*
الكاتب سعيد مضيه
في مقابلة مع
الروائي العالمي غابرييل غارسيا ماركيزأجرتها مجلة بلايبوي
تحدث عن ازدواجية السياسة الدولية للولايات المتحدة فقال "
أثناء إدارة كارتر رأينا البنتاغون والسي آي أيه يقولون
للديكتاتوريين أن لا يقلقوا، ورأينا وزارة الخارجية في نفس
الوقت تبلغهم أن عليهم احترام الحقوق الإنسانية لمواطنيهم.
والرسالة المزدوجة أشعرت الديكتاتوريين بعدم الأمان.
بالنتيجة استطعنا ، نحن العاملين في مجال حقوق الإنسان،
إنقاذ العديد من الناس. أما في عهد ريغان فقد رأينا
كيركباتريك تهرول إلى تشيلي كي تبلغ بينوشيه ان نظامه من نمط
"الديمقراطية التسلطية" التي تحتاجها أميركا اللاتينية. ومنذ
زيارتها بات مستحيلاً إخراج سجين واحد من سجون بينوشيه".
وكيركباتريك اختارها الرئيس الأمريكي ريغان لتكون رئيسة وفد
بلاده إلى الأمم المتحدة، بعد أن نشرت لها إحدى المجلات
مقالاً حافلاً بالثناء على إرهاب أنظمة الديكتاتورية،
"أصدقاء الولايات المتحدة". وشأن الديكتاتور أوغستو بينوشيه
فقد حظي العديد من الديكتاتوريين بالثناء الحار والدعم
المعنوي من جانب كيركباتريك، مسنودة من قبل ريغان نفسه، وذلك
بذريعة دفاعهم عن العالم الحر!! وهو نفس العالم الحر الذي
يدافع عنه بوش بضراوة تحت ستار محاربة الإرهاب.
أما في قضية سجن أبو
غريب فلم ينبر مدافع عن حقوق الإنسان من طراز غابرييل غارسيا
مركيز كي يهتك قناع التزوير. تفجر النفاق الأمريكي من داخله.
كان الفضل للصورة أن وثقت للجريمة المقترفة خلف الجدران
السميكة. التقطتهم متلبسين بعارهم الأبدي. وقبل أن تميط
الصور الفوتوغرافية القناع عن الوجه الأمريكي انشغل
رامسفيلد، وزير الحرب الأمريكي، في حملة علاقات عامة تضمنت
السباب والتقريع والإرهاب للفضائيات العربية والإعلام العربي
عموماً بزعمه أنها تزور الحقيقة بصدد كارثة الفلوجة. وقبل
ذلك ذكّر رامسفيلد وقادة جيشه الغازي أبناء الفلوجة أنهم
"يواجهون الجيش الأمريكي" أقوى الجيوش التي عرفها العالم!
والميديا الأميركية تنظم باستمرار حملات العلاقات العامة
بهدف التأثير النفسي على المتلقين، وحملهم على الإذعان
لمشيئة السياسة الأمريكية. ومن تقاليدها العريقة أن "صناعة
العلاقات العامة وظيفتها السيطرة على عقل العامة". غير أن
صانعي أخبار الميديا ـ الرئيس وكبار رجالات الإدارة ونسائها
ـ أنطلقوا هذه المرة من موقع دفاعي مثل وحش أصيب بجرح بليغ
فراح يلغ في دمائه ويجأر، يبرئون نظامهم من جريمة التعذيب في
معتقل أبو غريب ويوزعون قيم الحضارة الأمريكية على قنوات
الاتصال الجماهيري في دنيانا المحاصرة بالميديا الأمريكية.
