بنية التخلف المركبة والشاملة

من كتاب "رمال في العيون" تحت الطبع

يسقط مئات الآلاف من أنبل أبناء الأمة العربية في الثورات الوطنية وفي أقبية التعذيب التابعة لأنظمة الطغيان، بينما الشعوب العربية ترزح تحت جور وقهر الاستبداد والتعسف، مكبلة بمختلف القيود المادية والنفسية. وتعجز الشعوب العربية وكذلك الأنظمة عن رد التطاولات الاستعمارية والصهيونية. والمصائر الفاجعة للنضال الوطني الفلسطيني إنما تقدم الدليل على الوهن المريع للواقع العربي المعاصر. فالأزمة عامة ، تشمل الحكم والمعارضة، الأوساط الرسمية والجماهير الشعبية. إن إدمان الأنظمة لنهج التسلط القهري على الشعوب يدفع بها للارتياب في كل مبادرة للتعبير الحر والتفكير أو التنظيم المستقلين، الأمر الذي شكل هوة سحيقة بين الأنظمة والمحكومين، وأحل الأنظمة في موقف العاجز عن رد التحديات وحل المهمات الملحة. وهذا ما تفصح عنه خطابات التوسل والاستغاثة رداً عل تحيز الغرب للعدوان الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني والشعوب العربية المجاورة. العالم العربي يقف أمام المأزق التاريخي لنهج سياسي يراوح في فلك التخلف والتبعية، غير أن أفق التقدم غير مسدود.

كشفت نكسة حزيران عن وهن عام في البنية الاجتماعية العربية بشتى أركانها السياسية والاقتصادية والعسكرية والثقافية. فإذ تتهاوى الجبهات العسكرية وتنهار المشاريع الاقتصادية التنموية فذلك مؤشر على اختلال الجبهة السياسية وابتذال الثقافة. وكذلك فإن استمرار الاحتلال الإسرائيلي وتصديره للأزمات داخل المجتمعات العربية كافة، واستمرار التشرذم والتشظي في الحياة العربية المادية والثقافية إنما يدل على أن المجتمعات العربية فقدت السيطرة على واقعها ومصيرها، وأضاعت بالتالي مستقبلها. فالغرب قد فرض عليها منذ أواخر القرن التاسع عشر نظماً ومؤسسات اقتصادية وتربوية وسياسية سيرت مجتمعاتها واوصلتها إلى ما يقارب الإفلاس التام. المجتمعات العربية تعيش أزمة ثقافية تتجلى في الوضع المزري للجماهير الشعبية والهوة الفاصلة بين الحكام والمحكومين. ومن الخطأ فصل الثقافة عن سيرورة بقية القطاعات الاجتماعية. والعطل أو العطب الذي يصيب هذا القطاع أو ذاك إنما يفشي عطباً في قطاع الثقافة. ذلك أن مهمة الإدارة في مختلف الفعاليات جهد ينم عن مضمون ومستوى ثقافيين. والمعرفة لا تدخل حيز الثقافة طالما هي نتف من المعلومات التجريدية أو النظريات البعيدة عن مجال الممارسة الاجتماعية. المعرفة تستحق اسمها وتستوعب في الثقافة الوطنية عندما تعبر عن الواقع المتعين وتطرح إمكانية تجاوزه. فالثقافة هي ما يتغلغل في حياة المجتمع من قيم معرفية وخلقية وجمالية ويوجه مجمل سلوكياته ومواقفه حيال مختلف القضايا والتحديات.

إن الوعي بالاختلالات ومصادرها هو وعي نقدي يكشف الواقع ويعري نواقصه وسلبياته تمهيداً لتغييره نحو الأفضل. ذلك أن التغيير التقدمي يبدأ بالنقد الموضوعي . وهنا يتناقض النقد مع التبرير. فقد سادت الثقافة التبريرية التي زينت الواقع والتاريخ وأضفت عليهما ألواناً وردية، فتحجر بالنتيجة الفكر العربي المعاصر وتهرب من مجابهة الواقع وتجرد من الموضوعية والعقلانية. وبما أن التاريخ لا ينشأ عبر تتابع الأزمنة بقدر ما يتشكل في وعي يميز الحاضر عن الماضي ويتفاعل مع معطيات الواقع فيدرك الفرق بين قضايا الأزمنة الماضية وملابساتها وبين تلك التي بعثتها إلى الوجود قوى وفعاليات معاصرة، يترتب بالتالي عدم الركون إلى الفكر المعلب لدى بحث المشاكل المعاصرة،سواء كان تراثياً أو منقول عن تجارب حداثية لمجتمعات أخرى.

عبر المراحل المتعاقبة لحركة الخلاص العربية تواصلت معالم رئيسة لتبذل الثقافة: الاتكاء على مفاهيم العصر الوسيط وتصوراته والاسترشاد برؤيته الإيديولوجية أو القياس عليها، حيث يتم إرجاع جميع الصراعات والعلاقات الاجتماعية والدولية إلى العامل الديني، الأمر الذي يطمس طبيعة العدوان الوافد على المجتمعات العربية ودوافعه ويهمش دور المثقفين المستنيرين. عجز التيار الرئيس من المثقفين العرب عن التشخيص الصائب لكل من الصهيونية وعوامل العجز العربي، وهذا ما كرس تخلف الثقافة والمثقفين عن إرساء أسس كفاح منهجي ضد المشروع الصهيوني والتأثير على تطورات الحياة العربية.

