً إلى الحاجات الاجتماعية"( 2ـ 171) . أما
التحول الجذري للمجتمع ف " لن يتحقق دون المشاركة
النشطة لضحايا الأزمة الراهنة الأساسيين." (2ـ 190) .
أزمة العمال الراهنة لا تقتصر على أنهم " لم يعد لديهم
ما يفقدونه ، فحرمانهم من السيطرة على وسائل إنتاجهم
يحرمهم من السيطرة على هدف عملهم ومعناه وحتى
تنظيمه... أما الفنيون في البرمجة ( غير المنتمين إلى
فئة ’المحللين الرمزيين‘ ويعملون في اختراع البرامج
التي تساعد المؤسسة في إحكام سيطرتها على العمال)،
فسوف يضطرون مع تفاقم الصدام الاجتماعي وانهيار خرافة
الطبقة الوسطى المظفرة، إلى اتخاذ قرار إن كانوا
سينحازون إلى ’الأسياد‘ ، استجابة لأمل يتلاشى في
الحفاظ على امتيازاتهم ، أم إلى العمال الذين من
مصلحتهم الإطاحة بالنظام كله سعياً وراء الاستقلال
الذاتي، وإثبات الذات"( 2 ـ 195) .
من الضروري تحقيق "الوضوح الأيديولوجي" حسب تعبير
ميساروش، كشرط لتحقيق وحدة العمال الأممية مقابل
العولمة. فالاضطراب الأيديولوجي هو العامل الذي يسهل
مهمات عملاء الرأسمال في أوساط الشغيلة والشعوب
المستعبدة. الديمقراطية لا تهدى من فوق،. وبناء
المجتمع الاشتراكي، مثلما رأت روزا لكسمبرغ المناضلة
الأممية التي عاصرت لينين واغتالها عناصر تتبع
الاشنراكية الديمقراطية الألمانية، "عملية طويلة
تستند على تطور وعي جماهير العاملين السياسي، وعي
ينمو عبر المشاركة النشطة في ذلك التحول. لا بد من
جمع كل أشكال النضال ووسائله، بحيث يصل مستوى الاستياء
والغضب جراء استفحال البطالة والظلم الاجتماعي المقترن
بغياب أي آفاق للتقدم وبعبثية الحياة.. يصل حداً يجعل
الناس تشعر أن النظام لم يعد يحتمل، وبالتالي يقررون
الخلاص منه" (2 ـ 267) . الميديا في الغرب احتكارات
فوق قومية، ترتبط عضوياً بالمؤسسة المهيمنة، وتنقل
رسالتها الإيديولوجية. "والمشكلة أن الإيدولوجيا
الحاكمة كالهواء الذي نستنشقه، ولكن لا ننتبه لوجوده
في غالبية الأحيان"(2 ـ 282). أصبحت الرياضة الآن
ملهاة للبشر، وهي تقدم ثقافة شعبوية تنشر اللامبالاة
حيال مشاكل الحياة. وبات يخصص لها الحيز الأكبر على
الشاشة الصغيرة . بل ويجري حالياً إنشاء فضائيات
متخصصة للرياضة. وتشكل القنوات المتخصصة خطورة كبيرة
على الوعي الاجتماعي. إذ من الضروري أن تشمل الثقافة
مختلف جوانب المجتمع والطبيعة. "تحولت الرياضة إلى
بيزنيس، سلب منها الروح.وتربح الشركات ما فوق القومية
المليارات من الإعلانات ومن بيع الأدوات الرياضة .
ويعتبر هذا التجمع الضخم لأكثر الألعاب الرياضية شعبية
فرصة ذهبية لتلك الاحتكارات التي باتت ترعى أندية
الرياضة وتحول الألعاب إلى مشاهد جذابة لملايين
البشر"(2 ـ286). الإعلام حافل بالمفاهيم الإيديولوجية
البرجوازية ... "يجب الحذر من الوهم القائل بأن سيادة
الإيديولوجيا المسيطرة أصبحت مهددة بشكل جدي إذا ما
تمكن شخص راديكالي من الظهور على الشاشة الصغيرة، أو
تحدث في الإذاعة، أو لأن يعض المقالات النقدية وجدت
طريقها إلى الصحافة. فلدى الأنظمة مجالات أوسع
للمناورة ، وسيتطلب الأمر أكثر من ذلك لتقويض سيطرتها
الطبقية. وبالعكس يكمن الخطر الأكبر في احتمال عدم
النشاط الناجم عن الشعور بالعجز أو بالإحباط نتيجة
الشعور بعدم البديل... يجب استثمار الفرص والمناسبات
والاستفادة من كل منبر متاح ، ومن شيكة الإنترنت
وأعمدة الصحف وغيرها للتشويش على المألوف ومقاومة جوقة
الدعاية المنظمة والمتدفقة للمؤسسة"(2 ـ 282).
يستذكر ميساروش كوكبة من كبار المثقفين استطاعوا
اختراق شبكة التضليل البرجوازي ودق ناقوس الخطر ،
فيقول: "ولا يحتاج الأمر لمناضل اشتراكي كي يدرك ما
نواجهه من مخاطر. يذكر جيداً ناقوس الخطر الذي دقه
الحائز على جائزة نوبل، جوزيف روتيبلات، بصدد البحوث
الربحية في مجال تقنية الاستنساخ .. فأمثال هذه
النشاطات تظل أسيرة حتميات توسيع النظام بغض النظر عن
العواقب الإنسانية والبيئية، وتمثل بعداً
جديداً لقدرات الإنسانية على تدمير نفسها. يضاف لذلك
الأسلحة المتعددة. وعالم آخر (دينيس نوبل ـ "النزاهة
الأكاديمية"Integrity
in the public and private domains)
برز في خضم الحملة لإبعاد مارغريت تاتشر عن مجلس
رئاسة جامعة أكسفورد، وأثار بإلحاح شديد موضوع الخطر
الذي يشكله عدم القدرة على التحكم في إمكانية تدمير
الإنسانية لنفسها عبر الطريقة التي يتم فيها إنتاج
المعرفة العلمية واستخدامها في ظل نظامنا الاجتماعي.
البديل في نظره هو "الإقرار بضرورة التزام من يخلقون
هذا الكم المكدس من المعرفة بإعداد وسيلة لتجريدها من
قدرة على تدميرنا"(1ـ 52). وكان البرت أينشتين قد خاض
نضالاً لسنوات طويلة ضد عسكرة العلم ومن أجل قضية نزع
السلاح النووية الحيوية. واستمر في نضاله حتى وفاته
متحدياً التهديدات والتشهير العلني. تمكن خصومه من
عزله وهزم أمام السياسيين دعاة التجمع الصناعي ـ
العسكري، وذلك بالنظر لافتقاد حركة جماهيرية تردد
أصداءه وتسانده، حركة جماهيرية قادرة على مواجهة قوى
رأس المال المدمرة والمتمترسة ، فتجردها من سلاحها من
خلال رؤيتها البديلة للعملية الحيوية لتنظيم الشؤون
الإنسانية (2 ـ53) . ولدى التحرك الجماهيري يتحرك
المثقفون أيضاً. ولدى استيقاظهم يستطيعون بدورهم
مساعدة الحركة الاجتماعية، وبوسعهم سوية بعد تثقيف
بعضهم البعض خلال فترة الصعود والنمو . |