حملة تجميلية للوجه الأمريكي الذي أطل قبل قرون من الزمن،
على العالم بشعاً بصورة مروعة. امتلك رامسفيلد صفاقة تحدي
صور الموت والدمار في الفلوجة االتي بثتها على العالم كل
قنوات الاتصال الجماهيري. ورامسفيلد هو الذي وصفه كيسنغر
بأنه أشرس أفراد الطاقم الوزاري في إدارة ريغان وأكثرهم
فظاظة وبعداً عن الإنسانية. تلك هي المواصفات الوظيفية التي
أكسبته في نظر رئيسه الحالي صفة "أقدر وزراء الدفاع
الأمريكيين"! لعل بوش ، إذ يدافع عن وزيره ، إنما يدافع عن
نفسه. فالدعاية الهوجاء المضادة للمسلمين والتحريض على حرب
صليبية والإشادة ب"النسر النبيل" وحرب "الخير ضد الشر" ،
وكذلك إلقاء أطنان المتفجرات والقنابل على المدنيين في
أحيائهم السكنية والحرب الشاملة التي طالت المفاصل
الاقتصادية والمعاهد العلمية وشبكة الاتصالات، ثم إباحة
مؤسسات الثقافة والآثار ومعاهد العلم مكشوفة لعصابات
المخربين واللصوص . . لعل ذلك وغيره يشكل المناخ الذي تترعرع
فيه سادية المحققين والمشرفين على السجون وكذلك كل من يتعامل
مع الجمهور، حتى لو لم يطلق أيديهم وزير الدفاع ويأمرهم
بممارسة أقسى الأساليب، مثلما صرحت صحيفة النيويوركر
الأمريكية. إن قمع إرادة شعب يستتبع بالضرورة ممارسة
الأساليب البربرية ضد عناصره المكافحة وضد جماهيره كافة بقصد
إرهابهم وثني إرادتهم في التحرر والتقدم . وفي كتاب "
السؤال" الذي صدر في مطلع ستينات القرن الماضي ذكر أحد
المناضلين الفرنسيين في صفوف الثورة الجزائرية، وأظن اسمه
هنري اوليغ، أساليب التعذيب التي مورست ضده، مبدياً استغرابه
كيف أن زملاء له في النضال ضد الاحتلال الألماني، مناضلون ضد
الفاشية، مسخوا جلادين ساديين عندما عملوا مع قوات الاحتلال
الفرنسي. الاحتلال بطبيعته عامل تشويه وإفساد للنفس البشرية.
والاحتلال الأمريكي للعراق يسترشد بأهداف مناقضة لمصالح
الشعب العراقي وطموحاته التحررية. اتضحت لكل بصيرة وبصر
النوايا المبيتة للعراق، والمناقضة بالقطع لمهمة التحرير
والتقدم. وكما في عاصمة العراق حدث أثناء قيادة رامسفيلد
لوزارة الحرب الأمريكية في كابول ممارسات التعذيب والقتل
وإرهاب المواطنين وإتلاف المواد الغذائية. هنا نجد مبرر
تدمير مستودع أغذية في مدينة أدمنت الجوع والفاقة!
دعاية الميديا
الأمريكية تركزعلى التزام الحضارة الأمريكية بمعاهدات جنيف.
وللأسف الشديد تطوع الإعلام العربي لنقل حملات الترويج
للحضارة العصرية!! استجوابات الكونغرس فضحت إلى أي مدى يمضي
التلفيق وتزوير الوقائع لدى صناع الأخبار في الولايات
المتحدة. أحدهم ، وهو جمهوري، ادعى أنه اختص، أثناء خدمته في
القوات المسلحة، بتدريس حقوق الإنسان واتفاقية جنيف الرابعة
للمنتسبين إلى القوات المسلحة! كأن الولايات المتحدة ، وهي
تغزو العراق، قد التزمت بالاتفاقات والقرارات الدولية! وكأن
فريق بوش من اليمين الأصولي المتطرف لم يضع العراق قبل سنوات
من أيلول 2001 على رأس قائمة البلدان المنوي إدخالها في قفص
الطاعة الأمريكي من أجل الاستحواذ على مصادر الطاقة ثم
الاقتصاد والموقع الاستراتيجي التي تتيح الهيمنة على العالم
كله! وكأن المبررات المعلنة لغزو العراق لم تتساقط كأوراق
الخريف لتعري نهج التبرير في الفكر السياسي الأمريكي، ولتفضح
الأهداف الحقيقية لغزو العراق. وكذلك تساقطت مبررات حملات
الغزاة "المتحضرين جدا" لشعوب الشرق.
