حتى نلتقي


 قصة قصيرة 

 سحر الرملاوي 

- هو .... إنه هو بكل تأكيد ..

 وقعت الصحيفة و اصطدمت بالعارض و تبعثرت الكتب ، الضجة اربكتها و لفتت الأنظار إليها ..

مالت تستجمع نفسها و تحاول إصلاح ما أفسدته ، بادرها أحد العاملين و اعتذر منها بلطف سائلا إياها ألا تشغل نفسها بما حدث ، تركت الموقع و سارت بخطوات متعثرة باتجاه آخر ..

 صار الآن لحذائها صوت عال مزعج تتمنى لو يختفي ، تثاقلت خطواتها في محاولة لوأد الصوت الذي أبى
 مع كل خطوة إلا أن يعلن عن مكانها و يشي في كل فرقعة باضطرابها ، لم تحاول رفع رأسها و النظر
 حولها ، كانت هذه المحاولة من قبيل الجنون ..

 كيف لها أن تواجه كل هذه العيون المتلصصة ، الفضولية ، تقودها عينان عاشت معهما يوما حكاية ..

" إنه الآن يتابعني بعيونه ، تسكن الابتسامة الساخرة طرف شفتيه ، يعقد ذراعيه حول صدره ،وتكاد وقفته 
 الأليفة تقص الحكاية لكل العابرين ..

 يعرف من حولنا الآن على الأقل أننا كنا لبعض ، بيننا حكاية ، نهايتها زائفة ، فإن ما لفت انتباههم ما هو إلا
 استرسال في حكاية لم تنته ..

 يعرفون الآن كذلك أنني كنت العنصر الأضعف فيها ، فما هذا الارتباك و لا هذا الاضطراب إلا رسائل 
 حاجة تبعثها جوانجي إليه ، أما هو فمن وقفته و عقد ذراعيه و ابتسامة السخرية على شفتيه ، لابد أنهم 
 عرفوا الآن انه كان دائما الأقوى ، القادر على سحب بساط الأمنيات باتجاهه و القادر على تطويع كل 
 المشاعر لصالحه و تجييرها بإسمه ، يعرفون الآن يقينا أنني رغم انتهاء علاقتنا مازلت أحن إليه ، و انتظر 
 يوما كهذا تجمعني الصدفة به في مكان بلا ميعاد .."

 صوت رتيب خفيض لحذاء نعل مطاطي علق بسمعها ، فاستنفر أعصاب رأسها ..

" لابد أنه الآن يتبعني ، إذا حاول أن يكلمني سوف أواجهه بكل قوة ، سوف أصيح في وجهه و ربما أيضا 
 صفعته ، سوف أستدعي الأمن لإيقافه عند حده و سوف أنكر اني أعرفه إذا استنجدت بي عيونه و هم
 يقبضون عليه .. هذا ما ينبغي علي فعله .."

 مازال الصوت الخفيض للنعل المطاطي يتبعها ، يدق قلبها مع كل خطوة ، يقترب الصوت و يبتعد ،
 أرجوحة من القلق تتجدل مع الدم في أوردتها كلما اقترب الصوت أو ابتعد ، تحول القلق إلى ترقب ، متى 
 تربت يده على كتفها ، و يقضي بهمساته المتلهفة على شكها ؟

" حتى وقع خطواته مازال يسكن قلبي ، أعرفه من دقاته على الأرض ، يكاد يلمسها لمساً ، دائما كانت
 تعجبني طريقته في المشي ،كنت أراه رشيقاً، راقصاً أسطورياً يتقن فن مغازلة الأرض و معانقة الهواء .."

 تعمدت أن تنحرف بخطواتها باتجاه رفوف الحلوى المعبأة ، طالعت بعيون غائمة الأصناف الكثيرة الملونة و الأسماء التي لا نهاية لها ..

" قبل أن أمد يدي على حلواي المفضلة سيكون قد سبقني إليها ، يعرف النوع الذي افضله ، سيمسكه
 باصبعين و يلوح به أمام وجهي و يطوحه في الهواء ثم يتلقفه و يهمس :

- سأشتريه لك …

 لن أسمح له أن يستمر في لعبته القديمة ، سأنظر إليه بغضب و أترك المكان بعد أن اهمس له بأنه لم يعد يعرف حتى ما أحب .."

 مازال الصوت الخفيض يتبعها ، يسير فوق أعصابها ، ينظم إيقاعه مع دقات قلبها ..

