صفاء النجار
فى جلبابه الرمادي الذي
تفوح منه رائحة النفتالين، وحذائه البني
الذي
لا يرتديه سوى في
المناسبات، كان الرجل الأربعيني واقفا عند باب القاعة، عيناه
متعلقتان بالميكرفون الذى يتحرك من يد ليد، وأصابعه تعد
المتحدثين، وقلبه يدعو أن يكون كل من يطلب الكلمة هو آ خر
المتكلمين، وأعلى رأسه لافته من القماش أمرته المديرة
بتعليقها مع غيرها أمام باب الشقة وفي
مدخل العمارة ولما كان الرجل الذي
تكسبه ملامحه مظهرا خمسينيا ً ممتنا ً للمديرة وحريصاً على
تأكيد حسن ظنها فيه، فقد تطوع بقراءة ما هو مكتوب عليها ..
الا
.. جـ .. تماع ، ال.. سـ
ن
.. وى ، ل .. جـمـ .. عية ، ال…مر..
أة ، ال..حد
يـ ..
ثة، رؤ.. ى ، مـ .. غا .. يرة ، ل ..وا..قع ، المرأة ،
ال .. مصرية .
استغرقت القراءة منه وقتا، لكنها أعطته أملاً في
الاستمرار ولما أبطأ في
مكانه، أشارت له سكرتيرة الجمعية، فدخل القاعة، وأخذ يبدل
أكواب الماء الفارغة بأخرى مملؤة بالماء المثلج، كانت
الأصوات رتيبة أسئلة وإجابات ضبابية أعطى لها أذنا من طين
وأخرى من عجين. عبارة واحدة تعثر فيها ونفخت الروح في
أذنه الطينية " لا بد من تخصيص نسبة فى المصالح تشغلها
النساء فقط لأن الرجال منحازون بطبعهم لنوعهم " رصاصة انطلقت
من فم وكيلة الجمعية ذات الشباب والشعر الأصفر، استقرت في
قلبه فاضطرب وفر من مكمنه إلى البالكونة التى تحيط بالقاعة
.. هذه الوكيلة تكرهني كأنى زوج أمها، ومصرة على قطع عيشي،
من أول يوم جئت فيه الجمعية وهجومها يحاصرني وضرب كفا بكف.
- نحن نحتاج عاملة،وليس عامل.
- الجمعية هدفها مساعدة النساء العائلات.
-
20 %من النساء المصريات عائلات لأنفسهن
ولأولادهن.
أصبح الميكرفون أمام المديرة، تبدو من بعيد
كطوق نجاة
-
اين كنت تعمل..
-
هل لديك أولاد..؟
-
نحتاج إليك هذا الأسبوع .
ثم أعطته حقيبة ثقيلة، وأشارت إلى رصة كتب
حملها وخرجت وهو خلفها يحمل أشياءها
وغصة في
حلق رجل عندما كان ثلاثييناً كانت الأرض تهتز لخطوته، وخلفه
زوجة شابة، على ذراعها الأيمن رضيعتها وباليد الأخرى تمسك
صغيرها، وكرجل عاقل رضى بالواقع. فالدنيا تغيرت وقريته التى
تقع فى ضواحي القاهرة استبدلت روحها ، والست قراريط لا
تعطى دخلاً منتظماً وهو الآخر شبكته مثقوبة.. إذا زرع فى
سنة ثوما
أصبح
سعره فى الأرض وإذا لم يزرعه أصبح الكيلو بثمانية
جنيهات
مع أنه يفعل مثلما يفعل أهل قريته .
انقشع الضباب الذى ملأ القاعة، وتسربت رائحة
السجائر والبرفانات، ودفء الأجساد التي
تتدثر بالمعاطف الثقيلة، ولم يعد فى القاعة سوى السيدة
اللطيفة منهمكة في
حديث مع الوكيلة والسكرتيرة وقد امتلأ وجهها بالرضى والسعادة
-
التوصيات كانت رائعة والتنظيم كان دقيقاً.
لمحته المديرة .. مدت له يدها
-
تعبت معنا اليوم.
ومن حقيبتها المنتفخة أخرجت ظرفاً
-
هذا أجر عملك الأسبوع الماضي.
ترددت يده، شجعه إلحاح الولد على درس
الرياضيات، وبسط له ابن عمه البواب القاهري المسألة:
-الولد فى شهادة،الأرض لن تبور، تؤجرها إذا
استمريت فى العمل.
حذرته الشابة ذات الشعر الأصفر :
-استمرارك في
العمل معنا سيحسمه امتحان محو الأمية غدا.
سبعة أيام وهو يعمل ألف حساب لهذا الغد ومن
أجله دخل غرفة ابنته مرتبكاً في
أبوته والحروف التي
يعرفها منفصلة تتوه منه حين تتصل، وتصبح رسوماً لا معنى لها،
استنجد بغريزة الأبوة وجلس كأنه يمتحنها
وسألها:
-
هل تستطيعين قراءة كل ما في
هذا الكتاب ؟
كان يعلم أنها تعرف، فهي
أشطر بنت فى البلد وفي
الأجازة سلم على سعادة المحافظ وتصور معه وهي
السبب .. طلعت الأولى على المحافظة في
الشهادة الابتدائية.
وكما توقع هزت البنت رأسها وبدأت بقراءة
الدرس الأول أخذ يتابع قراءتها وأصابعه على الكلمات وشفتيه
تتمتم خلفها، كانت تقرأ بسرعة ومهارة وكانت الكلمات أكبر
منه، بفطرتها تنقذه من غرقه
-
كتاب المطالعة الرشيدة أحسن.
أحضرته بسرعة وتعلل بذكاء:
-
حكاياته مفيدة وحلوة .. هل تريدني أن أقرأ؟
يبتسم لها:
-
اقرئي
بوضوح ولا تأكلي الحروف.
في
الطريق إلى بيته كانت الشمس تصاحبه هي
الأخرى إلى عالمها، وكان النيل فسيحا، وعلى سطحه تومض عشرات
اللافتات، عبر كوبري عباس كانت عيناه تبحلق في
أسماء المحلات يفك طلاسمها، يختبر نفسه مع كل لافتة: إعلان
سينما فاتن حمامة، "تليمصر"، "كنتاكى"،تساعده إعلانات
التليفزيون على النطق الصحيح .
كان الطريق طويلاً وهو مازال فى بدايته
ولما وصل المنزل أوصى زوجته بالظرف
-
درس الرياضيات للولد.
وبعد أن تناول العشاء جلس إلى جوار ابنته على
الطبلية.
تكتب له بخط كبير كلمات جديدة يتهجاها، يكتب
وتصحح، طالت سهرتهما والبنت تصفق جزلة بين الحين والحين:
-
شاطر يا بابا
وبعد أن طالت السهرة عاد الولد من اللعب مع
الرفاق، وكالمعتاد طلب من شقيقته وهو يرمي
بحذائه تحت الكنبة كوب شاى، ولما كانت البنت منهمكة في
تصحيح ما كتبه ابوها والرجل الأربعيني يستعد للامتحان غدا لم
ينتبها له.فرفع الولد صوته :
-
جهزي
لي
كوب شاي.
ترددت البنت بين الكراسة و كوب الشاي
واستنجدت بابيها.
فنهره أبوها:
-
جهز لنفسك،الشاي والسكر عندك،وجهز لى كوب
معك.
أعادت البنت الكراسة لأبيها وعلى صفحتها نجمة
وممتاز.
فارتفع صوت الرجل الأربعيني ينادي
ابنه:
- يا محمد جهز كوب شاى لأختك معنا.
|