يتمثل الخلل الرئيس في البنية الاجتماعية العربية في سطوة النخب السياسية المستندة إلى كتلة عسكرية أو طائفية أو عشيرية ـ قبلية أو شريحة اجتماعية وارتكازها في التعامل مع الجمهور على القهر والاستبداد. ورث النظام السياسي العربي في العصر الحديث التسلسل الهرمي لنظام العشيرة وطابعه البطريركي الشمولي، حيث يمسك الرئيس بيده خيوط الصلاحيات كافة، ويفوض بدوره، وبصورة مؤقتة، صلاحيات إدارية وتعليمية وإعلامية لمن شاء من الأعوان ممن يتأكد من ولائهم لشخصه. في هذه الأثناء تعثرت المشاريع التنموية وتغولت السلطة السياسية وانتعشت النزعة القطرية والعشيرية والطائفية داخل المجتمعات العربية. والسلطة المستبدة تلهث خلف تحديث استهلاكها وأدوات قمعها، لتعيد إنتاج التخلف. شاعت الثقافة الاستهلاكية المثيرة للغرائز البدائية المنحطة والمجافية لضرورة الادخار لغرض التنمية، استهلاكية لا يبررها عقل أو منطق سليم. اعتقلت السلطات المحلية إرادة الجماهير، وارتفع الأفراد فوق المؤسسات والقوانين فانساقوا إلى صنوف الفساد. وجد الإنسان نفسه مجرداً من مواطنته، فبحث عن الخلاص في الانتماءات التقليدية أو الهرب إلى الخارج. ومن الطبيعي في هذه الحالة أن لا تفوض الصلاحيات للأكفأ والأصلح، مما يجعل من المستحيل استغلال الكفاءات البشرية المتوفرة، ناهيك عن تنمية الكفاءات والقدرات، فتندفع إلى الخارج تطور قدراتها وتستثمرها في تنمية القدرات الأجنبية الموظفة لتعطيل للتقدم والتحرر في العالم العربي. وهذا يشكل حصانة لبيروقراطية الأجهزة الحكومية ويمنع النقد ويعتم على الفشل وسوء استخدام السلطة والفساد الإداري والاجتماعي. ويكون قمع حريات التعبير والتنظيم والنشر أمراً لا مفر منه بالضرورة والحتم. وورث النظام السياسي أيضاً انحصار الأفق ضمن حدود العشيرة والعجز عن مد النظر نحو أفق وطني أو قومي أو إنساني، وأبقى على حاشية تنشر ورعه وتقواه بين الناس وتمده بالفتاوى المسوغة لأفعاله. وحسب أقوال المنور عبد الرحمن الكواكبي، فسلاطين العصر الوسيط ركزوا من الدين على جانب العبادات وغيبوا جانب المعاملات. ودعا فقهاء السلاطين "الرعية" إلى ترك ظلم الحكام لحساب يوم القيامة.

جذور

إن استقرار القيم والأخلاق لا يتوقف على سموها أو نبلها بقدر ما يتوقف على نفوذ حاملها الاجتماعي. وشهد الفصل الثاني من الخلافة العباسية تمزق الدولة إلى دويلات متحاربة، ووصل الحكام إلى مراكزهم عن طريق ما عرف بالشوكة، وهزلت سلطة الخليفة في بغداد وبات رهين القادة العسكريين الأتراك. وفرض هؤلاء ومن تبعهم الانضباط الثقافي بحجة التفرغ للدفاع عن الثغور. وافتقد الأمن، وفي غيابه بات متعذرا تنمية الإنتاج وازدهار التجارة. باختصار تراجع ثم اندثر نفوذ الشرائح الاجتماعية التي تعهدت العلوم والاجتهاد الديني وتطوير الفقه المستند إلى "الاستحسان العقلي"، حسب تعبير الإمام أبو حنيفة النعمان الذي ناهض ظلم حكام بني أمية والعباسيين. انحسر الحوار بين المدارس الفقهية والأدبية والعلمية، وتواصل كسل العقل ينأى به عن مخاطر الاجتهاد وعناء البحث والتجريب، وانزوي بعيداً عن دوائر فعاليات الإنتاج والإدارة والنظر في المعضلات واستخلاص عبر النجاح والفشل. وكان نصيب الجماهير المنتجة ضمن هذه المعادلة هو الامتهان والقهر والاستلاب.