فقد جرى تبرير حملات
الكولونيالية في القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين
بمهمة تمدين العالم المتخلف. أبدى المنورون العرب في تلك
الحقبة الدهشة والذهول لتناقض ممارسات رسل الامبريالية في
بلدانهم مع قيم الحرية والتقدم والمعرفة العلمية التي يحاول
المنورون نقلها عن مجتمعات الغرب إلى مجتمعاتهم المبتلاة
بالتخلف والظلامية والاستبداد. كانت الوطنية الرومنسية تجهل
الردة الفكرية في توجهات مؤسسات الكولنيالية وممارساتها في
البلدان الخاضعة لعبودية الاحتكارات الرأسمالية. حار
العديدون بصدد المفارقات التي بدت طلاسم، قبل أن تتجلى
للعيان طبيعة الامبريالية. وبالمثل لم يلحظ الكثيرون اشتداد
النزوع العدواني لدى الرأسمالية المعاصرة منذ سبعينات القرن
الماضي. جاء تحالف ريغان ـ تاتشر ونزوعه لفرض الخصخصة
واستخدام القوة وفرض الإملاءات في السياسة الدولية ليضع
الأسس الاقتصادية والسياسية والعسكرية لتحالف بوش ـ بلير في
الوقت الراهن. في سبعينات القرن الماضي توصل سدنة الرأسمالية
إلى الاستنتاج بعجز نظامهم عن توفير الطاقة الحيوية اللازمة
لتطورشعوب العالم . دخلت الرأسمالية أزمتها البنيوية. أقرت
بقدر التخلف والتبعية لأقطار العالم الثالث، وباستحالة
التخلص من البطالة. جرى الارتداد عن دولة الرفاه في بلدان
الرأسمالية المتقدمة. غدا مطلوباً من قيادات الأحزاب
الاشتراكية الديمقراطية تصفية مكتسبات الشغيلة من طفرة ما
بعد الحرب، وبات حقيقة بدهية أن التلوث البيئي ومختلف تلاوين
التمييز، وانتهاك حقوق الأقليات العرقية والمستضعفين، وكذلك
اتساع رقعة الفقر داخل كل مجتمع وعلى صعيد العالم وتعاظم
سطوة الرأسمال الربوي على حساب الرأسمال الإنتاجي، ومن ثم
اشتداد ضغوطاته على الحكومات المحلية.. كل ذلك يشكل بعض
مظاهر الأزمة البنيوية للرأسمالية. فقدت الرأسمالية شيئاً
فشيئاً الملامح الإنسانية وتجلت بصورة مرعبة وحشيتها على
الصعيد الكوني. وطلع الطابع المتوحش على شعوب العالم في نظام
العولمة الذي دشنه تحالف ريغان ـ تاتشر. العولمة قرار سياسي
غايته تجيير أزمات الرأسمال على الشعوب كافة. وحسب تعبير
العالم الأمريكي تشومسكي" ثمة عوامل عديدة تدفع بالمجتمع
العولمي إلى مستقبل يتسم بانخفاض الأجور وانخفاض النمو
وارتفاع الأرباح مع زيادة في الاستقطاب والتفكك الاجتماعي.
والنتيجة الأخرى هي تلاشي العمليات الديمقراطية ذات القيمة ،
إذ يجري تحويل اتخاذ القرار إلى مؤسسات خاصة وهياكل شبه
حكومية تجمع حولها ما تطلق عليه صحيفة فايننشيال تايمز اسم
’حكومة عالمية فعلية ‘ تعمل في السر ودون مساءلة". هنا يخدم
تكثيف دعاية حقوق الإنسان في نسيج العلاقات العامة الأمريكية
في التستر على إخفاء ظواهر الأزمة المستحكمة.
ازدواجية السياسة
الأمريكية ونفاقها المعلن دفاعاً عن حقوق الإنسان واحترام
اتفاقية جنيف الرابعة ونشر الديمقراطية بات نهجاً مفضوحا لم
يعد يخدع إلا االراغبين في خداع الذات. فقد شهدت حقبة إدارة
ريغان خلال عقد الثمانينات تصعيداً حاداً في التوتر الدولي،
وجرى على المكشوف دعم عمليات اغتيال المدنيين بالآلاف في
بلدان نيكاراغوا والسيلفادور وغرينادا ونشطت فرق الموت
لتصفية الوطنيين داخل البرازيل والأرجنتين وغواتيمالا وبلدان
أخرى في أمريكا اللاتينية، مما افتضح أمره في وقت لاحق.