" لابد أننا الان مثار انتباه الجميع ، لابد أن تلك السيدة التي تقف في نهاية الممر تراقبنا الآن و تنتظر نهاية اللعبة ، تتوقع أن يكلمني ، و تتوقع ان أكلمه ، تتوقع ان نغادر المكان و نحن نكمل قصة لم تنته ..

 لكنها واهمة ، لن أعود إليه ، لن أسمح لقصة ماتت أن تعود للحياة ، الموتى لا يعودون ،لا يتنفسون ،لا
 يهمسون ، لا عتاب بينهم ، لاحوار بينهم ..

 لابد أن يفهم تماما أنني لن أعود ..

 مرة واحدة فقط ينبغي أن أكون قوية و أن أرفض سطوته ،مرة واحدة فقط و بعدها ينتهي ضعفي الذي بلا
 حدود ..

 تنتهي مأساة الإنتظار في عمري ..

 مرة واحدة فقط و بعدها أعود للحياة و تعود لي الحياة ..

 ليته يأتي الآن ..

 ليته يحاول أن يكلمني ..

 ليته يتوقف عن متابعتي بعيونه ووقع خطواته الواثقة .."

-  هل تحبينني ؟

-   نعم

- هل تحبينني ؟

-   نعم .. نعم ..

- هل تحبينني ؟

-  نعم .. نعم … نعـــــــــم ..

 و يضحك منتشيا و تضحك هي أيضا ..

 سؤاله الدائم و جوابها المفضل لديه ..

 كم تردد هذا الحوار بينهما ، كم سألها ذات السؤال وكم أجابت نفس الجواب وكم ضحكا كثيرا حتى التمعت
 في عينيهما الدموع ..

 حينها كان يفيض قلبها بالحب ، فترتعد أطرافها و تشعر أنها ملكت العالم..

 الآن تتذكر بكثير من الدهشة أنها أبداً لم تسأله ذات السؤال ،كانت تحب سؤاله و تحب جوابها ، فلماذا لم
 تجرب ان تسأله لتحب جوابه ؟

 كان يتسلى ..

كان يمارس الغرور .. و يرعاه ..

 و كانت هي سقياه ..

 كانت هي اللعبة ..

 و لما مل اللعبة ، أدار ظهره و مضى ..

 هكذا ببساطة ..

 مر فوق مشاعرها و أعاث في دنياها الخراب و بلطف اعتذر ثم مضى ..

-  لا يمكنني الاستمرار معك ، أسباب كثيرة تحول دون استمرارنا ، أنا آسف ..

 هكذا ببساطة انسحب ..

 و بقيت كلمة نعم التي يحبها منداة فوق شفتيها الراجفة ..

 مازال سؤاله الرتيب يستدعيها كل ليلة قبل أن تنام .. يحول فراشها جمراً،و تردد للسؤال العالق في فضاء القلب :

-   نعم .. نعم … نعــــــــم ..

 و تبكي لوحدها ..

"هذه هي فرصتي الوحيدة لأطرد شبحه من خيالي و قلبي ، لابد أن اقتنص الفرصة ، ينبغي ألا أدعها
 تمضي دون أن أغسل روحي منه لأعود للحياة و تعود لي الحياة ..

 إن لم يحدثني الآن … سأبادره ..

 إن لم يسمعني … سأجبره …

 إن لم يحررني .. سأقتله .."

 قبضت على حقيبتها بقوة و قررت مواجهته ..

 التفتت إليه بسرعة لتطرد الخوف ..

 إلتفتت بسرعة لتواجه عيونه ..

 لتقول له .. لا ..

 لا .. لمرة واحدة و بعدها تعيش ..

 لا .. غاضبة و بعدها تعيش ..

 لا قوية .. و بعدها تعيش ..

 كان كيانها كله يرتجف ..

 و أصابعها ترتجف ..

 و قلبها يرتجف ..

 لكنها حين واجهته ..

 كان يبتسم ..

 طفل جميل يتطلع إلى الحلوى الملونة بشغف و ينتظر أن تغادر ليقترب ..

تطلعت حولها ، شبت على أطراف أصابعها ، مسحت المكان بعيونها ،كان كل شئ هادئ ، كل الناس مشغولون باختيار حاجياتهم ، و لم يكن له أثر .. عادت بعيونها للصغير المبتسم ، ابتسمت و هي تخفف قبضة يدها عن الحقيبة المسكينة ، و افسحت له المكان ..