وجد الاستبداد السياسي عبر القرون فقهاءه ممن دعوا إلى الصبر على المستبد أو تركه لعقاب الله في الآخرة، وفق قاعدة " درء المفاسد مقدم على جلب المنافع". ودرء المفاسد ترجم في الواقع والممارسة، وعبر تعاقب القرون، تجنب مساءلة الحاكم فيما يمضي إليه، باعتبار ذلك إفساداً في الأرض. وشاع في فقه الاستبداد مقولة " من يحكم يطاع ". دار الصراع الفقهي منذ ظهور الدين الجديد حول حرية البشر وتمتع الفرد بحرية الإرادة ومسئوليته من ثم عن أفعاله. وتشعب الصراع وسرى في مسالك ومسارب عدة. وكلما سكن دولاب الحركة الاجتماعية تتوقف دواليب الفكر عن الدوران لتنقض القوى الظلامية بفتاويها وجلاديها على الحوار ودعوات الإصلاح. تشكل وضع اجتماعي مأزوم في العصور الوسطى تميز بالفتن والحروب بين الدويلات التي تقاسمت الدولة العربية ـ الإسلامية. ومع تمزق الدولة العربية- الإسلامية، انتشرت الفتن وتكاثرت عصابات السطو وقطاع الطرق، فتقلصت التجارة والحرفة، وتباطأ دوران عجلة التطور. في تلك الأوضاع الملفعة بعدم الأمان ظهرت سلفية العصر الوسيط التي نازلت العقلانية متمثلة بالفكر المعتزلي وفتكت بها. وباسم العودة إلى السلف تنشُدُ منه الهداية من "الزيغ والضلالة" مضت في متاهة تجميد الاجتهاد وتحريم الجدل والمناظرة والسكوت على استبداد الحكم. كفت الحياة العقلية عن الإبداع والتجديد، ومالت إلى النقل والشرح والتقليد. أطبقت على المجتمعات العربية ـ الإسلامية حقبة ظلامية امتدت قروناً وانتهت بمرحلة التنوير في عصر التوسع الإمبريالي والغزو الصهيوني. وتحت راية الرجوع إلى "السلف" حرم بيع كتب الكلام والفلاسفة . وفي عهد الخليفة المعتضد عام 279 هجرية صدرت قرارات عرفية أن " الذمة بريئة ممن اجتمع من الناس في مناظرة أو جدل ، وأن من فعل ذلك أحل بنفسه الضرب". قتل الخليفة غير الراشد ، المعتضد، الفيلسوف أحمد بن الطيب ، وأصدر قاضيه اسماعيل بن اسحق فتوى بإحراق كتب " الزنادقة". وقرر ديوان رسائل الخليفة أن " الهندسة ودراستها كفر وإلحاد". في عام 309 احرق الحلاج حياً في بغداد ، وفي عام 310 كاد يقتل الإمام الطبري لأنه قال أن أحمد بن حنبل محدث وليس فقيهاً. وحفظ "الكامل في التاريخ" لابن الأثير حوادث عام 323 هجرية ،إذ " عظم أمر الحنابلة وقويت شوكتهم، وصاروا يكسبون دور القواد والعامة ، واستظهروا بالعميان الذين كانوا يأوون إلى المساجد ، وإذا مر بهم شافعي أغروا به العميان حتى كاد ان يموت". تحت راية العودة للسلف شاع الإرهاب ولم يبعث مثال السلف أو نموذجه. استبد السياسي ومعه التعصب والظلامية والتزلف والوصولية ، وانطفأت جذوة العقلانية في الثقافة العربية الإسلامية وطمرت تحت أسداف الفقه السلطوي.

وعلى هذا البيات تعاقبت القرون حتى أعتاب العصر الحديث. وصلت المجتمعات العربية مشارف العصر الحديث وقد استبدل الدين بالدروشة الصوفية. "كانت لأهل الريف، شيوخهم وصبيانهم ونسائهم، عقلية خاصة، فيها سذاجة وتصوف وغفلة. وكان أكبر الأثر في تكوين هذه العقلية شيوخ الطرق"، والكلام للدكتور طه حسين في رائعته "الأيام". ويؤكد المحصلة البائسة لحقبة الظلام والقهر لدى ارتطامها بالحضارة الرأسمالية، وأثر الوهن الناشئ في تقويض مشروع النهضة، ما كتبه الدكتور مسعود ظاهر في دراسته المقارنة "النهضة العربية والنهضة اليابانية "(عالم المعرفة، 252، ص348)، حيث رصد واقعاً فيه " شكلت الوظيفة السياسية أو العسكرية أو الإدارية منطلقاً مهماً للإثراء غير المشروع على حساب الدولة، وعلى حساب الطبقات والفئات الشعبية. من جهة أخرى، كانت الفرق الصوفية وفرق الدراويش وفئات المنجمين وعلوم السحر والشعوذة تنتشر على نطاق واسع في أرجاء السلطنة (العثمانية )، وبتشجيع منها لتشويه الوعي الشعبي". وقد تواصل هذا الواقع المعلول وتجذرت علله تفتك بالمجتمعات العربية حتى يومنا هذا. دأبت القوى ذاتها في عهد السلطنة العثمانية ثم في عهود السلاطين الكولنيالية، على إصدار " فتاوى اعتبرت أن أي نظام جديد مستوحى من القوانين الوضعية الغربية يشكل تقليداً للكفار ويستوجب الشجب والإدانة على أساس أنه ’بدعة‘وقى الله المسلمين منها" (المصدر، ص333 ). وتواصل رفع القاعدة تحذيراً عرفياً بوجه نزعات التقدم في المجتمعات العربية طوال القرن العشرين. ربما حدثت خلال القرن الفائت تغيرات تحديثية قلصت تأثير هذه الأوضاع، لكنها لم تحدث تغييراً نوعياً على أنماط الحكم والعلاقات الاجتماعية وموقع الجماهير الشعبية داخلها.