افتضح كيف نفذت الإعدامات بحق المناضلين البرازيليين: يخرج
المناضل من زنزانته ويصعد في طائرة ويقذف في عرض المحيط بعد
أن يبقر بطنه، كي تجذب الدماء أ سماك القرش ولا تقترب جثة
أحدهم من الشاطئ وتكتشف الجريمة! وفي السلفادور قتل خلال أ
ربع سنوات حوالي 47 ألف مواطن على أيدي العصابات، وهو ما
يساوي الواحد بالمائة من سكان البلاد. وفي تقرير عن حقوق
الإنسان افتضح أمر خطة " تجفيف المحيط لاصطياد السمك". فتحت
سمع وبصر إدارة ريغان " قرى بأكملها قد أبيدت من اجل عزل
الثوار وحرمانهم من قواعدهم في الأرياف. وطبقاً لشهادات
الناجين اشتملت العمليات على الاغتيالات والتعذيب والاغتصاب
وحرق المحاصيل وبرنامج عام من الإرهاب والمضايقات". وفي
نيكاراغوا اعتبرت إدارة ريغان النظام السانديني الذي أنقذ
بلاده من نير الديكتاتورية مرضاً شديد العدوى يجب استئصاله.
واستمرت عمليات التدخل طوال عهد ريغان وبوش الأب من بعده.
ونظرت محكمة العدل الدولية في شكوى الحكومة الوطنية ضد إدارة
الرئيس بوش الأب ، وأصدرت قرار إدانة للتدخلات الفظة
والتخريبية من جانب الولايات المتحدة في شئون بلد آخر.
وبحكم إدارتها لنظام
العولمة الجديد وتسلحها من ثم بمقولات الأصولية المسيحية
لستر ارتدادها عن الديمقراطية أيدت إدارة ريغان علناً ولأول
مرة التوسع الاستيطاني الإسرائيلي في الأراضي المحتلة. وساند
ريغان حق اليهود في كامل فلسطين التاريخية لأن الرب وهبها
لهم. وفي ظل هيمنة اليمين الأصولي على السياسة الأمريكية بلغ
التحالف الاستراتيجي الأمريكي ـ الإسرائيلي مرحلة الدعم
المطلق لنهج اليمين الإسرائيلي. حصل اندماج تام بين
الاستراتيجيتين الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة. وكان غزو
العراق وتحطيم بنيته التحتية وقهر شعبه يلبي مطلباً
إسرائيلياً . وتؤيد إدارة بوش بحماس نهج المجازر الشارونية
وتصفية الحقوق الفلسطينية وتدمير أحياء بكاملها وتوسيع
الاستيطان وبناء الجدار العنصري باعتبار ذلك كله من مقتضيات
الدفاع عن الأمن والاستقرار ـ أمن واستقرار الاحتلال
الاقتلاعي.
قيم الحضارة
الأمريكية التي طفق يرددها صناع الأخبار الأمريكيون، تمظهرت
في أكثر من موقع في عالمنا وطأته البساطير الأمريكية. أن
مقارنة ما كشفته الصور من داخل سجن أبو غريب بما كتبه
تشومسكي عن معاناة شعب الفيليبين بسبب الاحتلال الأمريكي
تظهر أن العسكرية الأمريكية تستقي من معين لا ينضب. أحلت
اصحافة ذلك الزمن "ذبح السكان المحليين بأسلوب انجليزي حتى
تتمكن المخلوقات المضللة التي تعارضنا احترام أسلحتنا على
الأقل وتقرر فيما بعد أننا نريد لها الحرية والسعادة" .
وينقل أيضاً عن هنري جيدينجر واضع أسس علم السوسيولوجيا الذي
عاش ما بين 1855و1931 فرضية عجيبة تشرع للغزو: " إذا حدث في
السنوات اللاحقة ورأى وأقر (الشعب الذي تم غزوه) بأن العلاقة
موضع النزاع كانت من اجل أسمى المصالح فيمكن حينئذ الإيمان
أن السلطة التي فرضت كانت بموافقة المحكوم". تحايل يعكس نظرة
’رسول العناية الإلهية‘ يمصادرة حقوق الأمم الضعيفة وتبرير
العدوان عليها وما يرافق ذلك من محن وكوارث. إنها الجذر الذي
نبتت منه "هندسة الموافقة" على يد ادوارد بيرنز ، واضع
الكتاب الإرشادي لصناعة العلاقات العامة المعاصرة، حيث يقول
فيه " إن التلاعب الواعي والذكي بالعادات والآراء المنظمة
للجماهير هو عنصر هام في المجتمع الديمقراطي". ومن حق
الأقلية الذكية (النخبة) الادعاء بمعرفة مصالح الجمهور ورسم
السياسة ونشكيل "رأي عام سديد" . وطبقاً لهذه الفلسفة انبرى
السفير الأمريكي في البرازيل، كينيدي لينكولن، يشيد
بالانقلاب الفاشي عام 1964 ضد حكومة غواو غولارد المنتخبة،
فأسمى الانقلاب " ثورة ديمقراطية" مؤكداً أن "انتصار الحرية
هذا لا بد أن يخلق جوا أفضل بكثير بالنسبة للاستثمارات
الخاصة". أما روبرت مكنمارا، وزير الدفاع الذي رصد التداعيات
وفق معايير أخرى فقد استنتج بأن الانقلاب" أوجد نفوذاً
عسكرياً طاغياً للولايات المتحدة الأمريكية". وبنفس المعايير
ينصب الرئيس بوش نفسه وصياً على شعوب العالم، وينوب عنها وعن
حكام البلدان الأخرى في تقرير ما يلائمها وما لا يلائمها.