لم يعرف العالم العربي عبر تاريخه الطويل المؤسسات والتمثيل الشعبي، ولم يمارس عملية التبديل الطوعي للحكم، الأمر الذي أسفر عن ركود الأوضاع في جوانب الحياة الاجتماعية كافة، وأرسى تقليد "الشوكة" في تولي الحكم وتداوله، بما يتضمنه من قوة وزجر لدى التعامل مع المعارضة ومع الجماهير الشعبية.

أعطاب

كان لابد من أن ينعكس هذا الوضع المعطوب على الثقافة والفكر المعاصرين. المجتمعات الخارجة من رحم العصر الوسيط تقدم الأيديولوجيا على الفكر التجريبي وتعوزها القدرة والدافع على استخلاص معطيات التجربة ومراجعتها بصورة نقدية، ولا تحفل بوقائع الحياة ومعطياتها، فكل طارئ قدر لا فكاك منه. في هذا المناخ تشكل الجبرية أحدى أهم اشكال التعبير عن العجز، وهي في جوهرها تتمظهر بالعزوف عن النقد وعن المراجعة الدائمة لنتائج الممارسة العملية، وغياب التفكير الاستراتيجي. وأخضع النشاط الثقافي لسطوة السياسة، وأتبع المثقف قسراً للسياسي، فدار النشاط الثقافي في مدار التبرير والتلفيق، مقدماً النقل على العقل، ومبتعداً طوعاً أو كرهاً عن الموضوعية والمراجعة النقدية. ثم جاءت السيطرة المطلقة للسلطة السياسية على التعليم، وخاصة الجامعي منه، وعلى أجهزة الإعلام كذلك، لتضع في أيديها أدوات صياغة الرأي العام، كي تمعن في تشويه الوعي الاجتماعي عن طريق تزييف التاريخ والتراث القومي وإخضاع العملية الفكرية لسطوة الماضي وتقييدها بالنصوص المنتقاة بعناية نظراً لتبريرها للاستبداد ولضرورة الخضوع له. جرى تزييف التراث وتزييف الفكر المعاصر، حيث لفقت علمانية تحت الوصاية ومسلوبة الإرادة، علمانية لا تتقن التعامل مع معطيات الواقع وتجهل أساليب التفكير العلمي وأدواته العملية والمفهومية، وتجهل مقومات المنهجية العلمية وأهمها جدل الفكر والممارسة العملية. وبسبب ذلك فشلت العلمانية في التعامل مع الواقع وتحليله وصولاً لإدراك خصوصيته واستكناه جوهره ثم استنباط سبل تخليصه من حالة الركود وتعزيز قدرته على مجابهة التحديات. وفي مجال التعامل مع القضية الفلسطينية تجلى هذا القصور.

بعد حزيران، حيث تعرت الاختلالات البنيوية للمجتمعات العربية، شرعت الأعمال الدرامية العربية في شتى مجالات الإبداع تناقش التخلف البنيوي العربي. نفذت بصيرة الأديب والفنان المسكون بهم الواقع إلى عمق الأزمة فاستوعبها بحسه المرهف وتمثلت أمام ناظريه درامية الحياة وتقاطب الأضداد فيها ، مما استثار داخله الحس المأساوي ، فقدحت شرارة إبداعه . تراجعت الإبداعات الفنية والأدبية التي تعلق قصورنا على مشجب الآخر وحده. وأخلت القصيدة التي تهيج الانفعالات وتختزل شعارات البرنامج السياسي المكان للقصيدة التي تطرح السؤال الوجودي للإنسان والمجتمع. والقصيدة التي تطهر الروح وتوسع أفق الوعي الاجتماعي تتحدى الإرهاب وشهوة التسلط. برزت ضرورة إمعان النظر في شتى جوانب الواقع المتخلف. فضحت الرواية والقصيدة والمسرح والمسلسلات الدرامية، وما تزال، العوامل المحلية والوافدة لعطب الروح. وانتقلت العدوى إلى البحث الأكاديمي والدراسات الإنسانية.

استعرض الدكتور هشام شرابي (مقدمات لدراسة المجتمع العربي/دار الطليعةـ بيروت ،ط4، 1991) دور النظام التربوي في إعادة إنتاج التخلف الموروث . نظام القهر يتعزز من خلال التربية، إذ " التلقين هو الشكل الأكثر تنظيماً من أشكال فرض السلطة وتثبيتها. وهو طريقة تعتمد على الترديد والحفظ، بحيث لا يبقى مجال للتساؤل والتجريب والبحث.... حياة العربي تبدأ وتنتهي بالتلقين . أما العنصر المشترك بين التلقين والعقاب فهوأن كلاً منهما يشدد على السلطة ويستبعد الفهم والإدراك ، أي أن كلاً منهما يدفع إلى الاستسلام ويمنع حدوث التغيير". وحيث يأخذ المنهج الجدلي الباحث المتمكن إلى أبعاد كل قضية نجد الدكتور الشرابي يتناول الثقافة المتخلفة بعامة ويعري منحاها للتمويه وحجب الحقائق. ففي الأقطار النامية "تقدم الثقافة الإقطاعية البرجوازية وسائل تغطية العجز والتهرب من المسئولية ، وذلك عن طريق المواقف الشكلية التي تؤدي إلى إخفاء الواقع وجعله أكثر استساغة. فالتمسك بالشكليات فيه تأييد للمظاهر ، وتقاس فعالية ذلك بقدرة الشكليات على دعم صورة مقبولة للواقع". ويمضي إلى القول بأن " التمويه الذي يمارس في المدرسة يمكن نقده وتغييره، لكن التمويه الذي نتعرض له في السنوات الأولى من حيانتا يكون حاجزاً من الصعب تجاوزه. والضرر الذي تسببه طريقة تربيتنا ومعاملتنا في الفترة الأولى من حياتنا يصعب تشخيصه وإبراز معالمه في وعينا المباشر وبالتالي إصلاحه وتجاوزه". هنا تتجلى مسئولية التقاليد التي اضطهدت الأم، فحيث يكون القهر يصيب المرأة النصيب الأوفر منه. وحيث يخضع الطفل لا ستبداد الأبوين المسقط من الاستبداد العام، وينشأ في كنف أم تقهر في داخله نوازع المعرفة، يتعود على الخضوع لآراء الآخرين دون تردد أو تساؤل. "وهذا ما ينمي في نفسه الإذعان للسلطة ولكل ما هو أقوى منه أو أعلى مرتبة وجاهاً".

تجلى التمويه المضلل في الثقافة الفلسطينية السائدة منذ بروز الحركة الوطنية الفلسطينية. فرغم إشارة المثقفين الفلسطينيين في بداية القرن الماضي إلى ارتباط المشروع الصهيوني بمخططات الدول الكبرى، إلا أن التمويه العفوي والمتعمد على الرابطة العضوية بين الإمبريالية والصهيونية ظل الطابع المميز للخطاب السياسي الفلسطيني السائد. جرى التمويه على حقيقة أن الحركة الصهيونية نتاج البرجوازية الأوروبية في مرحلتها الإمبريالية، وليست منطوياتها اللاهوتية تفسيراً للكتاب المقدس ولا مواصلة لفكر العصر الوسيط. فالفكر الصهيوني جزء من الثقافة الأوروبية الحديثة التي أحدثت قطعاً مع العصر الوسيط. إنما هي ارتداد عن المنجزات العقلانية للفكر المعاصر أملته العلاقة العضوية مع ثقافة التوسع الإمبريالي، وموظفة لغرض التعبئة السياسية بينما توظف العلم والتقانة لغرض ترجيح كفتها في ميدان الصراع. فمن قائل إن الصهيونية ظاهرة قديمة قدم اليهودية، والصراع معها قديم، والنصر فيها مقدر للإسلام والمسلمين، أو زاعم أن الحركة الصهيونية حركة قومية استوحت حركات البناء القومي في أوروبا، ثم أغفل ظاهرة غياب العقلانية والنزعة الإنسانية والروح الثورية في الحركة الصهيونية، بعكس ما هو قائم في الفكر الغربي المعاصر.