ربما حافظت المنجزات
الحضارية في الفكر والسياسة والتنظيم الاجتماعي على وجودها
في الأقطار الأوروبية رغم شراسة الاستعمار وحروبه العالمية
الإقليمية، ورغم الفاشية التي استنبتها في حقل علاقاته
الاقتصادية. أما في المجتمع الأمريكي فالديمقراطية حكر لفئة
قليلة من أصحاب الاحتكارات. لم توطد ديمقراطية الأغلبية
مواقع لها داخل المجتمع الأمريكي. قد يعود ذلك إلى ترسبات
ممارسات الحملات الاقتلاعية الشرسة ضد سكان البلاد الأصليين،
وكذلك ضراوة التنافس على ثروات العالم الجديد، وهيمنة قيم
السطو والنهب التي وجهت خطوات المغامرين خلف الذهب والثروات
الباطنية والأراضي البكر. لم توطد رأسمالية المنافسة الحرة
قيمها في المجتمع الأمريكي قبل نشوء الاحتكارات. الفكر
السياسي الأمريكي لم يعرف نظرية العقد الاجتماعية وسيادة
الأغلبية. ويحفل التشريع الأمريكي بتغليب مصلحة الأقلية: نجد
جون جاي، كبير قضاة المحكمة العليا في عهد الاستقلال يقرر أن
"الناس الذين يملكون البلد يجب أن يحكموه". وينقل عن المناضل
الثوري توم بين قوله " ان الولايات المتحدة تشكل الحالة
المثالية الأقرب لديمقراطية الدولة الرأسمالية". اما جيمس
ماديسون ، أحد مؤ سسي الحزب الجمهوري ورئيس الولايات المتحدة
خلال السنوات الأولى من القرن التاسع عشر فكان يردد "أن
مسئولية الحكومة الأساس هي حماية الأقلية الثرية من
الأكثرية". والنظام السياسي الأمريكي الراهن يتيح لممثلي
الاحتكارات وحدهم دخول الكونغرس والبيت الأبيض. وتساعد
ممارسات اللوبيات وصناديق العمل السياسي على تكريس الحكم
وهيئات السلطة التنفيذية لخدمة المصالح الضيقة. في الولايات
المتحدة لا غيرها راجت المقولة"مصالح أمريكا هي مصالح جنرال
موتورز" ، ومن فم الجنرال الأمريكي ماك آرثر انطلقت العبارة
، " عملت قاطع طريق في خدمة المصالح الأميركية". وأثناء
الحرب مع اسبانيا وغزو الفيليبين، وهي أولى حروب الاحتكارات
الأمريكية، انطلقت الحملات من عقيدة سياسية أكدت أن الشعوب
غير مؤهلة لحكم الذات ، والشعب "وحش هائل" يجب ترويضه. من
منطلق هذه الرؤية اقترفت العسكرية الأمريكية، شأن العسكرية
البريطانية والفرنسية والهولندية والبلجيكية والبرتغالية
واليابانية، مجازر بشرية وجرائم بهيمية. تاريخ العسكرية
الأمريكية حافل بالانتهاكات الفظة للشرائع وللقواعد المتمدنة
في العلاقات بين البشر. حملات الغزو العسكري خارج الحدود
الوطنية تخلت تماماً عن القيم الحضارية، وحملت معها قيم
البربرية. فحيثما يراد إخضاع شعب للعبودية الأجنبية لا بد من
اللجوء إلى سبل تحط من كرامة البشر وتهين إنسانيتهم، وتستبيح
مقدراتهم .
تلك هي الديمقراطية
التي تعد بها العولمة شعوب العالم.