وقدم الدكتور مصطفى حجازي في كتابه " التخلف الاجتماعي أو سيكولوجية الإنسان المقهور" بحثاُ ضافياً لانعكاسات التخلف الاجتماعي في نفسية الأفراد وطرائق التفكير وأدواته الأسلوبية والمفهومية، وكذلك في وضعية كل من المراة والتعليم. والكتاب يختزل مختلف عوامل التخلف الاجتماعية في القهر المتمظهر عجزاً حيال الطبيعة وحيال الممسكين بزمام الأمور الذين يفرضون ويشيعون داخل المجتمع علاقة القهرـ الإذعان، فيغيبون الحوار وحرية التعبير من الحياة السياسية ـ الثقافية. "السيد لا ينظر إلى المقهور كإنسان فعلي ، إنه يفقد التعاطف معه والإحساس بمعاناته وآلامه ومخاوفه وحاجاته. من هنا تنبع تلك القسوة البادية في تصرفاته تجاه من يخضعون له". فالكتاب يطور رؤية المنور عبد الرحمن الكواكبي في مؤلفه " طبائع الاستبداد". وفي مجال الفكر يرصد الباحث "اضطراب منهجية التفكير" حيث يتم التعامل مع الواقع "بغير تخطيط ولا دراية، وبغياب التفكير المنهجي يراوح الفكر عند مستوى الملاحظة الساذجة والتفكير الانطباعي ، ويعجز التفكير المتخلف عن تركيب المعطيات وتوليفها". ويحدث هذا احياناً مع حملة الشهادات العليا. ويرد على دعوات سجن المرأة داخل بيتها فيقول" سجنها داخل بيتها ، مع ما يتضمنه من حرمان من فرص التعامل مع الواقع والتدريب على السيطرة الفعلية عليه، واستلابها إرادتها وقدرتها على الاختيار هو الذي أدى إلى تفشي الخرافة في وجودها وممارساتها ونظرتها إلى العالم"، وإذ يواجه المجتمع قوة غازية لا قبل له بالصمود أمامها " تبرز السلفية بوضوح كوسيلة حماية من خلال الانكفاء على الذات والرجوع إلى الماضي التليد". "ألممسكون بزمام الأمور لا يبرزون من الدين سوى الجوانب المؤكدة لسلطتهم وتعزز العرف الشائع والنظام المراتبي، وما يشيع في المجتمع العشائري من تلازم انتشار أقسى التقاليد وأشدها سطوة". وأخطر تداعيات القهر في الحياة الاجتماعية هو " التمسك بمظاهر خادعة يعتقد فيها اقتراباً من الوجاهة السائدة". التماهي مع القاهر ، كما يقول الدكتور حجازي، ينشا عن التمرد غير المرشّد على وضعية القهر. ونظراً لكون القهر يعطل التفكير والاستيعاب العقلاني للملابسات فما أسرع أن ينقلب الإذعان إلى حالة اهتياج يدفع إلى النزق السياسي والترفع عن الجمهور وإغفال القانون. وفي حال امتلاك السلاح يتوهم الفرد امتلاك السلطة المطلقة ،وتتولاه نزعة الفتونة والقبضنة، ةتغريه ممارسات السطو والتحايل، ويغدو طريد العدالة.

خلاصة القول أن الجماهير العربية تسكنها قناعة بعجزها عن التأثير في قرارات حكامها. وهي حالة ناجمة عن نفسية الانسحاق الموروث عن تخلف رسّخه قهر السلطة للجماهير الشعبية وتهميشها. فقد درجت أنظمة الحكم العربية على مسرح العصر الحديث تواصل نهج تهميش الجماهير وإخضاع نشاطها للعفوية والارتجال. قامت أنظمة نمطية لحكم العشيرة وقوانينه الصارمة المستندة إلى سطوة الفرد المطاع عرفت الشعوب العربية الدولة منذ العصر الوسيط، لكنها لم تعرف المؤسسات التمثيلية وحكم القانون. أقيم سد منيع بين الإنسان وبين الكرامة والعقل. تمظهرت نفسية الانسحاق عبر القرون استكانة للاستلاب والتهميش المتعين في الجبرية، ورضوخاً لسطوة الحكم. وتقبع نفسية الانسحاق خلف ظاهرة التهيج الانفعالي وانتشار عدواه، مما يسفر عن عجز دائم عن التفكير الموضوعي، وكذلك في نزعة شتم الذات القومية وعدم الثقة بالآخرين، والانغلاق الاجتماعي. وهذه النفسية هي العقبة المعطلة للتغيير الديموقراطي ومصدر ضعف تيار الديموقراطية في المجتمعات العربية.

ومع تشكل الدول الوطنية أمكن للسلطة احتواء القطاع الأوسع من المثقفين، وغيبت حكم المؤسسات والقانون في إطار حكم الفرد. عملياً جاءت النظم الحديثة مستنسخة عن النظام العثماني، وحملت جيناته المريضة. استحوذت الأنظمة على جهازي التربية والإعلام، فاستمدت سلطة شبه مطلقة في إنتاج الوعي الاجتماعي وإعادة إنتاج التخلف واستلاب الجماهير. تعززت الاختلالات واستفحلت، مما أوهن قيم الثقافة الوطنية. ضمن هذه الملابسات فقدت الثقافة استقلاليتها النسبية وأتبعت للسلطة. وإذ تفقد الثقافة استقلاليتها فإنها تفقد طاقتها الإبداعية والتنويرية، وتتعطل وظيفتها الجوهرية في تحرير الإنسان.

من جهة أخرى تدفق الإنتاج الثقافي الغربي يطلق على الروح المنهكة ثقافته المسخ، ثقافة التسلية والإلهاء والتخدير. مسخت الثقافة سلعة تتوسل رضا اليد التي توقع الشيكات. زيفت تنمية الإنتاج فاستحالت تنمية للاستهلاك، واختزلت المعرفة العلمية نتف معلومات تُستحلب في المسابقات. حطت بالعلم من شاهق التفكير النقدي وتفهّم معنى الحياة وسبل تغيير الواقع، إلى حضيض استظهار الأجوبة واجترار المعلومات. إنداحت حمى المسابقات الرياضية لتغمر ميدان العلم والثقافة ولتكرس النجومية وفوز الفرد المتربع على القمم، حذو أنظمة القهر والنظام العولمي، وذلك على حساب جماعية التعاون والتسامح. قزمت التنمية البشرية جواز مرور لأصحاب المواهب إلى وظائف بيروقراطية وسطوة متعالية على المجتمع.

والخطأ يستنبت الخطأ الأفدح. فعلى إثر هزيمة حزيران تفجرت التداعيات المهيجة للمشاعر، فارتفعت شعارات أحالت الثقافة على التقاعد، إذ حشرتها داخل عباءة السياسة: "كل شيء يتقرر من فوهة البندقية"، "لا صوت يعلو على صوت المعركة"، "الكفاح المسلح هو الأكثر جذرية وجدوى". جرت مركزة الجهد الكفاحي الأساس في الكفاح المسلح الفلسطيني، تحت وهم أن الحسم في معركته يحسم الصراع في المنطقة. وانضوت الأكثرية الساحقة من المثقفين الفلسطينيين وأعداد غفيرة من المثقفين العرب في إطار الثورة الفلسطينية وعملوا داخل أجهزتها البيروقراطية. غابت مهمة تحرير الإنسان أولاً، وتطعيم الشجاعة بالتربية الثورية كشرط لخوض النضال المثابر والمعقد والظافر. ومع امتلاك البندقية حدثت انحرافات معيبة أنعشت قهر العصور. في هذه الأثناء حصلت تلك التداعيات السلبية داخل المجتمعات العربية كافة، والتي عززت تبعيتها الاقتصادية والسياسية والثقافية لمراكز الرأسمالية العالمية. همّش الحكام مجتمعاتهم فتهمشت دولهم على الصعيد العالمي. ورغم الدرس القاسي لعدوان عام 1982 على لبنان، حيث تجلت عزلة النضال الفلسطيني عن الأنظمة والجماهير العربية، لم تستوعب الثقافة العربية في كل قطر عربي أن الدعم الفاعل للكفاح الفلسطيني يتمظهر في إنهاض حركتها الجماهيرية من أجل انتزاع حق التعبير وحق التنظيم وحق ممارسة الإرادة المستقلة عن الأنظمة وضد سطوة الأنظمة. الثقافة العربية، في قطاعها الأوسع والأكثر فاعلية، تغفل الحق في الديموقراطية، ولا تمارس فضيلة المراجعة النقدية، فتتكرر معاناة العزلة تحت الضربات المميتة.

وتنتكس الجماهير الفلسطينية بعد انتفاضتها التي أسفرت عن قيام السلطة الوطنية. حدثت تجاوزات مخلة واعتداءات على الجماهير من جانب الأجهزة، وغاب النقد. صدرت انتقادات خجولة غير مثابرة. والتصدي المثابر للتجاوزات، وللفساد على وجه الخصوص، مظهر حضاري. حقاً، فالفساد ظاهرة عالمية مقترنة بنشاط الرأسمال العالمي، لكنها لم تكتسب الحصانة ضد الملاحقة القانونية، والتساهل إزاءها دليل غياب سلطة القانون. بينما التعامل الحضاري مع الجماهير وفيما بين الأفراد يكسب الموقف الفلسطيني مزيداً من التعاطف الدولي.

راوحت المجتمعات العربية كافة طوال قرن من الزمان في فلك التبعية والخضوع لهيمنة أنظمة الاستبداد السياسي والفكري، طبقاً للنمط العشائري الموروث. استعادت العشائرية شبابها نتيجة ارتباطها بالوافد الغربي ودخلت عنصراً تركيبياً في نظام الكولنيالية الذي رابط عند خط التماس مع العصر الوسيط. غدا النظام بتركيبته محطة للفكر السلفي في نكوصه إلى "عصر ذهبي"، لكنه راوح عند نُماذج من النظام الاستبدادي العثماني، وضاعت فرصة تحقيق التقدم وولوج الحضارة العصرية.

ومن جهة مقابلة يعود فضل النجاح للوسائل الإعلامية والبوليسية التي سخرتها الدعاية المضادة بكثافة ضد أفكار التقدم، واكتسابها المشروعية لدى الجماهير الشعبية العربية لتخلف الوعي لدى الجماهير الناجم عن ضعف التجربة السياسية وتمكن قيم العص الوسيط. إذ بموجب هذه القيم اعتبرت معارضة السلطان جريمة زندقة وخروج على الجماعة وإفساد في الأرض، و عقوبتها المألوفة على مدى القرون هي التصفية الفيزيائية. وحيث يُهدر دم المطارد من قبل جندرمة السلطان تغدو مظاهر التعاطف أو مجرد كلمة حق لصالحه مشاركة بالجرم. والانخداع الساذج بالأكاذيب الملفقة ضد العلمانيين كافة إباحية مناهضة لنظام الأسرة ومعادية للقيم الاجتماعية و.. الخ، لا يتقبلها سوى عقل جمده الانسحاق واعتاد التلقين وتلقي المعلومات دون نقد أو تمحيص أو تحقق. والمفاهيم المتخلفة والذهنية المتخلفة سهلت على الإمبريالية والرجعية تسويق دعاياتها وممارساتها، رغم ما انطوت عليه من فظاظة ولا إنسانية. وتشريك المرأة، وهي الفرية التي قدمت الاشتراكية مرادفة للإباحية، تنسجم مع منطق الاعتقاد المتخلف بأن المرأة شيء خاص بالرجل، ضمن الأملاك التي تنوي الشيوعية جعلها ملكية عامة.

قصور ذاتي

ما كان للاختلالات أن تستفحل وترسخ مواقعها في الحياة العربية لو ارتكز الفكر الوطني التقدمي على البحث في الواقع المتعين. تمظهر القصور الأساس في النشاط السياسي ـ الثقافي لقوى حركة التحرر العربية في الانغلاق داخل المقولات الإيديولوجية. لم يتأسس فكر تقدمي على قاعدة التحاور مع وقائع الحياة الاجتماعية ومعطياتها، ولم يطور فكراً وطنياً ديموقراطياً من مدخلات الحكمة التراثية وقيم الدين، ومن ثم جرى إغفال الشروط الاجتماعية والنفسية للتخلف الاجتماعي، والغفلة عن ضرورة إرساء أسس حكم القانون والمؤسسات وتنظيم الحياة الاجتماعية والنشاط الاجتماعي وفق خطط عقلانية. فما لم تنجز هذه المهام وينتزع الرأي العام مكانته المحصنة بالقانون لدى الأنظمة تظل التعددية الحزبية والاقتراع مظاهر شكلانية وأدوات خداع. وليس لغزاً محيراً أن تنكص الجماهير التي لبست إنسانيتها وتحررت من الخوف واجترحت البطولات أثناء الهبات الثورية في فلسطين، أو بلدان عربية أخرى، فتقبع من جديد، مع انحسار مزاجها الثوري، داخل أقفاص الوصاية السلطوية، وتتعايش مع أساليب القهر والإكراه، وتذعن للجبرية والخرافة.

نخوض المقاومة سياسياً، ونمارس في الثقافة مهمة هندسة الروح وتحصينها وتعزيز مناعتها حيال عوامل التخريب والإفساد والتشويه الجارية على مدار الساعة. ولا جدوى من مقاومة تطبيع أو أي مظهر للمقاومة إذا ما ضعفت المناعة الروحية. الثقافة تتلاحم مع السياسة. وتبرز الانتكاسات المتتالية ضرورة السير على نهج سياسي ـ ثقافي يعبئ الجماهير في منظمات نقابية ومهنية مستقلة عن السلطة، من شأنها أن تخضع حياة الناس وحركة الجماهير لخطط عقلانية تستأصل الخرافة والشعوذة من الوعي الاجتماعي، وتضمن إشراك الجماهير في الحياة الاجتماعية وهيئات المجتمع المدني، نقداً واقتراحاً ومعارضة. السياسة التقدمية تحرر الإنسان مادياً، والثقافة التقدمية تحرره روحياً، إذ تصفي جهل العصور القديمة وقيمها ومعاييرها التي تحط من قدر الإنسان، وتستأصل علاقة القهرـ الرضوخ ومظاهر القوة في التعامل الاجتماعي. يقتضي التقدم تسييس الثقافة من خلال ربطها بحركة المجتمع، وتثقيف السياسة، أي تنويرها برؤية علمية لقضايا الإنسان والمجتمع. الثقافة التقدمية مستقلة نسبياً عن السياسة، تسترشد بالبرامج السياسية وتسند النشاط السياسي بمضمون تنويري وتربوي ونقدي. ولكلٍ تعبيراته وأسلوب مقاربته للواقع ومنهجيته. فالسياسة مقيدة بتناسب القوى ومحصورة ضمن الملابسات الظرفية، بينما الثقافة تتعامل بالمطلق والجوهري من أجل التغيير والحركة الدائمة، وتستحضر التراث والتاريخ وتوظفهما لصالح التقدم، وتلهم الوجدان. الثقافة التقدمية نشاط يثري إنسانية المجتمع. ولا بد من استعادة الثقافة الوطنية حيويتها واستقلاليتها، كي تنهض بمهمة تحرير الإنسان .

الثورة لا تكتسب اسمها وقيمتها من شجاعة المبادرات وغزارة التضحيات، إنما بالاسترشاد بالفكر الثوري في التعبئة والتنظيم والتربية الثقافية التي تستأصل نفسية الانسحاق والاستلاب، وصولاً لتحقيق التغيير الاجتماعي الجذري. ما لم يتبدد الترويع بلا رجعة، وتسترشد إدارة الحركة الجماهيرية بحكمة التخطيط وإنسانية التعامل، فلن تسفر الهبات الجماهيرية عن تغيير ثوري. وقدم إلياس خوري في رائعته الدرامية “باب الشمس " نموذجاً نمطياً للمناضل الشجاع أثناء المواجهة المسلحة والاعتقال والتحقيق والمحاكمة، لكنه لم يتأهل لكفاح مثابر طويل النفس يعينه على احتمال ضغوط السجن، فيصاب باكتئاب. يتحرر من الاعتقال، كي يلقى إهمال الرعاية. الإهمال الوظيفي للطبيب المعالج نموذج نمطي للأداء المتخلف يتمثل في الرعاية الطبية المقدمة لواحد من مفجري الكفاح المسلح، فكيف الحال إزاء الجمهور العام؟ ، نهاية فاجعة لمناضل شجاع. يدفن سراً كالفضيحة.